-->

للموندياليين: إستعدوا للطيران فوق أرض الهويات الساكنة!

هاني درويش

ترفقاً بحال كثيرين، علينا التريث كثيراً من قائمة توقعات الناس في كأس العالم لكرة القدم الذي بدأت فاعلياته أمس الأول، لا لشيء إلا لكونه مناسبة لتأمل ما أصاب الظاهرة القومية من تغير عنيف. فالكرة بوصفها نشاطاً معولماً إقتصادياً ومعرفياً باتت العصبية القومية أضعف حلقاته، وبما للمونديال من حس معاركي قومي تاريخي تبدو الإشارة والتنبيه الى ما يميّز هذا المونديال تحديدا.

تكسب الكرة قومية لمن لا قومية لهم، ونموذجنا الأساسي البرازيل والأرجنتين، الدولتان الأكثر شهرة واللتان تتوحد حولهما أو في تعريفهما منذ قرن هوية كروية خاصة، هوية تكاد تستثار فقط في المناسبة المونديالية لتجتذب شعوبا وقبائل غير لاتينية. بل إن كثيرين من فئة المواطنين العاديين لم يصدقوا الدور الدولي للبرازيل في أزمة كأزمة تخصيب اليورانيوم الإيراني لمجرد إحتسابها دولة المناسبة المونديالية الدوارة. أما الأرجنتين فمارادونا الذي أعلمنا ماهي قبل عشرين عاما يحضر هذه المرة مدربا كاريكاتوريا، سيجذب الكاميرات ليخبر العالم ماحل بكاريزما لا تتوقف عن المفاجأة.

غير بعيد عن هذا أن المونديال مثلا ظلّ، عبر تاريخه، مناسبة للتعبير عن الهويات في إختلاطها وتداخلها: الهوية الألمانية من حيث هي ثقافة كفاحية إنضباطية تجد في مصطلح الماكينات الألمانية تسويغاً شعبياً لما عرف عن هذا الشعب منذ الحماقة الهتلرية وما بعدها، ثم أن الطليان ملوك اللهو والمتعة والبذاءة يتحولون الى شعب المدافعين الخشنين العظام، دولة اللهو تخنق لهو اللعبة الشعبية بإستراتيجيات تقفيل الملعب. وهاهم الإنكليز المخلصون لمعرفة الأصل الدموي لكرة القدم (من حيث جذورها الإنكليزية التي تنتمي الى طقس قتل الهراطقة والسحرة) يطمحون الى نسخة جديدة من الكرة بلا مهارات فردية، حيث الدقة والتناغم الإنكليزي جديران بساعة سويسرية. أما الأفارقة، هواة الإستعراض الذين يحولون اللعبة الى كرنفال للمهارة والإستعراض، فإنضباطهم التكتيكي المفقود وضعف الوازع الوطني لدى من تربوا في أكاديميات الكرة الأوروبية، كل هذا يجعل فقرتهم القومية الوحيدة أقرب لإكزوتيك القارة نفسها، من حيث هي تعبير عن بداوة قديمة سجنها اللاتحضر في صورة متحفية تتجدد من تلقاء نفسها.

قبل سنوت ظهرت فرنسا في ثوب البطولة، بفريق ضم 9 جنسيات تشكل هوية التعدد. جيل زيدان وجوركاييف فاز بكأس العالم في لحظة تماست مع النمذجة الفرنسية للريادة، لكن الهشاشة البنيوية في أفكار الإندماج الفرنسية لم تحمل الفكرة الى أبعد من ذلك، ثم فاجأت اليونان أوروبا نفسها بعد ذلك بعامين في بطولة الأمم الأوروبية، فاجأت بثوب قديم للكرة، بلاعبين محليين منسجمين مع تفكير مدرب عالمي هو هيدينيك، حيث ظهر للعيان كيف أن قومية متأصلة ومتخلفة وتشكل عبئاً على أوروبا، تخلق وهماً بالريادة القديمة. والحال نفسه ظهر من تركيا المتنمرة لدرس على أرض لاسياسية لجيرانها «المتعنطزين»، بل وجاء اليوم الذي نرى فيه مونديالا تشكل القوميات الآسيوية نصف مربعه الذهبي، حين قفزت كوريا وتركيا فجأة الى مصاف الكبار.

كرة القدم الآن، صناعة ومعرفة هي أوروبية بإمتياز. فبطولة الأندية الأوروبية (شاميونز ليج) هي أعلى مستويات الكرة العالمية، هي الأعلي في المشاهدة والإستثمار والفنية والتحزب. فرق مثل برشلونة وريال مدريد والإنتر ميلان والبايرن ميونخ جنسيات جديدة وهويات عابرة للقومية، لأعلى مستوى المواهب الجبارة في المستطيل الأخضر بل أيضا على الجماهيرية الغفيرة والمتعددة الإثنيات. لم أتحدث عن ميزانيات فرق تفوق ميزانيات دول بقضّها وقضيضها، بل ايضا بما أصاب الصناعة من ميل الى الإستثمار عن بعد، وتفشي روح المنافسة الساخنة التي تشبه حركة الرساميل الساخنة ذاتها. بتنا نسمع عن طفل أوكراني يبلغ من العمر 9سنوات تتنافس عليه فرق بالملايين. فأوروبا الشرقية أصبحت إفريقيا الجديدة على صعيد إكتشاف المواهب. وهذه الدول التي ترتبك الآن في إعادة تعريف هويتها جغرافيا وسياسيا وإثنيا قد تشكل نسخة قديمة من الهوية الباذخة في هذا المونديال، سلوفينيا مثلا صعدت للمونديال على حساب روسيا الأم. كانت معركة من مبارتين إنتزعت فيها الدولة المستقلة حديثة بعضا من تعريفها الجديد.

كيف تبدو إذاً معركة الهويات القومية في هذا المونديال؟

الجزائر جاءت من معركة تحطيم الريادة المصرية المنتشية بغرورها الإقليمي. الفريق الجزائري إستفاد من السيولة الهوياتية لمهاجرينه، فقرار الفيفا الذي سمح لناشئين فشلوا في الوصول الى الفرق الكبري في أوروبا أعاد الى الدولة المتوسطية رديفا يبحث عن معركة ثأرية مع دول المهجر. لاعبون صغار من منتصف جدول المواهب الإسترقاقية الأوروبية وجدوا في العلم الجزائري فرصة لتثمين مواهبهم الفردية في سوق الإنتقالات. المونديال هو فاترينة عرض في مزاد تسليعهم البشري المتوقع نصبه بعد المونديال، هذا التحدي الجزائري سلاح ذو حدين، إما أن يدفع الوهم المؤقت بالهوية الى إستعصام كروي مفاجئ، أو يؤدي الى انهيار نتيجة الصدمة بين التوقعات والواقع.

القوى التقليدية الكبرى، كفرنسا وإنكلترا وايطاليا وألمانيا وأسبانيا، اي الأسواق الكبرى لإقتصاديات اللعبة، تواجه مأزقا من نوع آخر. ففرنسا التي عبرت للمونديال بخدعة يد هنري تعاني من عرض كروي تاريخي إسمه «متوسطية المواهب». فخارج هنري العجوز المتيبس على مقاعد برشلونة نكاد لانلمح إسماً لامعاً، ضعف الدوري المحلي الفرنسي وتضاؤل قدرة مدارس الكرة الفقيرة إقتصاديا على ضخ المواهب ومن ثم إعادة إستثمارها في الصناعة يجعل فرنسا الساركوزية شبيهة بفرنسا الكروية، في لحظة إعادة تعريف.

ألمانيا المنضبطة والتي اعتمدت كثيرا على تفريخ مصنعها المعولم ممثلا في فريق البايرن، شاهدت بأم العين كيف ان البايرن هزم أمام الإنتر الإيطالي والذي لم يكن في صفوفه لاعب إيطالي قبل شهر. حتى أن تشكيلة البايرن لم تحتو إلا على ثلاثة لاعبين ألمان متوسطي الموهبة لم يدفعوا الدم في الماكينة الألمانية مقارنة بما فعله أرين روبين الهولندي الذي كان مسؤولاً عن تبوّء قلعة أوبل منصة الوصيف الأوروبية.

ورغم إعتراف المانيا، متأخرة، بهوية شبه كوزموبوليتانية، ضمّنت فريقها سامي بن خضرة المغاربي وكاكاو البرازيلي ومسعود أوزال التركي. إلا أن جدية هذا المشهد المعولم لعناصرها تحتاج لثلاثة أجيال على الأقل وإلى لاعبين من طراز رفيع كزيدان فرنسا حتى تستثمر تلك النفحة.

إيطاليا الفريق العجوز (بمتوسط عمر لاعبيه الذي يتجاوز الثلاثين) وحامل لقب العام الماضي، يحتاج الى معجزة. يحتاج أن تتوافر مئة صدفة جميلة على الأقل حتى تصل أقدام لاعبية الى مرمى الخصوم. ربما كان يحتاج الى العبقري مورينيو البرتغالي ليتوّج فريقه المشكّل من أنصاف المواهب (فريق الإنتر) ببطولة دوري الأبطال، كل شيء في الطليان يؤكد أن الملعب وحده، وربما الظروف الحسنة هي ربما ما سيحميه من خروج مدوّ من الدور الأول.

إسبانيا التي هي الفريق الأفضل (على الورق) في العالم حاليا تعاني من شيئين، الأول هو الحكمة التاريخية التي تسجنها في دور المرشح القوي لكن غير المتخيل على المنصة، والثاني هو تشبّع عباقرتها من اللاعبين الأفذاذ أمثال شافي وبيول وإنيستا وفيبرغاس وتوريس بتيجان المجد في أنديتهم، ناهيك عن إلتحام الموسم بالموعد المونديالي دون راحة تسمح لأجسادهم المستنزفة بإعادة الشحن. البطاريات القومية مستهلكة والفريق، رغم إعجازية مواهبه المنفردة، يبدو غير منسجم وقد تجمع لأول مرة قبل أسابيع، ورغم ذلك يستعد الفريق الأعظم في العالم لتحقيق مفاجأة.

فابيو كابيلو (المدرب الإيطالي) لمنتخب إنكلترا هو أمل المنتخب الإنكليزي في تحقيق المفاجأة، مدرب من طراز رفيع ستكون إدارته على الأرض الحل الأمثل بالوصول بأحسن جيل في الكرة الإنكليزية الى منصة التتويج. وصوله للنهائي صناعة رأسمالية آمن بها الإتحاد الإنكليزي متأخرا بعد أن تساءل لمدة 44 عاما: كيف يكون لدينا أقوى دوري في العالم، ويكون لدينا مهد كرة القدم، وهذه الجماهير المتعصبة، ولا نفوز في اللقب؟ الحل كان في المدرب القادم من أعلى بورصات الصناعة بنكهة إيطالية وخبرة في ستة أندية أوروبية كبيرة. ووداعا لعشق الإنكليز لمدرب وطني.

مفاجأة تجديد ولاء العلم بالدماء الوطنية قد تخرج هذه المرة من دول جديدة، دول ما زال العاصم الوطني وإسترخاء لاعبيها في ظلال الصناعة الضخمة، حيث يستظلون بفيء أندية متوسطة التنافسية، قد يخرج بتلك الدول الى تصدّر المشهد. شاهدوا سويسرا وسلوفينا والإرجواي والمكسيك، شاهدوا غانا والكاميرون وسلوفيكيا، شاهدوا اليونان والجزائروبعضا من العند الكوري الشمالي. إستمتعوا بهولندا الأجمل والأسوأ حظا، راقبوا كيف سيبكي كريستيانو رونالدو حين تخرج البرتغال من نصف النهائي، صدقوا حرق المدرجات على يد مشجعي الجزائر، استمتعوا بشيلي ونيجريا وضربات الحظ المسماة ضربات جزاء المرارة، ستستعى تلك الدول لإنتصاراتها الوحيدة، لكنها لن تعلو المنصة بالطبع، فسيظل الفارق على الأرض لخبرة الفرق الكبرى في التعامل مع تنافس يمتد لشهر. سيسمح هذا ربما لبعض الفرق الكبيرة بدراسة مفاجآت الخصوم الضعاف. سيسمح ذلك بمزيد من الإنسجام بين عناصرها المتنافرة، أو أن الشهر التنافسي قد يسمح لبطاريات الهوية القومية بشحن سريع.

المؤكد أننا أمام المونديال الأخير للروح القومية، فلا يدري أحد كيف سيكون الحال في المونديال القادم وقد تشبّع العالم بهوية الأندية الكبيرة. لايدري أحد كيف سيؤثر عالم السيولة السياسية في دفع المزيد من صغار العالم سياسيا لتفريغ طاقة نقصهم في معارك الكرة، فالرهان سيظل كالعادة في الجماهير اللاطرفية، أي في جماهير العالم غير المشارك في المونديال أصلا، حيث تتلون الوجوه بأعلام البرازيل في مصر ولبنان والعراق ربما لمرة واحدة، ربما لأن التماهي المؤقت مع أعلام دول يحوّلها ويحوّلنا من أفكار القومية الساكنة الى تلبس هوية مؤقتة للفرح المعولم. فالمونديال، شئنا أم أبينا، هو فرصة للتنصل من هوياتنا الساكنة والمهزومة، هو محرك نفاث للطيران أعلى من واقعنا الضحل. هو مناسبة لبهجة التنافس العادل على أرض ملعب لا يعرف كبيرا دائما ولا مستصغرا دائما. ففي قلب إحتمالية ركلة القدم المجنونة يلعب الحظ ونتلاعب بالحظ لتلوين حياتنا ببعض البهجة الصافية.

..............

المستقبل| الاحد 13 يونيو 2010

Top