-->

هل يمكن أن تكون «أهلوياً» من دون أن تشجع «الأهلي»؟

هاني درويش

يبقى مصير التراس نادي الاهلي غامضاً بعد أزمة مباراة كأس السوبر الأخيرة، «فالمشجعون الفائقون» (التراس كما تشير التسمية والمعنى) ذهبوا في تمردهم إلى مدى تبدو العودة عن سقفه الأخلاقي الأعلى شبه مستحيلة.

كان أبناء الرابطة، المكلومة بتخثر دماء من أبنائها الضحايا، في مذبحة استاد بورسعيد، قد رفضوا استئناف النشاط الرياضي قبل الحكم على المسؤولين الحقيقيين المتسببين في المذبحة. وذهبوا في هذا الموقف إلى حدود النزوح الجماعي بالآلاف نحو استاد المباراة، التي اختار لها الأمن مكاناً موحشاً في صحراء الاسكندرية، لمزيد من عزل المباراة وحمايتها. ونجح وزير الرياضة الجديد في عناده باستعادة ماكينة الانتاج الكروي مستخدماً في سبيل ذلك آلاف الجنود وميليشيا المعلقين الرياضيين، التي عزفت جماعياً عبر شاشات التلفزيون اوركسترا «الحي أبقى من الميت«.

تعاطف الملايين مع الالتراس وقيام البلد وعدم قعودها، وهي تراقب مسيرة المشي التي امتدت كيلومتر، بعد أن تآمر سائقو سيارات نقل المواطنين مع الاجهزة الأمنية، ورفضوا حمل الالتراس إلى أماكن ولو بعيدة عن الاستاد.. ترافق كل هذا مع مناخ من الجدل المجتمعي قلب في أنائه الصدئ لغواً على شاكلة «هيبة الدولة« التي يكسرها شباب أو جماعة منهم، استمر لساعات بل وأصاب سعار النهش، في مشهد البطولة الأخلاقية للشباب، محمد أبو تريكة، اللاعب الأشهر الذي أعلن وحده عدم لعب المباراة من كل لاعبي الفريق، بعد أن تلقى مكالمة من أم الشاب الضحية الذي اسلم روحه بين يدي اللاعب يوم المباراة في غرفة تبديل الملابس.

سؤال الألتراس الحالي هو: كيف وهم مهزومون (بعد اقامة المباراة بالفعل) هكذا يستطيعون العودة لتشجيع الفريق؟ أو بمعنى أدق: كيف وقد بنوا في خطاباتهم وأهازيجهم وراياتهم المعلقة صورة لنادي الوطنية المصرية، صاعدين بتاريخ النادي بناء قيمياً يضعه في مصاف الهوية الاجتماعية السياسية الحاكمة.. كيف لهم أن يستكملوا المسيرة؟ وقد أثبت الحدث الأخير أن في النادي الماكينة الإقتصادية اللاأخلاقية التي على استعداد لبيع دماء جماهيره مقابل ان تستمر اللعبة؟ فالهزيمة هنا هي في المعنى الذي صنع به الالتراس أسطورتهم عن الفريق. فريق يملكه جمهوره كما قال الساحر المؤسس لهيبة النادي صالح سليم، وهم أي الالتراس صدّقوا ومارسوا هذه الشعارات إلى حدود اختبارها الفاشل.

هل يبقي الألتراس فئة من كهنة حرّاس القيم السرية، بعيداً عن الملاعب، فيما ماكينة اللعبة دائرة؟ هل يبتعدون عن تشجيع الفريق لأن مجلس إدارة النادي الحالي «خائن« هو ولاعبوه، انتظارا للحظة لا تبدو قريبة تنتصر فيها سرديتهم، ومن دون ساحة فعلية، هي المدرجات ومسرحها الاسبوعي، الذي كان تطبيقاً لقيم وفائهم وتحقيقاً لتلك القيم؟

الكل يعلم تماماً المسافة التي كانت تفصل الالتراس بقيمهم عن المتحقق فعلياً من سلوكيات النادي كمؤسسة اجتماعية اقتصادية، مندمجة مع فساد المجتمع الأوسع. والعلاقة بين الالتراس والنادي كانت غالباً هي الصدام، فيما شكل لاعبو الأهلي أنفسهم صمام أمان عدم وصول هذا الصدام إلى حدود القطيعة. قطيعة كانت ستخلي المدرجات من قوة النار التي تشعل حماسة اللاعبين. وقد استجابت ادارة النادي لعقاب الالتراس كثيرا قبل الثورة، بل لم تقف معهم إلا على مضض في اكبر صدام بينهم وبين الامن قبل الثورة بعامين، في استاد الاسماعيلية، حين اعتقل منهم مئة مشجع. وبدا حينها كيف ان ادارة النادي تستثقل دفع أثمان التشجيع الفائق.

لكن الالتراس في صورتهم عن النادي كانوا يثبتون لحظة ذهبية تاريخية ، تحديدا قبل تسلم حسن حمدي رجل الأهلي القوي، ورئيس مجلس إدارته الحالي زمام النادي، وهو الشخص الذي ربط النادي غالبا مع المجال السياسي العام المتصل بفساد نموذجي لعصر مبارك، بعد أن اصبح حمدي رئيساً لأكبر وكالة إعلان في مصر أي الاهرام. وهي الوكالة التي تتحكم في تسعير الشق الدعائي من اللعبة وتسويقها. قبلها، أو قبل سطوة الاقتصاد والتمويل على مفاصل اللعبة، كان المؤسس صالح سليم «الديكتاتور العادل« قد حمي النادي من أي علاقة ودية بأنظمة الحكم، بل وأشاع مناخا من العداء لحكم مبارك نفسه، استمرارا لإنفة النادي (الأكبر جماهيرياً) ملامسة السطح الخشن لعلاقات السلطة كما قدمها خصمه «الزمالك«، او كما التصق النادي «الاسماعيلي« بعصر رجال الانفتاح.

نحت الالتراس هوية وطنية ضدية من خط التاريخ العام، بدءاً من ثورة ، وصولاً إلى أهلية النادي في مواجهة سلطوية الملك فاروق، مرورا بالبرودة مع ثورة يوليو، وهي تنمذجت في نسر النادي الذي يحلق عالياً «نسر نادي الوطنية» كما يقول الهتاف الشهير للالتراس.

ذهب ألتراس الاهلي إلى الثورة المصرية الاخيرة بهذا الهرم من القيم، فأعادوا ببطولتهم وشهدائهم. أثناء أحداثها الجليلة تعميد الاسطورة وصهرها بمزيد من الدماء. وجاء انتقام المجلس العسكري، بجهازه الأمني وعصبويات فلول مدينة بورسعيد، ليجعلوا من التراس الاهلي طائفة يحل بها إنتقام الأحقاد من مجمل الثورة.

وفقا للقانون الألتراس العصبوي، كان على التراس الأهلي حلّ نفسه بعد ما حدث له في بورسعيد، فقد هزم وقطعت أوصال أعضائه وسقط علمه بعد الترحال إلى مدينة الخصوم. كان هذا هو التحدي والسؤال الأول للمجموعة التي وصلت لتبوؤ قمة الالتراس الاكبر قاريا بثلاثين الف عضو، فوفقا لقوانين ذلك العالم السري لا قضاء ولا نيابات ولا أقسام، الانتقام اولا وقبل ان يبرد الدم من التراس بورسعيد، لكن قيادات الالتراس كانت امام مفترق طرق تاريخي: الانحطاط إلى مستوى العصابة وفقا للقانون المكون والطبيعي، أو الصعود إلى مصاف جديدة في علاقة الكرة بالاستبداد؟ الحقيقة أن لا مجموعة التراسية عبر العالم سقطت صريعة لتآمر سياسة دولة ونظام سياسي. كل مجموعات الالتراس هي ابنة الوعي الهوياتي ما قبل السياسي، هوية المدينة والعصبية الهامشية التي اما هي صناعة الفقر والغنى، او صناعة تهميش المركز والاطراف في مجتمع المدن الكبيرة. ازمة بورسعيد في خضم نزف ثوري تسامت بالالتراسية إلى مستوى الطائفة السياسية المُنتقم منها فقبلوا الألتراس ببساطة، وعلى تضاد مع الفكرة الانتقامية البسيطة. ان يكونوا جزءا من مشهد ثورة قبلوا القضاء حكما في الجريمة. هنا يصيبهم ما اصاب ضحايا الثورة من أقباط او فقراء الضحايا، هنا يخرجون من عباءة مشهد استمرار الحياة إلى مشهد الجماعة السياسية المغبونة والنضالية ، والتي تؤمن بساحات منوّعة لا مجرد «استاد« لاستعراض نضالها غير المرتبط بمطلب آني. وجاء استئناف المسابقة بشروط التعريض على بالقتلة، بتحويل الضحايا إلى مجرد ارقام تعويض مالي وصك أزهري بـ»الاستشهاد«، وتحت شعار ضرورة أن تعود عجلة انتاج الكرة .

ذكاء «الاخوان« كان تآمريا في اختيار العامري فاروق وزيرا للشباب، فالاخير هو عضو مجلس ادارة الاهلي، المكلف متابعة ملف الشهداء. وهو العضو الوحيد المعادي لحسن حمدي في مجلس ادارة النادي. لا ينتمي العامري لشبكات النفوذ العليا القديمة التي تترابط خيوطها بيد حسن حمدي، بل ينتمي لفكرة الفساد العصامي الصغير الذي سمح لتاجر كتب مدعوما بعلاقات الامن ان يكون عضو مجلس ادارة النادي الكبير. اي هو نموذج تقسيم العمل التخصصي بين شبكات ومستويات متباينة من فساد مبارك. وعندما اختار الاخوان عضوا في الحزب الحاكم السابق، وعلى خلاف اجرائي برجل الفساد الاكبر في الاهلي، حاولوا تصدير الازمة الكبرى لإعادة اللعبة الاهم إلى الكتلة الجماهيرية الاكبر المشتاقة لعودة المسابقة. الكتلة الجماهيرية التي يشكل الالترس مرجلها وضميرها المتقد.

المشكلة الآن هو آن مشهد صناعة الكرة لا يستغني غالبا عن الالتراسية فهي صناعة كادت آن تنتهي بداية الالفية الجديدة عندما هجر الجمهور العادي الملاعب مستقرا على الكنبات امام القنوات الفضائية لتحليل المباريات، وكان ظهور الالتراس في المدرجات على عكس الخط العام الذي يشيئ الجمهور او يحولها إلى حيوانات مشجعة لفواصل الإعلانات. كان ظهورا اعاد الحرارة إلى اللعبة واعاد الجمهور العادي لولائه في التشجيع بثمن التذكرة، عاد ايراد المباريات ليشكل رافدا من تمويل الاندية ومعه خطوط انتاج اكسسوارات النادي، التي يشكل الالتراس اكبر مستهلكيها ومروجيها. اصبح الالتراس من دون ان يعلموا جزءا من اقتصاديات اللعبة. ولا أبالغ إذا ادعيت أن ثمن اعلان ارضية الملعب المجاور لمدرجات الدرجة الثالثة شمال(مدرج الالتراس الحصري) أغلى من أي اعلان آخر بالملعب، فعليهم تسلط الكاميرات وحماسهم اعادت الملايين لمتابعة المباريات امام الشاشات لنشاهد ما يفعله الالتراس. بمعنى آخر قد يعود «عرض» كرة القدم لكنه يفتقد مشهده المسرحي الاهم، ممثله الوحيد، الذي يعطي للكرة قيمتها الملحمية القديمة.

النكوص إلى الوعي الانتقامي التقليدي يبدو حلا للعدالة غير الناجزة للالتراسية كقضية سياسية، فهل تتحول مجموعات الالتراس إلى حاملة لوعي ثأري فوضوي إن هم هجروا الملاعب وتعطلت العدالة المجتمعية؟ يبدو هذا مستحيلاً، فالجميع يعرف أن الانتقام الفردي يجب ان تكون ساحته الملاعب وما حولها. فبعد ان حمت قوات الامن مدينة بورسعيد من زحف الانتقام العفوي، ذهب الالتراس في طقس انتحار جماعي تطهري، لم يفل من ضرورة الانتقام من جماهير النادي «المصري« وهو انتقام مؤجل يجري تربية احقاده بتؤدة وينتظر اول خروج لجماهير المدينة الباسلة (بورسعيد) ، لأي موقع تنتشر به كونفدراليات ألتراس الاهلي الاربعة، الدلتا والصعيد والاسكندرية والقاهرة.

الازمة يلخصها هتاف الجماهير ليلة «كأس السوبر« حين مُنعت من الوصول للاستاد، حين حولت هتاف «فريق كبير ..فريق عظيم ...اديله عمري ..وبرضوا قليل» إلى هتاف» فريق جبان ... فريق خسيس ...اديله عمري وبرضوا رخيص»، فالجماهير التي انقلبت منفعلة احست اليتم المفاجئ، امام صورتها عن نفسها وفريقها. فهل تصلح تلك القيم نفسها متراسا لإبقاء المجموعة على رفعتها الاخلاقية ذاتها؟ كيف تنتصر لقيم هي الوحيدة المتاحة في صحراء فشلها المقيم؟ السؤال سيجيب عنه الان ضمير ألف هوية تعتمل بالمأزق من دون مخرج واضح.

..............

المستقبل| الاحد 23 سبتمبر 2012

Top