-->

الاستشراق المصري من بيروت الى أم درمان

هاني درويش

في ليلة مباراة القاهرة الأولى بين المنتخبين المصري والجزائري كتبت في نافذة قريبة من هذه المساحة متسائلاً: الى أين نذهب بهذه الطاقة نصراً أو هزيمة؟ كان السؤال مصرياً أصيلاً، تحت حمى التجييش الإعلامي الشوفيني الذي ودعت به القاهرة قبل يومين من المباراة الفاصلة، وحضرت في بيروت المبارتين. كنت بعيداً إذن ـ بدرجات متفاوتة ـ عن التأثر بهرولة النصر والهزيمة الوطنيين، وإن لم أنفصل عن تباعتهما، كان يوسف بزي قد حدثني عن حضوره الطازج من الجزائر وقد شاهد بعينه النسخة الجزائرية من التهييج، فتواعدنا على أن نتقاسم حماسنا الخاص لكرة القدم في منزله لنشاهد معركة القاهرة، لكن هنا لا بد من التشديد على مجموعة نقاط أولية:

أولها، أن كاتب هذه المقالة هو الأبعد عن التماثل مع الروح الوطنية الشوفينية السائدة عند المصريين، وتاريخ ثماني سنوات من الكتابة في نوافذ يؤكد ذلك.

ثانيها، أن التعويل على الروح العروبية القومية في نسخ سردياتها الكبرى ـ ثورة يوليو منطلقاً لها ـ كانت هماً تشكيكياً لكاتب هذه السطور، عبر تفكيك تلك السردية وقراءتها موضوعياً سلباً وإيجاباً إنطلاقاً من مصر (التي أعرفها وأراها من زاويتي الخاصة) في مواجهة التاريخ الرسمي التفخيمي الكاذب للدور المحوري المصري.

ثالثاً، أن كرة القدم في تعبيرها عن الحداثة والعولمة، تحليلاً وتطبيقاً، كانت محل اهتمام الكاتب ـ أيضاً على نفس صفحات ملحقنا العزيز ـ خصوصاً في ربطها الخائب في منطقتنا بتصورات الوطن والدين والذكورة. ويمكن العودة لأرشيف نوافذ في هذا السياق.

هذه النقاط الأولية التمهيدية لم تشفع لكاتب المقالة أن لا يتورط مع الروح الشعبوية لنحو 180 دقيقة (زمن المبارتين) وإن قلل من حدتها غالباً.

افتقاد المباراتين لأي من ملامح الكرة الحقيقية، كما أستمتع وأحب أن أشاهد، فكنت أفيق كل دقيقتين من «الوهم الوطني» لأؤكد لنفسي محبتي لكرة القدم التي تخرجني وتنقذني مجبراً من الوهم الشعبوي الرائج.

كل هذا التأكيد على مصريتي وكرويتي الخاصة لم يشفع أيضاً للمحيطين اعتباري خارج كليشيه المصري العام، فمن سائقي التاكسي الى معارف أصدقائي الى أهل السهر في بارات بيروت مروراً بعساكر الجيش في الطرقات وانتهاء بأصحاب السوبر ماركت القريب تعاملوا جميعاً معي كمصري يصلح أن يقدم تبريراً لما حدث، نصراً أو هزيمة، وتحت طائلة ما يمكن تسميته «استشراق مصر».

في بار البارومتر الحمراوي تقابلت بالصدفة مع مراسل الجزيرة عباس ناصر والشاعر ناظم السيد وآخرون، على طاولة دعيت إليها إنقاذاً من ضجيج أغاني «اركب الحنطور» الشعبية المصرية، التي لم تحلم يوماً مطربتها أمينة أن ترقص عليها فتيات بمثل هذه الفتنة.

انفتح الحديث، كان سؤال عباس «لو أقيمت هذه المباراة بين مصر وليبيا أو أي دولة عربية أخرى، ألن يظهر الخطاب الشوفيني المصري بكافة تفاصيله؟»، السؤال الموجه لمصري يتطلب إجابة، وهي للأسف نعم ولا في الوقت نفسه، لكن نعم الأولى لن تصب في مبررات عباس التي ترى في كتلة مصر الصافية شعباً شوفينياً، كما أن لا النافية لن تريح معارضيه، لا و نعم لن تريحني أنا أيضاً، فالحقيقية دائماً أمام هذه الأسئلة التعميمية تقع في المنتصف تماماً، فمصر مبارك وموقفها من غزة لا يمكن تعميمها على مجمل الشعب المصري، بالقدر نفسه الذي يمكن تعميم مصر الناصرية المتخيلة على مجمل الشعب المصري، مصر في سؤال عباس لا تخرج من كليشيه إما الخيانة أو البطولة، إما الهزيمة أو النصر، والمصريون مستمتعون بهذا التطرف التعريفي، كما العرب والعالم مرتاحون، له حكيت له عن الآف المصريين الذين يموتون شهرياً إما بإلتهاب الكبد الوبائي أو بالتبرع لأثرياء العرب بكلاهم، قلت له أنا لا أشحذ منك تعاطفاً مع مصر أدعيها، لكن مصر التي تدعيها في المقابل مبتسرة واستشراقية، ولو صح هذا التلخيص لأصبح نصف اللبنانيين خونة لدى البعض، والنصف الآخر انتهازي انتحاري لدى البعض آخر. دع عنك هذا، لأصبح السوريون كلهم أسداً بعائلته، ولأصبح الجزائريون متفرنسين وقوادين يعيشون على إعانة البطالة الفرنسية في حين يسرقون فرنسا في كل لحظة، أليست هذه شعوبنا في الحس العام الشعبوي، وهي تتنابذ بصور الخيانة؟

لا يعرف المؤمنون بعروبة مصر أو المتمردون عليها إلا موقعهم كضحية لمصر، فمصر الناصرية تركت في كل دولة عربية جريمة، تركت في لبنان الفلسطينيين، تركت في الجزائر التعريب القمعي وسلطة جبهة التحرير الفاسدة والإخوان المسلمين، تركت في العراق صداماً وفي سوريا أسداً وفي ليبيا من يقذف الدم، لكن هل قمعت مصر أحداً وأجبرته على الإنقياد لها؟ وإن حدث فهو ناصر من تعبدونه وتتأسون على مصر التي لم تعد منسوبة إليه. الخطاب القومي الذي أسسته مركزية سلطة يوليو كان، إحتياجاً مصرياً عربياً، ومثلما لعبت مصر دور الأخت الكبرى لعبت حركات تحرر ما بعد الاحتلالين الفرنسي والبريطاني دور الأخت الصغرى بإرادتها، فلو حسبنا أن مصر تمددت في فراغ هزيمة المشاريع الوطنية أو هي في قول آخر وقفت ضدها فهي مصر السياسية الناصرية وليست الشعب المصري، ثم إن من هزم ثم حارب وانتصر وصالح وهادن إسرائيل هو النظام المصري محمياً بالقمع والإنهاك الاقتصادي والبرغماتية، لكن هل يعرف أحد كم دفع الشعب المصري نفسه ثمناً لكل ذلك؟

المصريون الذين «عبروا» انتصاراً للجرح الناصري، باعهم السادات كقوة عمل فائضة في الخليج، بعد أن عادوا من الجبهة، وفي كل بلد عربي دفع المصريون أفراداً وجماعات ثمن خيانة السادات لعروبته وبرغماتيته الوطنية وفساد خياراته الإقتصادية. ترك المصريون أراضيهم مجبرين (تحت طائلة فلس الحروب وفساد الرأسمالية المصرية) ليستصلحوا صحراء الخليج زرعاً ومدناً وصناعة، وعادوا من هناك بأبنية الطوب الأحمر والجلباب الأبيض والحجاب، وهم الى اليوم في السعودية كما كانوا في العراق وفي ليبيا، بل وللآن في بيروت ودبي وعمان، فإن صدق الشعب المصري وهم هذه المركزية المصرية فإن الأثمان المؤجلة لهذا الوهم دفعها الشعب المصري عن طيب خاطر. وأخيراً فإن عباءة العروبة المتسعة والكاذبة على جسد مصر تنتظر لا فقط تخلص المصريين منها، ولكن تنتظر أيضاً من يتحمل بجدية أن يدفنها معهم.

النظام المصري يعلق شعبه من عرقوب العروبة على السلك الشائك مع إسرائيل، يقمع معارضيه بإسم التاريخ المجيد للنصر والهزيمة، وإن صدقتم عروبة النظام فأنتم من تدمنون الوهم اختياراً أو إجباراً.

تعال نتحدث يا صديقي عن المصري العامل في محطة بنزين بمار إلياس، الذي يقضي ساعات عمله الليلي وهو يكلم حبيبته في مصر من كابينة التليفون العمومي، أنه هو نفسه المصري الذي أشرفت قوات الأمن المصري على الآلاف منه وقمعته ضرباً ومهانة عندما حاصر بالهتافات سفارة الجزائر، أتوا بالتلفزيونات ليصورا غضب الآف المصريين قبل ثلاثة شوارع من مقر السفارة، وإلى هنا يضبط النظام حرارة جمهوره لكن إن فكر أحدهم في إختراق «كردوان» الأمن ليرفع صوته أو ليغضب صادقاً فإن الإعتقال والضرب هو عقابه!

المصريون شوفينيون، نعم هم شوفينيون بقدر شوفينية كل لبناني أو سوري أو مغربي أو جزائري، شوفينيون يلحسون تراب الغربة كي يعودوا الى أوطانهم (غلبة ومهانة، غباء واستسهالاً)، شوفينيون لكنهم لا يرفعون صوتاً في مواجهة الكفيل، شوفينيون لكن ذل لقمة العيش في مصر وخارجها والذي عوّدهم على برغماتية شعارها «ستستمر الحياة» غصباً عن غربة الداخل واغتراب الخارج، وأنا هنا لا أتحدث بسردية المعدن النقاوي الصافي في مواجهة كل بسترات الصورة الموازية والكليشيه، لا أصنع كليشيه موازياً لكني أتحدث على الأقل عن من أعرفهم.

أما عن حقيقة ما حدث في أم درمان فعلينا التوقف قليلاً، في البداية هالني عدم ورود مقاطع موثقة ومؤثرة لما حدث مع المصريين هناك، سألت نفسي بعد تحليل كل مقاطع الفيديو والاتصالات التليفونية التي جرت من الخرطوم، سألتها: أليس غريباً أن تتوافر كل تلك الكاميرات الفضائية ولا تتوافر مادة مصورة دامغة توازي كل تلك الحكاية الشفوية؟ نحن أمام احتمال من إثنين، إما أن شيئاً من هذا كله لم يحدث، وإما أن هناك مادة مصورة جرى حفظها لكن التكلفة السياسية لها كبيرة، بمعنى أن إهانة كبرى حدثت للمصريين ولا يستطيع النظام عرضها وإلا أصبح مطالباً برد فعل أكبر من»المحدتة الفضائية». جلست مرة أخرى أمام مادة الإتصالات والاستغاثات كلها والتي جاءت عفوية للفضائيات الخاصة فيما امتنع التلفزيون الرسمي لساعات عن عرضها، ليس معقولاً أن يؤلف العشرات السيناريو نفسه بتفاصيله على الهواء وبمثل هذا التزامن- وإلا لنجحنا في فبركة ما هو أهم من مجرد التغطية على هزيمة كروية-، ثمة مبالغة ربما في رد الفعل الفضائي من قبل المذيعين الذين كالوا سباباً مقذعاً للجزائريين، لكن هل اخترع المصريون جميعاً حكاية «الجسطيت» الجزائري هكذا في لحظة إبداع جماعي؟ هل يمكن التغاضي عن تقارير حيادية تحدثت عن ما يزيد عن العشرين طائرة حربية تنقل أشخاصاً هم أقرب للميليشيا العسكرية قبل المباراة بثلاثة أيام؟ هل يمكن التغطية على فضيحة وصول آلآف الجزائريين من دون تأشيرات بعد رفع شرط الحصول على تأشيرة قبل المباراة بيومين؟

على الجانب الآخر، هل يمكن الحديث عن فشل مخابراتي، ديبلوماسي، رياضي، مصري، أهمل ـ عن غرور وثقة مفرطة ـ الاستعداد للموقعة الحربية، لا الكروية، اللاحقة والمتوقعة في مثل تلك الحالات؟

هل لو لم يكن هناك جمال مبارك وعلاء مبارك وهذا الكم من نخب الثقافة والفن المصريين لسمعنا عن «مذابح للمصريين»؟ لو كان الجمهور العادي المصري هو من تعرض للضرب أكاد أن أجزم أن الموضوع كان قد مر برداً وسلاماً مثله مثل الآف الانتهاكات اليومية التي تحدث لمصريي الاغتراب من الخليج الى المحيط. الفارق هذه المرة أن من شاهد الترويع والرعب هم جزء من النخبة السياسية كانوا مصدقين بالفعل لـ«ريادتهم الكاذبة» وصدموا هناك بالكراهية والسباب لهم ولمصر. حتى لو احتسبنا رد فعل علاء مبارك في مكالماته الغاضبة كجزء من لعبة سياسية، ألا يؤكد غضبه صدمته الشخصية في ما شاهده لريادة يمرغ علمها تحت سيارات الجزائريين؟

لا بد من بحث، لا بد من إكمال البازل الضخم والخفي لما جرى في الخرطوم، قال لي أحد الصحافيين الرياضيين بعد أسبوع من المعركة ما شاهده بأم عينه بعيداً عن فورة الفضائيات، قاله بهدوء وروية، أهين المصريون في القاهرة عندما سرقت سلطات مطارنا الوطني تسعة الآف علم من البعثة الإعلامية، أهينوا عندما باع السفير المصري في الخرطوم تذاكر المصريين الى السودانيين فباعها الأخيرون للجزائريون، أهين المصريون في القاهرة عندما سافروا فطُردوا من أمام السفارة المصرية في الخرطوم قبل المباراة لأنهم طالبوا بالتذاكر والأعلام، أهين الفقراء المصريون الذين يشجعون المنتخب بحرارة عندما فوجئوا بأن تذكرة السفر الى الخرطوم على متن الشركة الوطنية وصلت الى 3000 جنيه، وأن من يمثلون مصر في الخرطوم هم رجال ونواب الحزب الوطني الذين ذهبوا في زفة مغرورة للتصوير بعد نصر مضمون. وحتى من سافر من الجماهير مُنع من الدخول في ما يخلع آلاف الأنصار الجزائريين ملابسهم وهم يلوحون بأعضائهم الذكورية لفنانات الصف الثاني في المدرج المصري، افترس آلاف الجزائريين من حبس من المصريين خارج الإستاد وداخله طعناً ومهانة، وعندما حلت الهزيمة ـ يؤكد صديقي ـ فر السيد جمال وعلاء ونوابه في أتوبيسات مؤمنة الى مقر البعثة المصرية ومنها الى المطار. حاصر آلاف المشجعين الجزائريين 4 أتوبيسات بالعدد كانت تحمل الفنانين والبعثة الإعلامية وجرى الضرب والسحل والتحرش بطريقة تهين من دون أن تخدش، بطريقة تذل من دون أن تسجلها عدسات الكاميرات، أرتمى المصورون المفزوعون في أرضية الأتوبيسات أمام سواطير منتشية بالترهيب الذكي في حفلة رعب قصيرة وموجزة تحمل الرسالة السياسية الحقيقية للمعركة، رسالة لم يقرأها أحد في حملة الصحف الجزائرية الرسمية قبل شهرين على الفنانات المصريات اللاتي تمت منتجة صورهن على أجساد لاعبي المنتخب المصري، ثم جاءت الفرصة للقلة المنظمة من الميليشيا المنقولة جواً للتحرش فعلياً بـ«داعرات مصر». لا يتكلم هذا السيناريو الحرفي عن مذابح كما يصور التلفزيون المصري الشوفيني قبل وبعد المباراة، هي مجرد درس ميليشياوي صغير ومدروس من فصيل سلطوي في الجزائر.

لا يتسع المجال هنا لعشرات الشهادات الموضوعية التي تتقاطع مع هذه الشهادة وهي تختلف بل وتناقض الصوت الرسمي الفضائي المتهافت شوفينية ممثلاً في برامج رياضية أصبحت هي المتنفس الوحيد للخطاب الرسمي غير المصدق لنفسه، خطاب سيطلق طاقة الغضب الى أقصاها انتقالاً بالريموت كنترول لكنه لن يحاسب نفسه أو الآخرين أولاً، سيترك نيران الحماسة الوطنية تأكل نفسها بنفسها من دون تحقيق أو وثيقة واحدة، ويكفيه أن السيد علاء والسيد جمال انتفضا لكرامة مصر.

من هي مصر، بالعودة للاغتراب البيروتي ذهاباً وإياباً، كان السائق اللبناني يحدثني أخيراً ببعض الفخر، وكأنه يقول باتزان يتحقق للمرة الأولى أن ثمة مهازل في ركن من العالم لا يتورط فيها لبنانيون، أن جنوناً في مكان آخر يشعر عامل الشاورما في محل «بربر» بأن لبنانه ليس وحيداً في انهياره، مصر الشقيقة في أعلام منطقة الكولا التي أطلق منها مسلحون النار بعد هدف عماد متعب الثاني في مباراة القاهرة، أم مصر الخائنة في تحليلات الزميلة «الأخبار»، مصر ليست حتى أنا، هي أكبر من هذا بكثير أو أقل من هذا بكثير، هي ليست هذا أو ذاك ويكفي محبوها وكارهوها استشراقاً.

ملحوظة: زياراتي في أيام المعارك الكروية لبيروت لم تربك فقط حساباتي عن مدينتي الأثيرة، مدينة كنت أتمناها ملجأ آمناً حين كنت أنتشي وحيداً وأنا أسمع الشاب خالد في جهاز الإم بي فور من حمي السكر، مدينة لا أخاف من رصيفها النظيف على وجهي إذا ما سقطت مغشياً عليه، لكن في بار الدينيز ليلة الوداع لم أستطع حتى أن أقنع من كنت أرقص معهم على أنغام الراي بأني «مصري إلا قليلاً»، فبعد أن لاحظ منظم الموسيقى وجودي دون أي حس برانويا- شغل على غير العادة أغنية للشاب خالد، ويشهد فادي توفيق أنني سألته قبل ثوان عن إمكانية ذلك فلفت انتباهي الى بروتوكول عدم طلب ذلك في بار معتبر، أقول إن منظم المزيكا ربما أراد استفزازي «كصورة مصري مهزوم قبل قليل»، رقصت بمحبة صافية للشاب خالد مطربي المفضل، يا له من أبله... أرادها نكاية فجاءت منحة إلهية من سوء التفاهم.

.........

المستقبل| الاحد 29 نوفمبر 2009

Top