-->

ليونيل ميسي، من أي الأنسجة صُنع عضلُهُ؟

هاني درويش

غالبا ما يبدع كثيرون في اختصار أسطورة الزمن الكروية «ميسي» في مصطلح بلاغي إيجابي. إستخدام كلمات مثل الساحر، الماهر الفنان، الفذ، إلى مجمل تلك الصفات المبسترة التي يصح إطلاقها بدرجات متفاوتة على غيره، وإن كان بلوغه الدرجات القصوى بأفعل التفضيل، كل تلك المهارات المفردة المجردة هو جدير بها، إلا أن رؤية واحدة لم تتطرق إلى تحليل ذلك العنقود من المهارات وفقا للمعيار العلمي الفسيولوجي.

هذه محاولة بسيطة من جانبي، وأنا من المتحمسين إلى هذا اللاعب منذ عامين على الأقل، أي قبل الإكتشاف الموسمي مع أربعة أهداف في بطولة كبيرة كدوري الأبطال كحال لقاء أرسنال، وهذا مفتتح أساسي ونقاشي لتأمل هذا السحر من وجهة نظر شبه علمية.

يبلغ طول ميسي نحو 168 سنتيمتراً، أي أنه، وفقا لمتوسطات الأطوال، ينحو إلى القصر، أو القزمية إذا ماعرفنا أن هناك رؤوس حربة تلعب الآن يصل طولها الى ما يزيد على المترين، وأن المتوسط هو 185 سم. فماذا فعل ميسي بالعيب القاتل المضاد للمقاييس العادية؟

على عكس معظم المنتمين إلى هذا القطع الطولي من لاعبين تكسر طموحاتهم الضعف البدني، يمتاز ميسي ليس فقط بتكوين عضلي متماسك (لا يصل بالطبع إلى البدانة الكاوتشوكية كما لدى مارادونا الثمانينيات) بل هو تكوين عضلي منضبط تماما دون زائدة شحمية أو ترهل لافت. وما يدهش بالفعل هو قدرة ذلك التكوين العضلي على حسم كل المنافسات البدنية الخشنة من لاعبين يفوقونه طولا. والمتأمل لكيفية تعامل ميسي مع الإلتحامات التي تنحو إلى الإيذاء يدرك تكنيكه الخاص في المرونة المفصلية الإلتوائية في إتجاه ضغط التدخل العنيف. بمعنى أدق تحوله إلى كتلة عضلية غير متوترة لحظة الإصطدام، تسييل الجسد فيما يشبه الإرتخاء الواجب في لحظات اليوغا، يساعده على ذلك خفة الإرتداد العضلي اللاحق بعد الإصطدام، وقدرته على إختيار طريقة السقوط الحر. بل إن مشاهدة أدق لتكنيكه في التدخل والضغط على المدافعين، كما في حالة الهدف الثاني في مباراة فالينسيا الأخيرة، نلاحظ مايمكن تسميته بالمرونة المفصلية الإستثنائية التي تحول الطرفان(القدمين) إلى مايشبه كلابة تتمركز قوتها في راس (مشط القدم) الكلابة لا في رافعتها(الساقين).

ما يكمل هذا الميكانيزم، تطوير ميسي لما يمكن تسميته بالتلقيم القصير والسريع، أي تلاعبه بالكرة حيث لايزيد بعدها عن قدمه نحو 50 سم. ثم حين ينقلها، منوعاً بين وجه القدم وباطنه وخارجه. فإذا ما اضفنا لذلك هيكيلية تنويع المناورية بالخاصرة والركبتين، إكتشفنا البعد الماريونيتي في تنويع التمويهات على المستويات الثلاثة، تنويعاً على مستوى الملامسة الرأسية للكرة، وعلى تكسيرات الركبتين، وأخيراً بالخاصرة فأعلى، ثلاث مناطق يحسبها المدافع كتلة فإذا هي ألعاب الملاهي .

يتكيف هذا التكنيك مع إبداع آخر هو تنويع التزامن الإنطلاقي بالكرة. فهو يعطي الإنطباع مع هذا التلقيم بأنه سيفتح سرعته فجأة، وهو غالبا ما يختار أصعب الإحتمالات المتاحة. فإذا ماكان لمعادلة التوقعات ثلاثة أبعاد غالبا ما يختار أندرها واقلها إحتمالا للتنفيذ. فأنت كمدافع تنظر للتلاعب بمشط القدم وتتوقع إنطلاقة بنقلة مزدوجة في لحظة، لكنه يغير بسرعة التمويه بإتجاه الحركة ثم ينطلق من اضيق الزوايا. هو ببساطة يلاعب جسدك في أحط مناطق ضعفه، وهي عدم القدرة على التزامن المنضبط للتآزر الحركي العصبي لمحورك الرأسي، وبهذه النتيجة تتمدد الضحايا في مشاهد أقرب للكوميديا الهزلية، ضحية أقرب للإنخداع بقشرة موزة.

تتكامل المهارة بالتصويب السريع الخاطف الدقيق العفوي. وكأن ميسي، قد قسم فراغات لا المستوي الأفقي فقط للملعب بل المستوى الرأسي ايضا، وعليك هنا بمتابعة كراته الإلتفافية الرائعة في الإسبوعين الأخيرين، أو متابعة الهدف الأول في أرسنال. غالبا ما يصوب الكرة في عكس إتجاه حركته أو إندفاعه البدني، وهو لا يضعها هكذا بطيئة، بل صاروخية في إعجاز ميكانيكي يربو إلى مستوى المعجزة الفيزيائية.

ميسي، وهو يصوب يكاد يحتسب الإندفاع البدني المتوقع لثلاثة مدافعين في لحظات تقاطعهم مع الكرة، أو ما يمكن تسميته في لعبة البلياردو بالضربة الثلاثية المزدوجة. الفارق أن البلياردو على مسطح وميسي يفعلها في الفراغ.

حتى قصر القامة لم يمنعه من أداء خارق على مستوى التصويب بالرأس. ومن يتذكر هدف نهائي البوند ليج الأخير عندما إرتقى كالسهم وعاد بنصفه الأعلى إلى الخلف محولا رأسه إلى حربة متلاحقة عكس إتجاه إندفاعه ليسكن شباك تشيلسي أجمل الأهداف الرأسية. ولكي أكمل السحر، فقد تعلقت الكرة فيما يشبه اللوب أعلى الحارس الذي إكتفى بالمشاهدة. نسيت ان الكرة رفعت من على الجانب الأيمن مقوسة ومتدرجة الإرتفاع، أكمل المشهد بما يناسب من ألغاز جاذبية أرضية.

ميسي لا ينظر الى الخصم، ميسي ينظر لأجزاء من جسد الخصم، لقدمه، لخصره، ولأنه يعلم إستثنائية تلك المترادفات لديه يوجه الطعن في صمت، يمرّ كما الماء في الماء، وهنا تكفي الإستعارة.

.........

المستقبل| الاحد 18 أبريل 2010

Top