-->

"أيقونة المنتخب المصري" تستعيد طقوس التعميد الوطني.. عندما تشتبك تروس ماكينات صناعة الصور

هاني درويش

حزن تلك الليلة لم يكن يحتاج إلى مزيد من الإثارة، كان الصمت البادي في الطرقات وحالة الخمود العجائبية على غير ما اعتاد الناس منذ أن بدأ المنتخب المصري مسيرته في كأس العالم للقارات. فبعد مبارتين قدم فيهما المنتخب الوطني مالم يقدمه في تاريخه، كانت الطرقات تعج غالبا بذلك الإنفجار اللاهي لسعادة مؤقتة. يسهر الناس في الشوارع بعد كرنفالات صغيرة في معظم الميادين، تعلو الإبتسامات في المقاهي مع الإستعادة البطيئة للحظات الظفر في المباراة، يتسمر الجميع أمام برامج حوارية «تمط» لحظات السعادة بإيديولوجيا «الرجولة والتدين والكفاح « المصري للاعبي المنتخب، فيتشرب الجميع ذلك الترياق السحري للنجاح المصري المفاجئ، وهو ترياق يدفع بالبهجة الجماعية إلى أقصى حدودها موطنا الثقة في قلوب الجميع بالأمل في تقدم مصر والمصريين.

هزيمة تلك الليلة أمام أميركا المجهولة في عالم كرة القدم أصابت الجميع بالصدمة. كانوا يأملون أن يكون الإعجاز المصري أمام البرازيل وإيطاليا إنقلابا في عالمهم لايعيدهم إلى سيرة المطبات السخيفة التي غالبا ما تتبع أي أداء جيد لمنتخب الوطن. لم يكونوا على إستعداد لهزيمة عريضة بأداء باهت كالذي حدث في تلك الليلة. تحسبوا لذلك بالمخزون الرهيب لحكمتهم الشعبية في «الغلب» حين راحوا يرددون أمثالا من نوعية «العين ماتعلاش على الحاجب» و«رجعت ريما لعادتها القديمة»، كانوا في تلك العودة الإحباطية كسجين صدق ارتفاع سقف زنزانته فقفز ليرتطم مرة أخرى بالسقف.

فجيعة المصريين لم تكن إذا تحتاج إلي بهارات الصحافة التلفزيونية كما قدمها في تتبيلة حارقة المذيع عمرو اديب على شاشة الأوربت. وقف المذيع المشهور بحسه الشعبوي الساخر ليعرض مقتطفات من صحف جنوب إفريقية تتحدث عن إصطحاب لاعبي المنتخب لداعرات إلى غرفهم ليلة فوزهم على إيطاليا. تحدث عن «النجاسة» بالمعني الديني التي أصابت «طهر» من عليهم الدفاع عن إسم الوطن. إستكمل المشهد بكامل الألفاظ الشعبوية البذيئة التي غالبا ما تربط ممارسة فعل الجنس اللاشرعي بكل عوامل الفشل في تأدية المهام. وعمرو أديب فيما يتحرك داخل تلك الشبكة التشويهية الفضائحية، كان يراهن على الغضب الشعبي من أداء المنتخب الذي قد يحمي مبالغاته الصفراء. المتابعون بالملايين لبرامج مابعد المباراة كانوا ينتظرون الإيديولوجيا الهزائمية المتوقعة في مثل تلك الحالات. إيديولوجيا تتحدث عن «البله» الذي يصيب اللاعب المصري بعد تحقيقه لأي إنتصار، عن الأخطاء التكتيكية في المباراة والتي غالبا ماتصيب مدربي المنتخب على مر العصور فقط في المباريات السهلة والمضمونة، لكن أن تتحول مبررات الهزيمة لحكاية من الصحف الصفراء تنزل من جيل المشايخ الرياضيين إلى أرض الدعارة فهو مالم يجرؤ أحد على تخيله.

الجيل الحالي من لاعبي المنتخب هو الجيل الذي اجتمعت فيه بشائر النصر الإلهي، جيل موهوب ومتدين يسجد بالكامل بعد كل هدف، جيل يتحدث لاعبوه «بإذن الله» و«الحمد لله» عشرين مرة في أي خمس جمل على الشاشة. وهو الجيل الذي يتولي عمادته محمد أبو تريكة «الموهوب الخلوق» كما تنادي به الصحافة والذي ملأ فراغات مابين التدريب بمسابقة دينية للاعبي المنتخب في البطولة الأخيرة. بمعنى آخر هو جيل النجاحات بالمعادلة المصرية الشعبية الرائجة التي مفادها»: التدين والتواضع يؤديان للنجاح».

جلس عمرو أديب أمام مشاهديه لنحو نصف ساعة يلوك سمعة هذا الجيل من «أشباه الرسل» وهو يضع في خلفية الاستوديو صحيفة جنوب إفريقية وأجري إتصالات بنجم مثل هاني شاكر ليدلي بدلوه في شماتة واضحة من سقوط هذا الجيل المتدين في «حبائل الشيطان»، حتى وصلته مكالمات لاعبي المنتخب من جنوب إفريقيا. في البداية حاول أحمد حسن كابتن المنتخب إثناءه عن تسخين أجواء الهزيمة بمثل تلك الشائعات لكن عمرو أديب صمم علي أن ماينقله هو من الصحافة وليس من آرائه الشخصية. لنحو 20 دقيقة إستمرت المحاججة وتم تنزيلها على موقع اليو تيوب لاحقا في ثلاثة كليبات تحت عنوان»تشويه سمعة المنتخب». وعندما مل أحمد حسن من النقاش سلم التليفون إلي محمد أبو تريكة، عندما تدخل أبو تريكة ردد عمرو لنحو خمس مرات كلمة» أنا مقدرش أرد عليك ياكابتن»، وحالف المذيع ذكاء محسوب في تجنب تكذيب «الخلوق» والأيقونة الشعبية وكأنه يقول «إلا أنت يا أبو تريكة»، محاولا فصل الأيقونة الشعبية عن جسد المنتخب المؤله.

نفس النبرة وإن كانت بخجل وفجاجة أقل إنتقلت إلي برنامج «البيت بيتك» على التلفزيون الحكومي وإن فتح الباب للرد المفحم للاعبي المنتخب للرد علي «عمرو أديب». ثم إنهالت الحملة الشعبية للدفاع عن لاعبي المنتخب علي الإنترنت والفيس بوك فيما يشبه الثورة على الإعلام في نحو ثلاث ساعات فقط. حملات لمقاطعة الأوربت وعمرو أديب، كليبات تبرز صلوات لاعبي المنتخب في الملعب وخارجه، إستعراض هفوات عمرو السابقة في حلقات تحدث فيها عن «خلو مصر من المزز» مقارنة بجميلات لبنان.

في «سقطة أديب الشعبية» تلك تم تقليب كل التراث البرامجي السابق لنجم الميديا. كثيرون تعجبوا تاريخيا من معادلة آل أديب البرامجية، خاصة وأن مبالغاته وصراخه وحدة معارضته كانت غالبا ماتصب في مصلحة الدفاع عن النظام المصري وخطابه السياسي. تم إصطياد أشباه معارضين مثل عصمت السادات في احدى حلقات «القاهرة اليوم» ليخرج بعدها إلى السجن؛ تم حرق أيقونة مرتضي منصور في فقرة أخرى من البرنامج، ولا ينسي الجميع تشويه سمعة سعد الدين ابراهيم وايمن نور وجورج إسحاق في حلقات دورية. أما عن الإخلاص الذي يربط عائلة السيناريست الشهير «عبد الحي أديب» بعائلة الرئيس فوجد بلورته في مقابلة عماد أديب الشهيرة والوثائقية مع الرئيس مبارك خلال الحملة الرئاسية قبل أربع سنوات. وتمتد أواصر العائلة المالكة لشركة «جود نيوز» للإنتاج السينمائي والفني لدور السمسرة الشهير الذي تلعبه الشركة في إدارة رؤوس أموال خليجية شهيرة في مصر، ويحرك الشركة المالكة لإصدارات صحافية والمنتجة لأفلام ضخمة التمويل خلطة من الطموح الشخصي لتكوين بورجوازية وطنية والقيام بدور الكارتيل الوسيط لأجانب. إلا أن برنامج «القاهرة اليوم» غالبا مالعب دورا كبيرا في تبرئة سمعة النظام العربية في مواجهة إتهامات البرامج الحوارية في قنوات مملوكة لرجال أعمال مصريين كدريم. ففي فقرة يشارك فيها عمرو التقديم ظهر الصحافي أحمد موسى رئيس قسم الحوادث بجريدة الأهرام الرسمية جرت تبرئة النظام غالبا من كل قضايا التعذيب الشهيرة، بل كانت الفقرة مخلب قط في مواجهة مظاهرات الإصلاح السياسي عبر ست سنوات.

هذه التركة من الخدمة الشاقة «لأيقونات النظام» فلتت حساباتها فجأة، عندما تخيل عمرو أديب أن دوره كـ«صانع بالإشارة للخبطات الإعلامية» يتيح له الإنفراد بهدم «أيقونة وطنية» كالمنتخب،الأمر الذي لم يستغرق منه أكثر من 24 ساعة لفهم الأمر فيعود للإعتذار للمنتخب، خاصة بعد الدعم الرئاسي الممثل في استقبال السيد جمال مبارك للفريق في مطار القاهرة في زفة شعبية ضخمةز وتتحدث مصادر في النميمة الصحافية عن حركة «تمليص آذان» قام بها إبن الرئيس لصديق العائلة بعد الحلقة، خاصة وأن صورة المنتخب برعاية الوريث هي جزء من صورة الوريث نفسه، فهذا المنتخب الذي أصبحت زيارات أبن الرئيس له ووقوفه في مدرجات مبارياته جزءا من الصورة الشعبية عن التوريث يجري التشكيك فيه من قبل «أداة حكومية» المفترض فيها إستكمال «الصورة» لا هدمها.

المدهش في حال المنتخب «أيقونة النظام» وقد تحول الغضب عليه إلى تعاطف عام ومبايعة له هو تساوقه مع صورة النظام نفسه، حيث تتحول غالبا سقطاته السياسية المفترض فيها هدم شرعيته إلي مناسبة لتجديد نفس الشرعية، ومع لعبة أصبحت هي المناسبة الوحيدة لرفع علم البلد والتغني بإسمها تصبح سلطة أيقونتها الخاصة خطا احمر أو سقفا لايمكن تجاوزه لابالنقد الإيجابي أو بحملات التشويه، الأمر الذي يجعل كثيرين من هواة نظرية «المؤامرة المصرية العتيدة» يتحدثون عن «سبق إصرار وتعمد» في أن قذف عمرو أديب يصب في مصلحة «إعادة مبايعة الأيقونة وما يجاورها في رف «الإيقونات المصرية المؤلهة».

............

المستقبل| الاحد 28 يونيو 2009

Top