-->

من نافذة القطار كنا نشير إلى بيت «بيبو» ونقول إن أخاه «أحرف» منه

هاني درويش

إعادة اختراع المجال العام هو إحدى المهام المؤرقة لوعي المصريين، خاصة الطبقة الوسطى التي باتت محرومة مع هجر الدولة لوظيفتها التنظيمية من أي فضاء مشترك، وابتعاد سلطة الدولة شيئا فشيئا عن القيام بدور الناظم لسلوكيات استخدام الفضاء، فيما تستقر قبضتها مشرعة للفتك فقط في حال "تهديد الأمن العام".

المقصود بالفضاء العام هنا(وفقا للواقع المصري) المساحات العامة، التي من المفترض أن تجمع أطيافا متنوعة من الناس، إما لغرض الاستمتاع أو الترفيه أو التسلية أو التنزه، أي الأنشطة الحرة غير المرتبطة بفائدة مجتمعية اقتصادية كانت أو سياسية، وهي تضم المتنزهات العامة (النادرة) ومساحات التنزه كالرصيف أو الميدان، وتنضم إليها المولات التجارية وساحات المطاعم المجمعة والنوادي الرياضية والاجتماعية، أي المساحات التي يخضع فيها السلوك الشخصي لأكبر مساحة من التعبير محتكا بمساحات حرية الآخرين. وقد ساعد تدهور المرافق العامة ولا أمانها الشخصي أو الاجتماعي في ظل انسحاب الدولة إنفاقا أو ضبطا للسلوك القانوني في استخدامها، إلى ظاهرتين أساسيتين: الأولى استبدال سلطة الدولة بسلطة تعدي الأفراد على المجال، والثانية خضوع تلك الفضاءات في النهاية لقانون العرض والطلب الاقتصادي، أي خصخصة المجال لصالح أشخاص أو شركات أو مؤسسات مقابل مقدر مالي.

ما ترك نهبا في الحقيقية لعلاقات القوى البدائية هو الشارع، وهو ما تقلصت إليه حدود الفضاء العام شيئا فشيئا. لذا يلجأ جمهور غفير إما لإعادة اختراع فضاء مواز، أو الرهان أكثر على فضاء توفّره البحبوحة الاقتصادية وفقا لظروف كل شخص. ومن هنا عادت فكرة أسطرة النوادي الرياضية والاجتماعية، حيث تحيا الطبقة الوسطى على قائمة من الأحلام تضم: أولا مسكنا لائقا، ثانيا السيارات التي توفر خصوصية الإنتقال في الشارع المنفلت العقال، وثالثا النادي الرياضي الذي يوفر مساحة من مشاركة الآخرين أوهام الترفيه المموهة بالتنافس الرياضي.

شيئا فشيئا، تحول النادي الرياضي أو الإجتماعي إلى بديل عن الشارع والميدان والمتنزه العام والحديقة. ونتيجة طابعه المفتوح الساحات المسيج عن عيون الآخرين، ونتيجة لانضباط مساراته التخطيطية وتوافر «مساحة أمان نسبي» وتعدد للمشاهد المدينية النادرة (الحديقة) (ساحات الطعام) (الملاعب الرياضية) بدا أقرب إلى «مجال مخترع» يستعيد المساحات المتقلصة خارجه.

لكن ما هي وضعية النوادي الرياضية الحديثة في مصر، وما هي خرائطها الطبقية؟ وما هي قدرتها على «تعويض ندرة الفضاء العام» ؟

لم يكن يشغلني شخصيا السؤال قبل تأسيس أسرة تنتمي جبرا إلى طموحات الطبقة الوسطى، خاصة وأن مجال سكن تلك الطبقة يميل إلى العزلة النسبية نتيجة هوسها بالتمايز المكاني ومحاولتها التملص من عوامل إنهيار البيئة التي تسيطر عليها الدولة، وما نموذج الكومباند الشهير في مصر الآن إلا استجابة «شرائحية» لهاجس «عدم التدهور» في مجال السكن.

البحث عن خصوصية ليست هاجسا مأفونا في أغلب الحالات، هي في النهاية مطلب إنساني غالبا ما تحميه المجتمعات الناضجة. أقصد بالناضجة تلك التي استوى فيها تحديد الفضاءات وأستقر، أو التي يحمي فيها القانون الوضعي والعرف الإجتماعي المساحات العامة والمساحات الخاصة بنفس درجة العدالة. ففي الأولى تلعب الدولة الحديثة دورها في فرض سلطة تتبنى نمطيا الحفاظ على مقدرات بيئتها الطبيعية، وهي البيئة التي يتوجه لها إنفاق الدولة ممثلة الأفراد لمجالات يحتاجها أبناء المجتمع ويتشاركون في الدفاع عنها عبر دولتهم. الطريق مقياس للبنية الحضارية التي تنفق الدولة الحديثة بعضا من أموالها لتسيير مصالح الناس والتي هي مصالحها في الحالة الجمعية. الطريق في الحالة المصرية على الأقل تقدم نموذجا ميكرسكوبيا لانسحاب الدولة من خدمة نفسها ومواطنيها على حد سواء. أما محاولة تأمل الرصيف أو الميدان أو المتنزه العام أو فضاءات التسوق فحدث ولا حرج، فهي أساسا لا تتبنى نظرة إيجابية عن تجمع ناسها تحت أي يافطة حتى لو كانت التسلية، وما مشاهد الأمن المركزي الرهيبة عند أبواب الإستاد إلا تعبيراً دقيقاً عن حذر النظام من الجماهير عموما.

وقد خلقت «ارتكاريا الجماهير المجهلة» علاقة غريبة في علاقة السلطة بالمجال العام، فتعدي المواطنين الفردي عليه لا يعد ولا يعتبر أزمة. لكن إذا ما اتخذ فقراء قرارا بالتعدي الجماعي الاحتجاجي سواء عبر قطع الطرق أو التظاهر النادر، أنبثقت على الفور يافطة «تعطيل مصالح البلاد العليا» متبوعة بالقمع الساحق والماحق لمثل هذه التجمعات. الأمر يختلف في حال الأغنياء، أفرادا ولن أقول جماعات، فالتعدي على ملايين الكيلو مترات من أراضي الدولة يتزايد وينتشر ويتغوّل، فيما لا تستعمل الدولة هنا جحافل الأمن المركزي، بل تستعمل ترسانة بطيئة من المشرعين والمحققين في إصدار قرارات ورقية يسهل التعامل معها وتعطيلها قضائيا.

بالعودة إلى النوادي الرياضية، والتي هي هنا ما يعتبره جمهور غفير من الطبقة الوسطى العليا ملجأ وتعويضا خاصا عن الفضاء العام، بدأت مسيرة الأندية الرياضية والاجتماعية منذ ما يزيد على القرن. بدأت بشكل فئوي ووظيفي بأندية بأسماء شركات التحديث الكبرى التي أنتجها مشروع الخديوي إسماعيل ، كأندية شركة المياه والترام والسكك الحديد. الأندية الاجتماعية قد تكون بدأت قبل ذلك بقليل، ويسترعي الاهتمام في هذا الشأن نشأة الأندية مع تبلور روح التحرر الوطني، فجاءت معظمها لمواجهة هوية أندية الجاليات الأجنبية. واحتفل النادي الأهلي(الذي سمي أولا بنادي المدارس المصرية للألعاب البدنية) منذ سنوات بمئويته فيما يحتفل خصمه (الزمالك) هذا العام بمئويته، أما نادي الجزيرة أو البوتقة المحفوظة والموميائية للطبقة العليا المصرية فيحتفل خلال أعوام بمئويته هو الآخر.

بدأت الأندية إذا مع مشروع التحديث وما اعتراه من إعادة ترتيب طبقية. ثم توارت وخفتت أنشطة الأندية التي قامت على خلفية المؤسسات الصناعية وبقيت أندية الهوى الوطني المدعوم بفرز طبقي من الطبقات الوسطى الدنيا فصعودا. كل الأندية المصرية تضع شرط الحصول على مؤهل دراسي عال من زمن كان فيه التعليم العالي معيارا للوضعية الاجتماعية والطبقية. وقد حاول عبد الناصر الذي شنّ رجاله هجمة عنيفة على أسوار نادي الجزيرة البرجوازي الرافض دخولهم في زمرته، شن حملة أسس على أثرها مفهوم «مراكز الشباب الشعبية» التي بلورها بمركز شباب الجزيرة على أضعاف مساحة النادي الشهير ملاصقا لسوره. لكن مشهد مركز الشباب المتداعي بعد نصف قرن وبقاء النادي شامخا يعد دليلا على تهافت روح العدالة القسرية الانتقامية.

التجربة الناصرية أنتجت مئات الآلاف من مراكز الشباب في الأحياء الشعبية، وهي عبارة عن ساحات من الأراضي قسمت معظمها على عجل لتتضمن ملعبا صغيرا أو كبيرا لكرة القدم وملعب لكرة السلة يتحول إلى الكرة الطائرة أو كرة اليد ومبنى اجتماعي ودورات مياه، ما تبقى من هذه البنية في النهاية هو دورات المياه الخربة التي غالبا ما اصبحت قبلة فقراء الأحياء التي لا تتوافر فيها أصلا مياه صالحة للشرب أو مجارير لتصريف أحوالهم الباطنية.

في عام 1989 تسجلتُ في مركز شباب عزبة النخل، في رياضة الكاراتيه وأنشطة الكشافة. كان سور المركز العالي الذي يمنع الكرات من الخروج، يمنع الأهالي من الشكوى ضد الصخب، وكان يجلس عند بوابته بواب ينظر في هوية الأعضاء. كان ذلك معيارا للفصل بين الفضاء الخارجي حيث لا قانون يحكم هذا الحي العشوائي الناهض، وبين الداخل الذي تسوده روح النظام التراتبي الرياضي. لم أفلح على عكس أخي في حجز مكان لي بفريق كرة القدم، الذي كان بؤرة اهتمام المركز رغم أنه لم يصعد ولو مرة إلى الدرجة الخامسة من ممارسة اللعبة. كانت هناك صالة لكمال الأجسام ورفع الأثقال، رياضتا الفقراء اللتان تحققان سريعا إحساسا بالقوة في مجال حيوي لا يعترف إلا بالقوة. حتى الكاراتيه ببدلته البيضاء الناصعة وأحزمته الملونة وقوانينه الأخلاقية الآسيوية لم يكن ليداني لمعان العضل وبروز أثداء الرجال من أسفل الشيرتات الضيقة. لشاب مثلي هيكلي العظم وبأنف طويل وبثور في الوجه كان الكاراتيه بصرخته الشهيرة كاسرا لوحدة القراءة المنزلية المريضة. وأبدعت سريعا في فنون الكوميتيه (القتال) حتى قبل أن أفهم جيدا حركات الكاتة( الإستعراض) والتي هي الأساس كي تكون مقاتلا جيدا. وبعد معارك أفرغت فيها خجلي وأصبت عديدين تفرغت للكشافة.

في هذا التوقيت كان «أحمد بطة» صديقنا الذي يعمل والده في السكك الحديد يتحدث عن حمام السباحة كشيء عادي، ناديهم الواقع في ناحية مدينة نصر والذي تطلب الإنتقال إليه ركوب القطار وأتوبيسين. قضينا في حمام سباحته الأولمبي ساعات النهار ونحن ملبوخون. كلما مرت فتاة على ممشاه تنشده أبصارنا ونحس أن عرينا العظمي به بعض الإغراء. قضيناها اختصارا عن الأمتار الأولى والمياه أعلى الألبسة، نتملى في العري الموحد ونتشوق لعبور فتاة قد ترمي نظرة. ولا يعني هذا اختفاء اللهو المعنون برش المياه كما لعب أباؤنا في الترع الريفية أو في المؤامرات على إغراق بعضنا البعض وسحب الألبسة من أسفل المياه بعد غطسات تفنن بها «بطة» الذي يعرف العوم والنظر من أسفل المياه بعويناته التي كانت اختراعا، المهم عدنا مكدودين مكتسبين سمرة مفاجئة ونمنا جميعا في القطار. كان الدخول بتذكرة بلغت 25 قرشا أضف إليها الإنتقالات وضياع اليوم مما عنى صعوبة تكرار ذلك إلا في المناسبات. عدنا لمركز الشباب الذي بلا شجرة، بلا فتاة واحدة إلا التلصص على شبح فتاة في عمارة عالية مطلة. عدنا إلى «الزنقات» التي خلف المبنى الإجتماعي والتي استولى عليها «الصيع» لتدخين السجائر، عدنا لنشد أحبال «العقد الوترية» في تخييم الكشافة، بينما نتسابق في مسابقة «ضرب العشرات» في ليل المركز الطويل.

بقيت في ذاكرتنا من «نادي السكك الحديدية» تلك الممرات الشجرية الحصوية، تلك الإلتفافة التي تعني هدرا في المساحة. أفراد الأمن الذين يزجرونك عند إلقاء كيس نايلون بعيدا عن سلة المهملات، ثم أخيرا الإستاد العظيم للنادي، الذي تقع مدرجاته العلوية على سطح الأرض فيما رقعته ومرماه هناك في الأسفل بعيدا. الإستاد الذي سيعود أخي سريعا إليه في اختبارات الناشئين حارسا للمرمى بعد أن برع في مركز الشباب وصار ضروريا أن يرتقي احتراف الأندية. ومن أول تمرين بعد تجاوزه الإختبار حدثني عن موهبة لعفريت قصير أسمه «محمد بركات» كل مشكلته أنه يدخن السجائر (في سن الخامسة عشرة).

لم يعن ذلك أن تجربة يوليو في مراكز الشباب كانت فاشلة بالكامل، لقد إلتقطنا منها، في نهاية الثمانينات، مسحة الشرف، كنا نمر بالقطار على بلكون عائلة «إكرامي» وحش إفريقيا وأحسن حارس مرمى في تاريخ الأهلي، فنعرف من يافطة «الأهلي حديد وأنا ركبي حديد» الشهيرة كيف احتفى حي حلمية الزيتون القريب مع عائلة «الوحش « بالفوز على الزمالك، كنا نشير إلى حارة بيت «الخطيب» بجوار محطة عين شمس ونقول» أخوته تسعة لازالوا يسكنون هنا، وله أخ يسمى محمد أكبر منه كان الأحرف والأولى بالشهرة» ، وحتى في أوائل التسعينيات كان يشرفنا إلقاء التحية على «محمد عبد الجليل» أكثر لاعبي الأهلي شهرة في ماتش (4-2) الذي دفع فيه الجوهري بالناشئين لليلة مباراة الزمالك، كنا نمر على عبد الجليل في محل «البان الجدة بطة» بشارع خارجة المطرية ونسلم عليه فيما جلبابه الأبيض يشف ويده ممسكة بالسيجارة المارلبورو الحمراء بعد أن تملص من التدريب. كنا نتلصص على محل الزجاج والبراويز في شارع العقاد بالمطرية علنا نرى صديق الجمال الذي لمع في نفس مباراة الناشئين أمام الكبار ثم عاد وانطفأ، بل ظل سمير كمونة كابتن الأهلي أوائل التسعينيات يفضل الدورة الرمضانية بمركز شباب عزبة النخل على راحته السنوية الإجبارية.

في هذه المربعات الشعبية المتجاورة شرق القاهرة كان طموح الصعود الإجتماعي لأبناء الفقراء الموظفين عبر ممارسة كرة القدم والتفوق فيها له نماذج عديدة. كنا نتنسم عبر «الطباخ» أشهر كشافي ناشئي الأهلي في السبعينيات بكرشه الكبير ونحلم أن يكون بين الجماهير الغفيرة في دورات الترقي. لمَ لا؟ أولم يكتشف الخطيب»بيبو» وهو ومن أخذ بيده من نادي المطرية إلى نادي النصر ثم لاحقا إلى الأهلي؟ وحتى بعيدا عن كرة القدم، لقد شاهدت بأم عيني كيف عاد محمد السيد بطل العالم في كمال الأجسام للشباب متشعلقا في أتوبيس رقم 315 (المرج العتبة) ، كان يخرج الكأس من باب الأتوبيس المزدحم فيما المحيطون لا يملكون جرأة تخيل أن يكون بطل نشرة التاسعة مساء هكذا مجاورا لهم، هكذا مدلدلا ومدلوقا عبر الباب.

في عام 1990 أكتشف أبي متأخرا- كعادته- أن شركته للمقاولات يحق لها الإشتراك في نادي طلعت حرب بالكيت كات. وبما أن طلعت حرب كان مؤسس الشركة التي يعمل فيها أبي، مثلها مثل عشرات الشركات الأخرى، ذهبنا ليستقبلنا تمثال نصفي محطم لرائد الصناعة الوطنية المصرية. كان النادي أشبه بدغل صغير محشورا بين نادي التوفيقية للعب تنس الأغنياء ونادي البنك الأهلي. كان مهروسا كهرسة مؤسسه لكن فيه مسحة من المجد القديم تتمحور في ملعب كرة رسمي بمدرج، وثلاثة ملاعب تنس وملاعب أرض سفلية غريبة للعبة الإسكواش، لم أعرف ماذا أفعل في هذه الأرض الكبيرة غير الجري بالكرة التي إصطحبناها بغالا، قمت بتمرين أخي في المرمى الكبير وكانت المشكلة في من سيأتي بالكرة في هذه المساحة الشاسعة كلما طوحتها، لا أسوار كما في عزبة النخل ولا شبك يحمي الكرة من الجيران. ملّ أخي سريعا وهو يعدو لجلب الكرة كلما طوّحتها، أحسسنا في هذا الفضاء والسكون بأن ثمة مراقبين سريين يتهكمون علينا من خلف الأشجار، خرجنا من هناك بكارنيهات عائلية أظهرناها شامخين للأصدقاء. لكن أختصر وضعها سريعا للتدليل على التمسح الطبقي أمام مخبري الأمن السريين الذين يظهرون فجأة للسؤال عن هويتك في زمن إنفجار الإرهاب. كارنيه طلعت حرب لم يستخدم مرة أخرى. ظل عزيزا علينا معزة الصناعي الأشهر لكن تلك المعزة لم تقاوم إنهيار فكرة النادي وتوحشها كما طرأ منذ منتصف التسعينيات، وهو ما نراه الأسبوع القادم في جزء ثان.

.................

المستقبل| الاحد 16 يناير 2011

Top