-->

مشجع الكرة بوصفه لاعباً

هاني درويش

يمتاز محتوى المادة الإعلانية على شاشات الفضائيات العربية بأسبقية قدراته على إستشفاف القيم والأفكار الجديدة، السلبي منها والإيجابي. فبفضل التطور التقني اللافت وإبداعية وطلاقة وتحرر مضمونها من أساليب الرقابة التقليدية ـ التي غالبا ما تشحذ أسلحتها مع المنتجات الإعلامية الأكثر فخامة كالبرامج والدراما التلفزيونية ـ ثم لخضوعها أخيرا لمعايير السوق ومزاجية المعلن الذي يبحث عن أقصر الطرق لتوصيل سلعته، غالبا ماتشكل الإعلانات حاضنة مكثفة للمسكوت عنه، وتحدياً هو الأكثر إبتذالاً في الوعي الجمعي الصامت. فألف برنامج هادف وجاد لايداني في تأثيره الواعي واللاواعي تأثير ثوان معدودة من إعلان لسلعة ما. وغالباً ما يسعى «الكرييتيف الإعلاني» إلى التساوق مع الرائج من اللغات المضغوطة أو الصور البراقة الرائجة في الخيال الشعبي. لكن هذا المجال الحيوي سرعان مايتسع مع الوقت ليصبح «الكرييتف» نبي وعي جديد، يجد من الجرأة مايكفيه لابتكار الأكثر سخفا بحجة التعبير عن ذلك المسكوت عنه.

تطالعنا حملة إعلانات مشروب الشعير «بيريل» منذ فترة بحملة إتخذت من شعار «إسترجل» محورا لها. في الفقرة الأولى لتلك الحملة ظهر إعلان بدأ فيه أربعة شبان مفتولي العضلات وهم يتحرشون بصريا بفتاة ترتدي ملابس مثيرة. أحدهم، وهو النحيف القصير غير المتكور العضل، يبدأ في الحديث عن الفتاة بمنطق وعيها وثقافتها. تمتد يد مجهولة لتضربه وتلصق شعار مشروب الشعير فيما صوت أجش يطالبه بأن «يسترجل»، ناهرا أياه عن التحدث بلغة الأخلاق عن أي فتاة.

في الإعلان الثاني من الحملة يكون عنوان الإسترجال هذه المرة هو الشعر: شاب يجلس تحت يدي حلاق خنثي يعدد الأخير للشاب أنواع حلاقات الموضة الرائجة. يلتصق الملصق بشعار «إسترجل» هذه المرة ناهرا الشاب عن أي قصة شعر إلا القصير منها الأقرب لحلاقة الشعر في مناسك الحج.

أما الإعلان الأخير، وهو الذي يظهر هذه الأيام على الشاشة، فهو لزوج ينتظر أمام غرفة العمليات وضع زوجته. يخرج الطبيب معلنا أن الوليد ذكر، يبكي الأب وهو يحمل طفله الأول على مايبدو، تلتصق شارة الإعلان فيما الصوت يطلب منه أن يسترجل فلا بكاء إلا في مباريات كرة القدم!

في الإعلانين الأولين ثمة نفي لفكرة تصرف أو سلوك مقابل إقتراح سلوك آخر. فلم ينف الناصح الأجش الصوت أحقية الشبان في الإعلان الأول في الحديث عن الفتيات لكنه حدد له النميمة الركيكة عن الجسد بإعتبار الفتيات إناء رغبة لا أكثر. وفي الثاني لم يمانع الصوت نفسه نهائياً ذهاب الشاب إلى الحلاق بل حدد له مواصفات القصة الذكورية. أما في الإعلان الثالث فالموقف مختلف قليلا.

لا ينفي الاعلان الحق في البكاء على الرغم من أنه مظهر لاذكوري في المخيلة العامة. الرجال غالبا لا يبكون. تترك هذه المهمة للنساء فقط كمعلم من معالم ضعفهن الوجداني. كذلك لم يشفق لحظة على ما يحيله إنتظار طفل/ذكر من ذكورية مبطنة، بل قصر البكاء فقط على الإنفعال بكرة القدم، فما علاقة هذه الأخيرة بالذكورة؟

يحيلنا ذلك فورا إلى تأمل تحولات اللعبة الشعبية الأولى وماجرى لها في المخيلة الشعبية للدرجة التي تجعل من مظهر الضعف أمامها( البكاء) معيارا للذكورة. والأمر هنا لا يتعلق فقط بكون «معشوقة الجماهير» لعبة ذكور لا تبدو فيها النسخة المؤنثة (كرة القدم النسائية) جديرة بالحساب فقط، بل يتعدي ذلك ما تحتويه اللعبة أصلا من نكوص في فلسفتها لتصبح أقرب لمصغر من المعارك الحربية الرمزية والتي هي بطبيعتها مهنة وتخصص الذكور الوبيل منذ بدء الخليقة.

دموع ملايين الرجال عبر العالم أمام الفوز والهزيمة التراجيدية في مباراة كرة قدم أكبر من مجرد وحدة عضوية نوعية، أكبر من فكرة الانفعال الزائد أمام منافسة هي في النهاية ودية ولابد فيها من فائز وخاسر. الدموع، كالهتافات في المدرجات، جزء من المكون الانفعالي الموحد الذي يعصف بالملايين مع تقلبات الكرة المجنونة. يبكي اللاعبون بعد خسارة مباراة في نهائي بطولة، ويبدو البكاء في مثل هذه اللحظة أقرب لرثاء صامت للذات. بكاء لا يعني الندم على شيء. لا يعني اتهام الذات بالتقصير. هو أقرب لشتم القدر الذي لم يحالف الخاسر، إعلان عن أننا» فعلنا كل ما بوسعنا»، أما بكاء الفائز والممهور غالبا بالابتسام والسعادة الغامرة فهو التتويج بنهاية تحد ما.

هذا التحليل المشهدي لذرى البكاء الرياضي صعودا وهبوطا ـ من حيث هو أمر مقبول بين الرجال بل ربما يكون البكاء الذكوري الوحيد المقبول كما يحدد الإعلان ـ يتناقض مع ما يفترض من ذكورة طاغية تمثلها إطلالة لاعب الكرة، التكوين البدني والأداء العضلي والهياج الحماسي المصاحب للهجوم والدفاع، التدافع الذي يفصل بين عنفه المعاقب عليه وعنفه المشروع والذي غالبا مايسميه المعلقون «تدخل برجولة». كل هذه التفاصيل الإستعراضية المفاخرة بشجاعة الذود عن المرمى وشراسة الهجوم على مرمى الخصم لا تنفي ذلك الخلل الميلودرامي الإنفعالي الذي يصاحب التنافس. هل لأن بقايا روح الحرب الرمزية مازالت راسخة بعلة ضعفها في النصر والهزيمة؟ أم أن الصورة قد تتجاوز قليلا حدود الملعب إلى ما يشكل العالم الإجتماعي والثقافي المحيط به؟

المؤكد أن ثمة خطاً رفيعاً يصل بين تلك الذكورة المتخيلة وبين فضاء اللاعب والمتفرج من جهة أخرى. المتفرج او المشاهد المتوحد مع فريقه الخاص أو منتخبه الوطني ينحو إلى تمثل لاعبي كرة القدم كنخبة النخب الذكورية. ينفعل المشجع متقمصا روح مدرب الفريق الذي يجمع كل تلك العضلات ليحركها وحده (تشكيلا وأداءا) كقطع الشطرنج. ثمة تقسيم عمل مدهش في الخيال. فمشجعو كرة القدم ومهاويسها العظام غالبا مالايكونون على علاقة مباشرة باللعبة بوصفها رياضة ممارسة، لذا من المستحيل أن يتقمصوا دور اللاعب بالكامل. فأياً كانت أوهام المشاهد يظل مدركاً لفارق المهارة واللياقة بينه وبين من يتوحد معه. لكنه ـ ورغم ذلك ـ قادر على تقديم حلول لمشاكل أداء أي لاعب مصداقا لفكرة» لو كنت مكانه». زاوية المشاهدة المنضبطة تعطي إحساسا كونيا بالسيطرة على مجريات المشهد العام. وغالبا ما يري المشاهد ما لايستطيع اللاعب أو المدرب رؤيته. تدربه الكاميرات الدقيقة المتابعة ـ بشكل لاواع ـ علي أنه إله لاحتمالات التصويبة الممتازة والتمريرة التي لا تخطئ. المشاهد إله بالمعني الحرفي في محاكمة ماحدث بسيناريو ماكان يجب أن يحدث، وتنمية هذه القدرة على التوحد بـ«ما كان يجب أن يحدث» في المكان والزمان المناسبين هي أعلى تسلطات مايمكن تسميته بالذكورة السلبية، ذكورة تحتفي بألوهية حاكميتها لزمن ساعتين هما عمر المباراة، ثم لساعات تالية نقاشا وتحليلا واستذكارا للدروس والإحتمالات اللاوية(نسبة إلى لو كان حدث).

بكاء المشاهد إذن هو أقرب إلى هزيمة إله تراجيدية بالمعنى اليوناني. والالهة لايشقيها البكاء. لايقلل من ذكورتها أو خنوثتها إذا صح التعبير. إله في لحظة ضعف يعد نفسه بالنصر في الجولة القادمة، لكنه إذا ما جاء النصر لا يجد غير البكاء وسيلة للتعبير عن غبن تأخر النصر.، وفي إعلان بيريل الأخير إحتفاء بهذا النصر الذكوري. لكن أليس منطقيا أن يحمل الزوج كرة قدم ضخمة بدلا من طفل ذكر؟ هذا الخيال لن يلامس القشرة المسطحة لدماغ «كرييتف الإعلان» ، إلا لو تقمص بالفعل هيئة فيلسوف صغير.

.............

المستقبل| الاحد 19 يوليو 2009

Top