-->

لعبة كرة القدم طريق إلى الدنيا والدين

هاني درويش

تزامنت بدايات معظم دوريات كرة القدم الأوروبية مع بداية شهر رمضان. ورغم أن لا جديد في لعب المئات من اللاعبين المسلمين في مثل تلك المنافسات، إلا أن الجدل بشأن صومهم اتسع ليشمل مختلف الملاعب. الأمر جديد بالفعل، فمنذ سنوات وصوم اللاعبين المسلمين خبر عادي لا يستأهل كل هذا الإهتمام، إلا أن النزوع الأخير لإكتشاف الإسلام والمسلمين أعاد الأمر إلى واجهة الأحداث.

الأمر لا يقف عند حدود «إعادة إكتشاف المسلمين وعاداتهم». هناك مايشبه التعمد من قبل هؤلاء اللاعبين علي إدخال الهوية الدينية كجزء من أشكال تمايزهم. ففي غالب الأحوال لاتشير أسماء مثل إريك أبيدال أو سيدو كيتا في برشلونة إلى هوية اللاعبين الدينية، كما لم تشر ممارستهما الإنفعالية الدارجة خلال ممارسة اللعبة (مثل السجود الشائع أو رفع شارة التوحيد) إلى إنتمائهما للإسلام. وحتى حين حل الجدل بشأن شعار الفريق الكتالوني الذي يحتوي الصليب الشهير (وهو الصليب المسؤول عن منع بيع قمصان الفريق في معظم دول الخليج!) كان ردهما أقرب إلى التفريق الدقيق بين الشعار كمعنى ديني مباشر وبين معناه كهوية ثقافية للكتالونيين. وحالة فريق برشلونة وشعاره لو طبقت على مجمل شعارات الأندية الأوروبية لما صح لعب أي لاعب مسلم في تلك الأندية. فشعارات تلك الأندية غالبا ما تحتوي على ترميز بدائي هوياتي غالبا ما يرتبط بالهوية المسيحية الأوروبية، ذلك الترميز الذي لا ينفك عن مفهوم الراية الحروبية القديمة والتي تستمد ثقافة كرة القدم الحديثة فلسفتها منها.

جوزيه مورينيو المدير الفني المشاغب والصدامي لفريق الإنترميلان كاد أن يسقط في فخ العداء للإسلام. ونظرة سريعة على منتديات الكرة العربية التي علقت على تصريحه الخاص بخسارة وسط ملعبه مونتاري بسبب الصيام في أول لقاءات الكالتشو تظهر مدى الوقوف على الأظافر الذي بات يمثل رد فعل الجاليات الإسلامية في أوروبا. رئيس اتحاد الجاليات المسلمة في ايطاليا أزبد وتعرق وهو يهدد مورينيو بعذاب النار. الأخير، وبذكاء غير معهود، فوت الفرصة على مهاويس الفتن الجوالة حين أكد في تصريح إحترامه للإسلام وشعائره، وإن لم يخف حجم خسائر الفريق بالفعل بسبب غياب مونتاري.

في القاهرة التي تشهد تألق الربط بين الإسلام وكرة القدم، وحيث يشكل اللاعب المؤمن الخلوق محمد أبوتريكة ـ علي حد وصف وسائل الإعلام له ـ ظاهرة شعبية مثيرة، صرح سمير زاهر رئيس الإتحاد المصري لكرة القدم أن إفطار اللاعبين خلال لقاء بروندي القادم والمصيري إجباري. إستخرج زاهر رخصة بفتوي أزهرية تتيح لمن هم على سفر أو في سبيل أداء عمل شاق الإفطار.

قرار رئيس الإتحاد المصري ربما يصطدم بصورة «منتخب الساجدين» الشهيرة التي باتت تظلل وتميز منتخب مصر الوطني في اعوامه الأخيرة. المفارقة ستنتج بلا شك مشهدا مسرحيا ربما يطيح بسمعة رجل كرة القدم القوي في مصر، الجماهير المصرية المؤمنة بقدرة الربط بين «توفيق اللاعبين» ومسيرتهم المظفرة تجد نفسها في حرج أمام طبيعة الصراع بين الإفطار الذي يقرب حلمهم للصعود الى مونديال جنوب إفريقيا (مهمة مادية برجماتية صرفة) وبين صوم اللاعبين الذي «يبارك» مجهودهم القتالي ومهمتهم الوطنية. المأزق مزدوج في حالة محمد أبوتريكة اللاعب الداعية الذي سيجد نفسه في بؤرة الأحداث وقد انتظر محبوه تمرده على هذا القرار الرئاسي البرغماتي. اما موقعة بورندي نفسها يوم 9 سبتمبر/ أيلول الجاري فهي محك صعب. فإذا إنتصر اللاعبون سيبقي إنتصارهم عرضة للتشكيك بجدوى المكسب أمام خسارتهم لنقائهم الروحي ، وإن هزموا فالثورة قادمة لا محالة بعد خسارة الدنيا والدين معا!

المتوقع أن يكسر اللاعبون القرار بصوم سري يصلح لجني المكاسب في حالة الفوز ولتبرئة النفس في حالة الخسارة. حجة رئيس الإتحاد تتمحور حول تعنت الجانب البورندي الذي أصر على تعديل موعد المبارة لتصبح نهارا في قيظ وسط إفريقيا اللاهب، هذه الحجة تبلسم قليلا وتناغش روح التحدي ببعض من بهارات المؤامرة على اللاعبين ومن ثم على الإسلام.

كان طارق يحيى المدير الفني لفريق الإتصالات الذي يلعب بالدوري الممتاز الأول قد أبدى إستياءه من خوض فريقه لمباريات الدوري خلال رمضان. وعلي الرغم من خوض كل المباريات في مواعيد مابعد الإفطار إلا أن المدير الفني تعلل بأن «روحانية الشهر الكريم لا تتناسب مع أجواء السفر والإنتقالات بين المدن المصرية للعب كرة القدم»! وقد تزامن ذلك مع غياب معظم اللاعبين المصريين المحترفين عن مباريات فرقهم المقامة نهارا في أوروبا، بل وتصميم بعضهم على رهن مسيرتهم الإحترافية كلها بموقفهم من الصيام.

الصوم وكرة القدم كعنوان صحافي فاقع أصبح جزءا من مجال الشحن الجماهيري، فعلي المنتديات الكروية يلاحظ في تعليقات القراء ذلك الهوس بالتمييز بين اللاعبين على أساس ديني. فعلى الرغم من قيام فلسفة كرة القدم على ظاهرة مابعد دينية بامتياز تتعلق برايات وشارات الفرق وظهور فكرة الدولة والإقليم الحداثية منذ مطلع القرن الماضي، إلا أن الفاصل الدقيق بين تشجيع نادٍ والتحزب لديانة بعض اللاعبين آخذ في الإضطراد. وفي المواجهات الكبري مثلا بين مانشيستر يونايتد وبرشلونة في نهائي دوري أبطال أوروبا العام الماضي كانت تعليقات بعض القراء على المواقع الرياضية العربية تميل الى إحتساب المواجهة لابين فريقين يتقارعان بكرة مستديرة ولكن بين عناصر مسلمة هنا وهناك. الخلط العمدي يصل أحيانا الى مستوي تشجيع فريق لمجرد وجود شبهة إسلام في إسم أحد لاعبيه.

ينقل موقع في الجول المصري يوم الإثنين 31 أغسطس/ آب الماضي خبرا مصحوبا بصورة مفاده التالي:» أكد محمد زيدان أنه استعاد ذاكرة التهديف مع بروسيا دورتموند الألماني بعدما استعاد علاقته الجيدة بصديقته الدنماركية شتينا والتي وصفها بحبه الأول».

وقال زيدان في تصريحات لصحيفة «بيلد» الألمانية إن تركيزه في الوقت الحالي أصبح منصباً فقط على كرة القدم بعدما حلّ جميع مشاكله الشخصية. وأشار زيدان أنه بعد انفصال دام ثلاثة أشهر مع شتينا عادت العلاقة بينهما مرة أخرى لتنتهي مشاكله الشخصية.

وكان زيدان قد أعلن خطوبته على الفنانة مي عز الدين، ولكن الخطوبة لم تستمر سوى ثلاثة أشهر فقط قبل أن يعلنا فسخ الخطوبة. وأرجع متابعون تغيب زيدان عن الانضمام إلى معسكر منتخب مصر استعدادا لمباراة رواندا إلى «حالته النفسية السيئة» بسبب توتر علاقته بالممثلة المصرية.

وأضاف زيدان أنه سيترك الفيلا التي يقيم فيها في الوقت الحالي وأنه سيقوم بشراء شقة صغيرة وسط مدينة دورتموند ليقيم فيها مع صديقته».

الى هنا ينتهي الخبر الذي يأتي بعد أيام من إستبعاد المهاجم المصري الشاب من قائمة المنتخب المصري قبل موقعة بورندي الفاصلة في ظل ما اعتبره إداريو المنتخب تعللا كاذبا بالإصابة. وقد جاءت التعليقات التي انهالت على الموقع على الشاكلة التالية. يقول مشارك بإسم فرانشيسكو توتي: «هو لما يجيب جون فى ماتش يبقى كدة استعاد ذاكرة التهديف يا راجل حرام عليك انت مسلم وعربي ما شوفتش كانوتية وسيدو كيتا وسولى عمر مونتارى ومامادو ديارا ويايا تورية اللى افارقة بس مسلمين بيعملوا اية فى رمضان يكفي اقولك ان كانوتية دة بيتبرع بجزء كبير من دخله السنوي لبناء وتعمير المساجد فى اسبانيا وانت رايح تعيش مع واحدة من غير جواز وفي رمضان في شقة واحدة.

اتق الله يا شيخ والله دي اخلاق زيدان من زمان بس كنت بكدب نفسى انا متأكد دلوقتى انك اصلا ما تعرفش ان فية شهر للمسلمين اسمة رمضان»، بينما يقول معلق آخر يظهر بإسم ديث لافر:» يا اخي ده انت اسمك محمد يعني دنماركية وسكتنا وكافرة وسكتنا وماشية على حل شعرها زي ما في الصورة وسكتنا. (انما ايه هتاخد شقة عشان تعيش فيها مع صديقتك؟؟) اخوات يعني حسبي الله ونعم الوكيل انت تستحق غضب ربنا وغضب الناس دي وفعلا واحد زيك لو رجع المنتخب اتمنى ان مصر تخسر اياً كانت اهمية المباراة اللى انت فيها.. حسبي الله ونعم الوكيل» التعليقات السابقة هي الأكثر تهذباً في ما نشر والأقل إيرادا لآيات قرآنية تم إجتلابها للحديث إما عن رمضان أو عن أخلاق المجاهرين بالشرك، وهي تضع ظاهرة «تسلفن» (من سلفية) جماهير كرة القدم في اقصى تجلياتها إثارة .

يبدو تغوّل الظاهرة السلفية بين لاعبي ومشجعي كرة القدم إنسحابا طبيعيا لما إعترى مفهوم الجماهير نفسه من تحولات إجتماعية سياسية. لكن التناقض الأساسي يأتي من موقع أن ممارسة الرياضة في قلب الثقافة الشعبوية الإسلامية هي في الأساس ـ ووفقا للترجيحات الفقهية ـ مجال للإعداد لمواجهة الأعداء. السباحة والرماية وركوب الخيل في الحديث النبوي وتفسيراته تركز على الجانب النفعي المباشر لصحة المسلم، فيما كرة القدم التي تدار في عوالمها الحقيقية إقتصاديات مليلرية ضخمة وترتبط بكارتيلات إعلامية وإعلانية مهولة تصب أنشطتها في الغالب ـ في التحليل الإسلامي ـ في قلب أنشطة محرمة دينياً. هذا بالإضافة الى ما يعتري المشجع من تجزئة ولائه الشخصي وتحويله خارج رؤية المنفعة العضوية للرياضة. كرة القدم اقرب الى نشاط ترفيهي معولم لايعترف إلا بالفوز هوية، تشحب فيها ظلال الهوية القومية لصالح شركات الأندية العابرة للجنسيات والأديان. الدخول السلفي على نشاط بمثل هذه الجماهيرية الطاغية هو محاولة برجماتية لصبغ ماهو مادي فطري حداثي بألوان التدين، جزء هام من تجاوز الإيدلوجية السلفية لـ«لهو» كرة القدم الأصيل وفقا للرؤية الدينية نابع من عدم قدرة تلك الإيديولوجيا على مناصبة العداء لظاهرة نجاح ما في أي مجال من مجالات الحياة المدنية. تأميم فكرة النجاح الشخصي لصالح مبررات دينية هو جسر التواصل مع أحلام النجاح بمفاهيم الحداثة الجديدة. بذلك تندمج فانلة المشجع في غطاء أسلمة نواحي الحياة. وغير بعيد عن ذلك الصورة النمطية لتصميم مدربي فرق الناشئين في الأندية المصرية على إختتام التدريبات اليومية بصلاة جماعية، وتزامن التدريب مع مواقيت الصلاة. البنيان المرصوص لفريق مقاتل أنهي إستعداده لمباراة بصلاة تجمع الروح هو غاية نشاط كرة القدم القائمة على مقارعة خصم في ميدان المعركة.

...........

المستقبل| الاحد 6 سبتمبر 2009

Top