-->

ماذا فعلت المركزية الأوروبية بصناعة كرة القدم؟

هاني درويش

قبل عام ونصف من الآن، وبعد إحدى المباريات الرسمية للمنتخب البرازيلي، لم يعد أدريانو أحد أهم المواهب الكروية البرازيلية إلى فريقه إنتر ميلان. إختفى المهاجم ذو الـ28 عاما نهائيا، لم يرد على هاتفه، وهو ما أستدعى من مديره الفني البرتغالي جوزيه مورينيو طلب خدمة تحريين بعد أن شاعت فكرة إختطافه. استمر البحث أسبوعا ليظهر بعدها اللاعب في مؤتمر صحافي في ريودي جينيرو ويقول: لقد سئمت أوروبا، سئمت النجاح، أنا منذ كنت في السابعة عشرة (بداية إحترافه) لم أتناول طعاما أحبه، لم أسهر مع أصدقاء الطفولة، لقد حان الوقت لأن أعود إنساناً عادياً.

ربما يكون أدريانو الوحيد في هذا العالم الذي إستطاع الإنفكاك من اللهاث المضني للنجومية التي تخلقها كرة القدم. فقد عاد ليمارس الكرة في فريق برازيلي محلي ومال كرشه إلى الإمتلاء بالجعة مقابل أن يحيا مرحلة ماقبل الصناعة الرأسمالية الكبرى. إختار الفتى إذن نهاية كانت ستأتيه بلاشك بعد أربع سنوات على الأكثر. فمعدلات إستهلاك الموهبة تميل الآن إلى إعتبار سنه(28 عاما) بداية أفول القوة البدنية أيا كانت القدرات والمهارات، العالم يتحرك الآن لإستيعاب فكرة النجم في حدود عمرية من الثامنة عشرة إلى الرابعة والعشرين. ونمط المنافسة المكثف وضغط زمن المباريات وتنوع مسابقتها تذهب بالخيول الراكضة سريعاً إلى حديقة الحيوانات الأسطورية حيث لحمها الطري يصلح طعاماً لسباع الغابة.

مناسبة هذه القصة هو تأمل مآلات إنضواء شمس الكرة القومية كما شيّعها البكاء في كأس العالم الجاري، وكاتب هذا السطور كان قد توقع الخروج المخزي لمنتخبات أوروبية عريقة وكبرى قبل بداية المونديال بأيام. أسميت الظاهرة» ضعف بطاريات الشحن القومية لدى المنتخبات الأوروبية»، وأعود هنا لتحليل السيناريو الفعلى للخروج والمقارعات الكبرى إنطلاقا من علاقة المناسبة (كأس العالم) بظاهرة رسملة الكرة العالمية كما تنتجها مصانع الأندية العابرة للقوميات.

بمعنى آخر، ثمة معرفة كروية بل تتجاوز أحيانا في مفاعيلها السياسة والإقتصاد. والأخيران، الجادان والبعيدان عن الهزل والهواية أصبحا مستهدفين من الكرة كصناعة. وبالنسبة لكثيرين من هواة فصل عوالم المعرفة عن بعضها البعض قد يرون في ذلك تأويلاً مفرطاً لنشاط إنساني هو في حده الشكلاني لعبة ولهو، لكن المدققين في الأمر يعلمون ما تعنيه كلمة صناعة وهوية وسياسة في عالم الساحرة المستديرة وهم المعنيون بتلك الكتابة.

جرأة أدريانو الإفتتاحية تلك مثلت صدمة للكثيرين، ولو أستوعب أفراد المنتخبات الأوروبية الكبيرة الثلاثة (إيطاليا فرنسا- إنجلترا) درس أدريانو الفلسفي لعوضوا بعضاً من إحساس الخيبة الكبرى الذي كللهم في خروجهم المذل من كأس العالم. فأعضاء المنتخبات الثلاثة هم لاعبون في العواصم الكوزمبوليتانية الكبرى لصناعة كرة القدم، حيث من الثمانينيات، شكلت أندية تلك الدول الكبرى الصورة النهائية لتطور اللعبة كصناعة، بما تعنيه الصناعة من نشاط رأسمالي شرس قائم على المنافسة، قائم على إكتشاف المادة الأولية(اللاعبين) بأقل الأسعار في كل مناطق العالم، ثم إعادة تغليفها وضبطها سلوكيا وبدنيا وإجتماعيا لتصبح سلعة عالمية.

مستهلكو هذه السلع هم جماهير محلية، وأحيانا عابرة للقوميات الأوروبية يمولون الأندية بشراء تذاكر المباريات وقمصان اللاعبين والإشتراك في كيبل بث مباريات الفريق. يرفعون أعلام إنتر ميلان مثلا طوال العام، يركبون قطارات وطائرات خلف الفريق في أكبر حركة سياحة داخلية في القارة العجوز. الصناعة تدور بالمليارات وتمتد خطوط إنتاجها من مناطق المادة الخام في أفريقيا وأمريكا اللاتينية لتنتهي في إعلانات الشامبو التي يظهر بها كرستيانو رونالدو، ميزانيات أندية تقارب أحيانا ميزانيات الدول، ووجاهة السياسة الحقيقية تداني الكرة عندما نرى بيرلسكوني وهو ينسج تاريخه السياسي اليميني بتاريخ الإيه سي ميلان فريقه الأثير. أو عندما يذهب مستثمرو صناديق الدول اللاكروية لشراء وجاهة الكرة في مانشستر سيتي. بل إن إمبراطور صناعة الغاز الروسي يملك نادياً هو الأكثر سطوعاً في عاصمة الضباب (تشيلسي).

الحقيقة أن سطوع كرة القدم في القرن الماضي كان مرتبطا بالوعي القومي والرايات الوطنية، بل إن أندية القارة الإفريقية الكبيرة اتت كرد فعل على أندية المستعمرين البيض، من مصر إلى غانا إلى الكونغو إلى تونس، فيما الأندية الأوروبية تأسست على الوعي المدني الرأسمإلى من البداية وما حكاية فريق إنتر ميلان في منتصف الأربعينيات إلا تمثيلا لوعي البرجوازية المدينية، فإجتماع مثقفي ميلان اليساريين والليبراليين في أوج مراجعة فاشية أيطاليا أنجب النادي الدولي في مواجهة نادي البرجوازية الصناعية إيه سي ميلان. بمعنى آخر، تأسست الأندية العالم ثالثية على كتف المشروع التحرري، فيما تأسست شراكات الأندية الأوروبية على تحويل الهوية المدينية المتصارعة سياسيا في الداخل. ويمثل برشلونة وأتليتيك بلباو الأسبانيان نموذجين نكوصيين للقوميات الأوروبية المهيضة. كتالونيا والباسك بالترتيب وإن تساما كليهما بدرجات متفاوتة لاحقا عن الهوية كمعيار تعريفي. فبقي الوعي الكاتلوني مشرقا بالكرة فقط، يحاجج بها وينتشي بضم لاعبين أجانب يتشربون الوعي الكتلاني بالفطرة، فيما يرفض بلباو حتى الآن إستقدام لاعبين من خارج إقليم الباسك.

ورثت الدول المستعمرة إذاً كرة القدم من مرتكزات أنديتها، وأدى إمتلاك الهوية القومية المطلق إلى تناغم أنديتها مع الروح الإستعلائية لفكرة الوطن. لذا تبزغ شموس فرق العالم الثالث حتى الآن في كأس العالم تحت العلم الوطني. لكن منافسات كأس العالم بنت المفهوم القديم للكرة، فيما الكرة الحقيقية هي في مكان آخر، في المراكاتا الصيفية والشتوية، في بطولة الأندية الأبطال الأوروبية السنوية، في المنافسة الرأسمالية الشرسة، في تطوير خطوط الإنتاج اللاقومية. إنجلترا وحدها تعوم على سوق بالمليارات يتحكم فيها 18 فريقاً بين أربع مسابقات محلية، وتنتظم الأيام ال365 لإخراج أعلى إنتاجية ممكنة من اللاعبين في المسابقات الأربع ومسابقتين أوروبيتين كبيرتين. الدوري الأوروبي ودوري الأبطال هما الواجهتان الكبريان لتلك الصناعة، فأين إذا يقع كأس العالم كل أربع سنوات من هذه المطحنة؟ يقع في حسابات اللحظة الأخيرة، ويكاد مدربو الأندية الكبرى أن يهينوا مدربي المنتخبات إذا ما استدعوا لاعبيهم إلى مباريات دولية يرونها بلا فائدة.

تحولت بطولة الأندية الأوروبية كما يقول صديقي(محمد نعيم) إلى فيلم أميركي بالغ الحبكة والإتقان، فيما كأس العالم هو إبن زمن الأبيض والأسود أو مخرجي العالم الثالث الذين لابد أن يبهرونا فقط في مهرجان برلين أو مهرجان كان، ولإكمال إستعارته البليغة علينا أن نلفت الإنتباه لإستعارة أخرى: في لعبة الجرافيك الإفتراضية والمحاكية لكرة القدم فيفا، طور مهندسو الجرافيك زاوية تصوير علوية منذ سنوات، تبدو الزاوية وكأنها عين علوية حصيفة ترى الوضع الرأسي الذي لا يراه الجمهور ولا اللاعبون. إنتقلت الزاوية إلى كاميرا إخترعتها شركة سوني إسمها الكاميرا العنكبوتية تبهرنا في كأس العالم الجاري الآن، من الخيال إلى الواقع، من الإفتراض إلى الحقيقة ، وليس العكس صحيحا.

في عام 1998 ظهر للعيان كيف تبلورت فكرة فرنسا عن نفسها في جيل زيدان. منتخب الضواحي كما يطلق عليه فاز في كأس العالم، فكرة تصلح لمرة وحيدة وتتزامن مع تصور عن الهوية شبه متماسك يشبه تماسك فرنسا نفسها عن صورها الكاذبة. ما لا يعرفه كثيرون أن هذا المنتخب صناعة مدارس كرة فرنسية عابرة للقارات، مدارس متوسطة الرساميل ككلير فونتين، عملت منذ منتصف الثمانينات على رصيد مجمد من التعدد الكوزموبوليتاني الفرنسي المحلي. ولأنها بعيدة عن السوق الأوروبية الكبيرة، ولأنها غير قادرة إلا على إقتحام الضواحي، لم تستطع أن تنجب جيلاً ثانياً من المواهب الجبارة. فزيدان ذهب إلى ريال مدريد، وابيدال إلى برشلونة. لم تستطع كلير فونتين لاحقا إلا أن تقدم أنصاف مواهب، يصلحون لمتوسطات الأندية الأوروبية بالمعنى الدقيق للمتوسطات. فخرج أبناء الضواحي محدثو نعمة التسليع بفضيحة أخلاقية من جنوب إفريقيا، وباتت فرنسا منقلبة على صورتها القديمة.

الأمر مختلف في دول قومية صعدت فيها سوق كرة قدم رأسمالية محمية، مصر ومثلها المكسيك وإلى جوارهما اليابان وكوريا وبعض أميركا اللاتينية، وهي نتاج ظاهرتي الضعف المواهبي وزيادة الطلب المحلي. إقتصاديات كرة القدم في تلك الدول تشارك على إستحياء في السوق العالمي، نتيجة عوامل ثقافية في مصر مثلا واليابان مترافقة مع كلاسيكية مواهبها، تستهلك تلك المواهب في صناعات محلية بالملايين. ولأن الكرة في تلك البلدان ما زالت شكلا من أشكال الضبط الإجتماعي والدروشة المحلية(مصر)، أو إبنة نهضة رأسمالية جديدة منعزلة(اليابان)، تظل تلك الدول جديرة بالروح المونديالية، لكنها لاتتجاوز الأدوار التمهيدية. وحالة منتخب الجزائر تمثل خروجاً على هذه القاعدة، فلاعبو المنتخب العربي المطرودون من نعيم تمثيل دول الإقامة حاولوا بمواهبهم النصف نصف شحن بطاريات الهوى القومي لدولة المنشأ، وهو شحن لم يتجاوز حدود الدفاع عن العلم لا الهجوم بإسمه.

التمثيل الإفريقي عموماً في المونديال كان نتاجاً لفيروس تيشرتات دول المنشأ. ليس هذا دروجبا العاجي الذي نراه يحمي عارضة فريقه تشيلسي من هجمات الخصم. الفيل الإيفواري كان يتمشى في مبارايات بلاده منتشياً بحس الإستعراض الإفريقي الذي تلبسه فورا حين عاد إلى تي تشيرت ساحل العاج. وكأن لاعبي إفريقيا يكسرون ملل عبوديتهم للنظام الذي تشربوه في ماكينة الأندية الأوروبية ببعض اللهو الإفريقي الفطري. وهذا ليس تقليلا من الوعي القومي للاعبين يتباهون بزئير غاباتهم كلما حان الموعد الوطني، بل هو تعويض لاشعوري، وربما إنتقام من الذات، يخفون بتعاليه إسترقاق الطفولة الذي عانوه طوال حياتهم المهنية.

لماذا إذن تسطع وجوه لاعبين بالفخر وهم يرددون السلام الوطني قبل المباراة؟ خاصة لدى منتخبات كسويسرا وسلوفيكيا والباراغوي؟ بعضهم يردد كالببغاء كتفاً إلى كتف في وسط الملعب كالبنيان المرصوص قبل معركة الفتح الكروي. هم ببساطة برغماتية مدهشة يفورون بالحس الوطني تطلبا للترقي الرأسمإلي من جداول الصناعة المتوسطة إلى مراتب السوق العليا. لديهم الأمل في أن يكون المونديال فاترينة عرض للترقي الفردي. لكن هيهات، سنرى حجم الإنتقالات المتوقعة بعد كأس العالم، لن ترى إلا إنتقالات بسيطة من أندية متوسطة إلى أندية فوق المتوسطة، لأن السوق هو ببساطة في مكان آخر. ولأن السماسرة باتوا متأكدين أن السطوع كل أربع سنوات على مسارح الهوية القلقة لاينتج صفقات ناجحة.

يتبقى في سؤال المركزية الأوروبية وصناعتها الباذخة وإخفاقها القومي كل من ألمانيا واسبانيا. وكلا الفريقين يجيب على السؤال بطريقته، فالصناعة الرأسمالية الكروية في ألمانيا حافظت تاريخياً على منتجها المحلي القوي. ففريق بايرن ميونخ كقمة المصنع الكروي الألماني مصر على إنتاج صناعة محلية محمية، وقد إستفادت ألمانيا مؤخرا من الإستعارة الفرنسية الكوزموبوليتانية. فريق شاب عماده فائزون بكأس العالم للشباب ويضم التركي إلى جوار المغربي إلى جوار البولندي فالبرازيلي والغاني. أما اسبانيا فتكفيها الإستفادة المهينة لمدرسة كاتلونيا للناشئين ذات الهوى القومي الداخلي حيث يضم منتخبها ثمانية لاعبين من برشلونة. ولا ينقص الفريق الأسباني إلا ميسي الإرجنتيني لنستمع سويا إلى نشيد الكامب نوه كلنا كتلان.

أياً كان الفائز بكأس العالم الجاري نهاية الأسبوع المقبل، ستتسع الهوة حتى كأس العالم اللاحق بين الصناعة الأوروبية المتقدمة والهوى القومي القديم. وما اعتراف بلاتر رئيس الفيفا بضرورة إستخدام التكنولوجيا في التحكيم وهو تكنيك أوروبي لضبط جودة الصناعة بدأ بإستخدام الإعادة التلفزيونية في الدوري الألماني وتعيين حكام خطوط مساعدين في الدوري الأوروبي- ما اعترافه إلا بداية لدخول اللعبة شروط الجودة التصنيعية. ولا حل للسيد بلاتر إلا بإقناع دول العالم بإقامة كأس العالم كل عامين، علّ الوعي القومي يدخل صلب الصناعة أو ينافسها في خطوط الإنتاج. بل نستطيع ببساطة أن نراهن على كاس عالم قادم لن تراه إلا الشعوب البعيدة عن الصناعة وقد لونت وجوهها بأعلام دول لاتعرف بالضبط ما علاقتها بها.

...........

الاحد 4 يوليو 2010

Top