-->

عن «جيموفولوجي» الجلد والعظم والعضل ...إنّي أتقادم

هاني درويش

ليس أقرب من شعر صدر الرجل معنى ومدخل لفهم بداية الشيخوخة، إذ تتناثر فجأة شعيرات بيضاء نافرة في توزيعها وتصميمها على البروز، قبل هذا بسنوات لا يؤثر أنتشارها على الجوانب أو في قلب فروة الرأس، تكاد تحتسبها عند الله ضريبة لشيب الثورة وأهوالها، أو على أقل تقدير، أحترام ووقار خبرات يكاد تجاوز أثر أخاديدها أن يكون جنوناً مطبقاً، أما أن تتسلل تلك الشعيرات من فتحة صدر القميص عارضة بدايات إفقار متعمد لغزارة أسود الرجولة وتصحراً متقطعاً في ثروة الشجر البري، لهو كثير وصادم بلا مدعاة للشك .

بداية الأمر كانت على ما يبدو قبل ذلك، لكن تحديد لحظة فاصلة محددة كالخط بين اليابس وماء البحر صعب، فانهيارات الكتلة الصلبة المسماة جسدا لا يحتاج في حياة أشخاص مثلنا ضجرون من رياضة الطبقة الوسطى، ووهم المشي والركض والجيم، حيث تتجدد الثقة الشخصية بالجسد خارج سياق الواقع، أو على مناقضة التداعي الحر والعشوائي لحياتنا المادية والمعنوية، لا يحتاج علامة نافرة ظاهرة وقطعية، كأن تصاب فجأة بمرض عضال يكشف عن فقر بيئة المنشأ، أو أن تجتاحك غائلة السكر او الضغط المصاحبة لأداء مهني منضغط أو نمط حياة غذائية منفلت، الأمر أبسط من هذا، ويختلف باختلاف علاقة كل منا بجزيرة جسده المنعزلة، أرضا يباس هجرناها، أم قارات واسعة ألفنا تأمل تضاريسها في المرآة بهوس. ثمة ضربة حريف وخبيث تفاجئك في مكنون علاقتك بالجسد، جلد وعظما وأجهزة عضوية، مفاصل وأحشاء وكثافة نوعية، وتلك الضربة تأتي خفيفة منبهة، تختال عليها بالثقة التي لا تدانيها شكوك، ثم تصميما ونقرا فتعاندها بجبروت الشباب، ثم طعنة نافذة من دون دماء تلقيك على «شيزلونج« أقرب طبيب بنفس عدم تصديق خيانة أعز الأصدقاء.

الأمر لايتعلق نهائيا بأزمة منتصف العمر الرائعة، فهي غالبا تعنون وفقا لمعدل عمر يطال مصطلحها مساحة من العمر ما زلت بعيداً عنها، نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات، بحساب أن العالم المتقدم حيث أطلق المصطلح، تدور عجلة أعماره في دورة الثمانين ومنتصفها، ولو وضعنا فقر البيئة الطبيعية لدينا وانخفاض متوسط الأعمار لأحتسبنا سن الثمانية والثلاثين علامة على إنتصاف العمر المتأخر، وسط عاصفة من موت أصاب أصحاب ومجايلين بجلطات مفاجئة أو في حوادث طرق، لكن ليس الأمر أزمة من هذا النوع، أنها أزمة أن يقول لك طبيب بشكل عارض جدا، وكأنه يلقي بسيجارة شبه منطفئة:» مجموعة الفيتامينات تلك ستمشي عليها يوميا طلوعا من الآن»، لافتا الإنتباه إلى أن معدل تجدد الخلايا في الجسد في إنخفاض، وأن عكاكيز الفيتامينات تؤخر تناقص المنفعة الحدية لحرث أرض الجسد، وأن تقليل معدل السجائر مهم لوقف تحسس الحنجرة الأسبوعي، والذي لا مقاومة له إلا بكورس من المضادات الحيوية، يقلب فم المعدة في الويك إند، وأن أكلة الكشري التي سقطت بحساب الصعود الطبقي من قائمة أكثر الأكلات تكرارا في الإسبوع إلى قائمة الطرفة الشهرية، أصبحت تصيبني بإسهال ومغص مهما قللت كمية الصلصة الحمراء المضافة أو أستنظفت المحل المشترى منه.

أضف إلى عدم الهوس بالرياضة، عدم الهوس بالطعام، حين تحاول أن تحلل من أين بدأت نقطة الإنتباه إلى مشاكل الجسد، فعلاقة الرافعة النفسية بكليهما متأصلة في تاريخ العلاقة بهما. أتذكر تماما بعد فشل علاقتي العاطفية الأولى بالجامعة، أنني توقفت ذات مساء من شتاء 1994 أمام صالة لبناء الأجساد في منطقة عزبة النخل الشعبية لأول مرة، كان الأمر يتعلق بإكتشاف عنوانه اليأس، لضيق مساحة عرض صدري ونحول أذرعي مقارنة بتكور المحتوى السفلي العضلي كأبن بار لرياضة كرة القدم في الطفولة، كنت أكاد أقول لنفسي: لقد هجرتك لأنك ضفدع مارق، لا تحمل عضلات في اليد لإحتوائها حين الإنفلات، ولا صدرا متسعا للملمة ثديها الوافر، كما أننا لم نطور محاججتنا إلى مستوى عضلات السمانة أو الفخذ التي أمتاز بها، فدخلت إلى الصالة التي يختال بها ابطال العالم في كمال الأجسام(أحدهم محمد السيد ابن العزبة البار الذي سجلت معه القناة الثالثة عودته من المطار بكأس البطولة في أتوبيس 315 من ميدان العباسية)، وركزت تدريباتي على منطقة الصدر والذراعين لمدة شهر، نما خلاله عضل الصدر والكتفين بمعدل إنتفاخ قياسي ومدهش سمح لي أخيرا بفك الأزرار العلوية للقمصان بعد تاريخ من مهانة الإاقة المنبجسة.

أما فيما يخص الطعام، فتشير شهادات متناثرة من زمن الطفولة بأني لم أكن طفلا متأففا من الطعام، خصوصاً حين تحضر «علقة« شهيرة لأمي بعد أن ضبطتني أهرس خمسة كيلو مانجو أسفل السرير قاضما الحبة تلو الأخرى من دون إكمالها في سن الأربع سنوات، لكني لم أصل إلى مستوى الطفل الرمرام، آكل مما يوضع أمامي من دون تأفف من أنماط التجريب النادرة وبعلامات ممانعة أندر لبعض الأكلات، منها البامية التي ورثت عن خالي الأكبر الكاريزمي كراهيتها، ومحشي الكرنب الذي أتذكر نادرة مرض أبي منه حين طبخته قريبة مكروهة للأسرة بـ «لية« العجل، بل وتحمل ذكرياتي طقس العائلة إلى المذبح كل عيد أضحى حيث الغوص في برك الخراء الممزوج بالدم لشراء لحمة الرأس والكرشة بكميات تجارية، يترتب عليها حفلات تنظيف طويلة ومملة تجعل رائحة المنزل يوم صلاة العيد أقرب إلى قبر مفتوح، فلم أرِث من أبي تعفف المعدة، الذي وصل في نهاية العمر إلى اقتصار طعامه على الجبن القريش والعسل الأسود لسنوات طويلة، ونجوت أيضا من «طفاسة« أمي القياسية التي كانت تشتهي أكل «المورتة» في الإفطار، تستطيع أن تتحدث هنا عن شخص قادر على الشبع بخمسة ارغفة من العيش الحاف، مثلما هو قادر على أكل الفول والطعمية كوجبة وحيدة لمدة اسبوع، ولنلخص قائلين: معدة الفقر الحديدية.

التاريخ الطبي لا يلفت أيضا الانتباه إلى شيء خارق للعادة، حساسية جلدية عارضة من المانجو في الطفولة ترتبت على العلقة سالفة الذكر اكثر من ترتبها على عشقي للثمرة الأورانجية القلب، وحساسية جلدية مارقة ومؤلمة الذكرى في زمن المراهقة، كانت تحل في ربيع كل عام وتصيب مجمل الجسد بإنتفاخ بكثافة نصف سنتيمتر من الطفح الأحمر، من أخمص قدمي إلى فروة الرأس، وصفها طبيب بأنها عارض هرموني هامسا في أذني بالإستمناء وعدم الضغط على نفسي، قبل أن يصف لي مرهماً أبيض جيري كنت أدهن به مجمل جسدي وأظل محبوسا في غرفتي طوال الليل عاريا، تذكر هذا الجير المتكلس الذي كان يلف جسدي يقشعرني كلما أطلت ذكراه الآن في وثائقي عن قبائل أفريقيا على قناة الناشيونال جيوغرافيك، ومن دون النظر لكسري عظام في اليد اليمنى والقدم اليسرى عرفت عموما بعظامي الجيدة وترسيبات الكالسيوم الفائقة التي حمتني حتى الآن من تسوس الأسنان، على الرغم من عدم استخدامي لمعجونها طوال حياتي، وعلى الرغم من عدم تضمن غذائي لكميات خاصة من الألبان أو الأجبان.

التنقيب في حفريات الجسد إذا لم يعد مفيدا لفهم ما يعتريني الآن، تحديدا مع إصابة قدمي قبل عامين في مباراة كرة قدم تحت مطر شتوي في نادي المعادي، خيانة أوتار أكليس التي تقرقعت تحت أذني يمينا ويسارا في إلتواء مزدوج ترك كدمة وصديدا على عظمة «بز القدم«، وتطلبت جولة لنحو عام بين أربعة اطباء علاج طبيعي تفننوا في تجريب أنماطٍ من الأدوية والمعالجات، بدءاً من لبخات التركيب لدهانات محضرة الوصفة، وانتهاء بحقن حاول دكتور عظام أقرب لمندوب المبيعات تجريبها علي ويصل سعر الواحدة منها إلى 600 جنيه. وبعد جولة أثبتت تخلف طب العلاج الطبيعي في مصر أستقر الحال على عدم التعويل في شفاء نهائي عند طبيب سويسري معتمد من الفيفا، وهي الأصابة التي أسعدت كثيرين من رفاق ليالي أربعاء النجيلة في نادي المعادي، حيث عدت انتقاما نهائيا للوح كتف محمد العبد الذي يتمسمر الآن بشريحة وثلاثة مسامير بلاتين، وعضلة محمد رفعت التالفة والتي تطلبت علاجا في الخارج، ناهيك عن كدمات معظم اللاعبين في دخولي الخشن عليهم، وهي اتهامات ما أنزل الله بها من سلطان للاعبين راهنوا على الحرفنة الإستثنائية للمرور من قشاش مركز شباب عزبة النخل التاريخي، والذي يرفع شعار» اللي يفوت حيموت» أو يصدق في نفسه روح التماهي مع مدافع الأهلي الشهير في الثمانينات سمير كمونة.

أصلا، كان ذهابنا إلى لعب الكرة كجماعة أدبية فنية ثقافية تدخن الشيشة بفجور، وتتأرجح كروشها من طغمة البيرة، أقرب إلى إنتحار جماعي يراهن على النوستالجيا الفائقة لزمن المراهقة. من يصدق أن الفيل وائل عبد الفتاح أو الديناصور محمد فريد أو عازف الناي عصام زكريا قابلين، وهم يدخلون مشمش الأربعين، على الركض لثلاث ساعات فوق النجيلة الصناعية؟ كان الأمر أقرب لإسكتشات رمضانية إذاعية نتبادل فيها الضحك على بعضنا البعض ونحن نتساقط منفشخين من قلة اللياقة، أو الصراخ المدوي على «كوبري» بلدي ذكرنا به أداء فريد، الذي بدأ حياته لاعبا في ناشئ غزل المحلة قبل أن يحترف كتابة السيناريو، بالطبع أنتهت المغامرة بكمية إصابات أتهموني فيها بالأساس، ولم يتهموا فيها إسبراي «ديب هيت» الذي أصبح من إكسسوارت اللعبة حيث تحولت المباريات إلى إستعراضات لرش المخدر الموضعي وأستخدامه كمزيل العرق، وما لم يعترف به الجميع كنهاية للمسلسل الدامي في مقاومة تقدم السن، هو ظهور فرقة» المحاسبين الإسلاميين الناجحين» في المشهد.

عشرة من برجوازية المعادي، يحضرون إلى النادي بسيارات فارهة، لا يدخنون ويعملون في مجال التقنيات العليا، من دون ذقون لكنهم أسلاميون على شاكلة التبشير البروتستانتي فئة عمرو خالد، وأقتصر أداؤنا معهم في أول مباراة على جلب الكرات من الخارج، سحقونا 8 /صفر قبل أن نلقي الفوطة البيضاء، سمت الإحترافية المتعالي أستفز الكوتش محمد فريد فشكل من شتات فرقتينا الكحيانتين «فريقا ذهبيًا« كان محصلة لمنضدة ببار أستوريل مع منضدة من سطح النادي إلىوناني، ذهبنا للعب معهم تحت المطر بنية المقاومة ومحاولة أحراز ولو هدف واحد لتكحيل العين، جلسنا لعمل خطة كما المحترفين، وفي أول هجمة لنا بعد الهدف الرابع لهم، وحينما حاولت التقدم في زيادة عددية نادرة، وحدي تماما ومن دون أي لاعب خصم، سمعت بأذني الفرقعة التي صعدت بأزيز كهربائي من أسفل القدم حتى نهاية العمود الفقري وتمرغت صارخا.

كنت في هذه اللحظة قد نجوت من مصائر الأمراض الديفولتية لعائلة فقيرة من عزبة النخل، حيث تختلط في عروقنا منذ سنوات طويلة مياه الصرف الصحي مخلوطة بمياه الشرب، ما أصاب الفرع الذكوري من العائلة ممثلا في أبي وأخي بأمراض فيروسات الكبد الوبائي، وأصاب الفرع النسائي بأمراض الكلي، مضروبين في «العفشة» الجسدية، بفعل ظروف البيئة المصرية الأصيلة، وأنسللت كالشعرة من العجين كفقرة صحية من المصير الذكوري، ربما بفعل خوفي المرضي من المرض، حيث غالبا ما يصيني مأزق وجودي عنيف من مجرد نزلة البرد، وأحول حياة المحيطين بي إلى جحيم، ناهيك عن عدم ميلي للرمرمة الغذائية في الخارج المكشوف وعدم تركيزي على الفاكهة، التي لحسن الحظ تحقن بالمخصبات منذ منتصف الثمانينيات، كل هذا أدخلني عصر «الرحرحة« الزوجية بإستعداد طيب لإستقرار الجسد وأمتلائه، خصوصاً في أرق السنتين الأولين، حيث راعيت في أعراض كآبة، المشاركة المكانية في صحراء أكتوبر حوضا من المزروعات، وأهتممت لأول مرة بكائنات حية من الطبيعة تعويضا عن النقلة الطبية التي أورثتني مقعد السيارة بدلا من المشي المحبب لفترات طويلة أو نهب المسافات قفزا بين سلالم محطات المترو دخولا وخروجا، وتوافر دورية طعام عائلي نظيف لأول مرة في حياتي.

هاجس تهدل الكرش المنتصف ثلاثيني، مع تجوف سرة البطن إلى الداخل كفنجان القهوة لم يصبني بالتوتر في البداية، لكن حين تهدلت الأثداء قليلا، وألتوى العمود الفقري من العمل المكتبي الطويل دفعني لشراء «عجلة« دراجة في محاولة للحاق باللياقة القديمة، ولمدة أسبوعين أنتظمت في أكتشاف جغرافيا حدائق الأهرام التلالية صباحا، بشنطة على الظهر تحوي فوطة صغيرة وزجاجة مياه، سماعات «أم. بي. ثري« تصدح بأغاني الشاب خالد في تمام الثامنة، شوارع تفضي إلى صخور متراكمة، واخرى تفضي إلى هضاب حادة المنقلب، والتروس الثلاثية تئن، والعضلات تستوعب أحمالاً مفاجئة بجنون، وينتهي الأمر بدوش ساخن وعودة مظفرة إلى نوم عميق تتخلله أنات تبديل مواضع الجسد، ثم فجأة ملل، ترتب عليه قفل ثقيل يسجن «العجلة« في صدأ حديد بوابة العمارة منذ ثلاث سنوات.

تدريبات إبني آدم المزدوجة سباحة وكراتيه، شجعتني على قضاء ساعة إنتظاره في جيم نادي وادي دجلة، شابات محجبات يتأرجحن على جهاز «الميل تريد«، وأزواجهن على أجهزة إستطالة العضلات، يحملق الجميع في شاشات «ال. سي. دي التي تذيع مشاهدا متتابعة من دون صوت، فالصوت في آذانهم هو «تراك« مفصول عن طريق أجهزة «الآي بود«، أداوم بالقدر الذي يسمح لي بتفاخر أعلى ميزان الحمام بعد فقد كيلوجرامين او ثلاثة، أداوم بقدر إصطياد الدهشة من عين «إله الرياضة» محمد فريد وأنا احكي له عن الكيلومترات الثمانية التي حققتها جريا منذ المرة الأولى، يَعرَض صدري قليلا، يتحول إرتخاء عضلات الصدر إلى صلابة موقتة، وأعود لهجر الصالة بعد المرة الخامسة، وكالعادة أذهب في الرياضة كما في الكتابة إلى أشراق الموهبة من دون تجويدها، أنا هو أنا ولا جديد، مثلما قال لي مدربو سبع لعبات عبر تاريخي عن موهبتي الفطرية، مثلما أجهض توقعات الكاتب فيّ بالتراكم والدأب والسهر على إنجاز كتاب واحد.

الأمر كما أسلفت لا يتعلق بهاجس مفاجئ عن الشيخوخة، ولا أزمة العمر الزائف، ولا كراهية السجائر لدرجة عدم القدرة على هجرها، ولا في نظرة الأصدقاء لملابسي الصاخبة كمحاولة لمقاومة التقدم في السن، أو التشكيك الهوموفوبياوي في ميلي للتأنق، الموضوع بسيط لكنه حارق، بسيط بساطة تعلىق ولدي في الحمام، حين ذهبنا لدفق البول المشترك فسألني قائلا: «بابا ...هوا الويلي بتاعك ليه بقي قديم»، أنا قديم، أو أتقادم، او أتقدم نحو هلاك الخلايا من دون تجديد، من دون إثارة.

[ جيموفولوجي: الجغرافيا الطبية

..............

المستقبل| الاحد 29 يوليو 2012

Top