-->

التاريخ النقدي للفقيد «أبو حديدة»

هاني درويش

في أيلول عام 1989 عمل كـ»نفر» في شركة مصر لأعمال الأسمنت المسلح مقابل275 قرشاً في اليوم، كان يفتتح يومه بالختم في «سركي» العمال في الثامنة صباحاً في موقع محطة مجاري الأميرية المركزية. عمله كان خلط مادة «الإيبوكس» العازلة في فواصل الطوب الحراري في قلب نفق كبير ستمّر فيه مجارير القاهرة الكبري إلى جهة غير معلومة، كانت تذكرة الترام من ميدان المطرية بخمس قروش وصولاً إلى الأميرية.

في أكتوبر عام 1980 كان مصروفه مع اخيه قرش صاغ أبيض ممسوحاً، يسمح بشراء دومة وقرطاس من الحرنكش بالتساوي بين الأخوين. إليوم يركن سيارته في الممنوع في قلب وسط البلد مقابل رشوة خمسة جنيهات لن تحمي السيارة من بلطجة أمين شرطة قد «يكلبش» السيارة في اللحظة التي سيهرب فيها «السائس».

نوستاجيا النقود تلك هي أكثر معايير التندر المصرية على تبدل الأحوال. لا زال يتذكر جده حين كان يتكلم عن «التعريفة» القادرة على شراء إفطار عائلة، فيما أمه لاتذهب بعيدا بخياله لتحكي كيف كان للربع جنيه ـ 25 قرشاً ـ «شنة ورنة» سنة ميلاده. ففي عام 1974 كانت ورقته الخضراء الكبيرة قادرة على ملء ذكيبتين من السوق ، وبورقة إضافية منه تستكمل لحوماً أو دواجن «طبخة» عائلية متوسطة.

مسيرة التدهور النقدي تلك والتي يرى البعض أنها عالمية النزعة ومنطقية في ظل توالي إرتفاع أسعار السلع في السوق العالمي منذ منتصف السبعينيات، تجد لدي المصريين قانونها الخاص. فبلد كمصر كان دائناً لمحتليها(الإنكليز) قبل قيام ثورة يوليو، وبلد كان جنيهه بخمسة أمثال جنيه الإحتلال، لن يتفهم ذلك التدهور الكارثي في سياق تاريخ ثورة تحرر وطني. بل أن معيار القياس النقدي الشعبي زمن «الثورة المباركة» نفسه يتجاوز ذلك التدهور الذي أصاب العملة الوطنية، ومشهد البرنس «أحمد مظهر» الذي يبيع نياشينه الملكية أمام عربة حلويات متجولة مقابل قطعة بسبوسة في فيلم «الأيدي الناعمة»، ثم باقي المشاهد الراصدة لتكيف سلسل عائلة ملكية مع تغيرات الأسعار بعد الثورة يدرك أن فورة حماس المصريين بمصرنة الغلاء كانت أقوى من إحساسهم بضعف عملتهم المتباهية بأنها بدأت من «الجبس»، حيث غالبا ما يتهكم المصريون على تاريخية الجنيه قائلين «من أيام الجنيه الجبس».

مناسبة هذا الحديث الآن هو إصدار الحكومة المصرية قرارا بسحب الجنيه الورقي من التداول مع طرح مليارات الجنيهات من العملة المعدنية لنفس الفئة. ويتزامن ذلك مع رفض شعبي كامل لهذا التدهور العيني لعملة تفاخرت عبر سنوات بورقيتها. وينفرط هذا الغضب مع تفاصيل المشاحنات اليومية في التداولات بين المواطنين، حيث يرفض سائقو المواصلات العامة تسلم الجنيه»الحديد» ـ كما شاع أسمه ـ بعد رفض المواطنين إسترداده في المعاملات لعكسية. بل أن راكبا من ضواحي مدينة الجيزة الريفية أقسم أن البقالين يرفضون التعامل به، مما حدا بروابط الدفاع عن المستهلكين لتقديم طلبات عاجلة إلى وزير المالية لإنقاذ تعاملات المواطنين من المعارك اليومية التي باتت تنشب خلافاً على الجنيه الحديدي.

تاريخياً، عرف الجنيه تعديلات طالت ألوانه وأحجامه، من الأحمر في الأربعينيات والخمسينيات إلى الأخضر في الخمسينيات والستينيات، من صور الملك وأبناء الأسرة العلوية في وراثة لجنيه السلاطين العثمانيين، وصولا إلى جنيه افنجازات الثورية التي رسمت على الجنيه السد العالي والمساجد التركية، وصولا إلى التجذير البصري بوراثة وجه رمسيس والمعبد الفرعوني في آخر نسخه البنية اللون منذ الثمانينيات. عبر هذه المجازات البصرية واللونية إرتحل تصور المصريون عن عملتهم الأولية. لم يمر بسهولة تحويل مشتقاته إلى عملة معدنية مرور الكرام، فمع نهاية الثمانينيات واجهوا إنسحاب القرش(الإبن المئوي الصغير للجنيه) و»معدنة» الخمسة قروش والعشرة قروش مع إختفاء مرادفتها الورقية. لم تكن النقلة هينة في جميع الأحوال، إختفاء القرش الأبيض المعدني (الذي ينفع في اليوم الأسود كما تتحدث الأمثال الشعبية المصرية) كان مقدمة لإنهيار باقي درجات الطيف الجنيهية.

القرش الأبيض الممسوح من كثرة الإستعمال كان علامة المصروف اليومي لكل الجيل الذي ولد في السبعينيات وتربي زمن الثمانينيات المباركي. كان يحمي مشتقه النصفي(خمسة مليمات) ويذكر العابرون من أجيال الستينيات بأن هناك ثمة إتصال «سعري» بين نصف قرن منقضٍ ونصف قرن جديد، حتى مع مظاهرات إنتفاضة 18 و 19 يناير التي حملت شعار «حجازي بيه ..حجازي بيه... كيلو اللحمة بقى بجنيه» ، كان هناك ثمة إحساس مع إستمرار التعامل بالمشتقات المئوية للجنيه أن «الحياة ولعت» لكنها على الأقل لم تحترق كليا.

في نهاية الثمانينيات كان ثمن علبة السجائر الكيلوباترا الشعبية (يطلق عليها كوكو الضعيف) لا يتجاوز الخمسة وثلاثين قرشا، فيما كانت المارلبورو (علامة الإنفتاح الذهبية) تصل إلى الجنيه، في منتصف التسعينيات دمر الإقتصاديون معنى الربع جنيه يوم أن إشتريت عام 1995 أول ثلاثة سجائر «فرط» من بالكون مركز المحروسة للدراسات الصحافية بالورقة اللبنية الجديدة، وعرفنا لأول مرة معنى «باكو» المناديل الورقية ماركة» هاندي» بخمسة قروش في منتصف الثمانينيات، خمسة قروش كانت كافية لإكساب طالب في الإعدادية وجاهة إرتداء شعار رئاسة إتحاد طلاب شرق القاهرة فيما جيبه يمتلئ بباكو المناديل الورقية الحديث علامة الطبقة الوسطى وبداية الخروج من تاريخ المناديل القماشية المتهرئة. أما عندما ارتفعت تذكرة أتوبيس 41 (مسلة ـ تحرير) إلى خمسة قروش عام 1988 فكان ركوب قطار الضواحي (كوبري الليمون) من المطرية إلى رمسيس ثم التبديل بمترو مصر الجديدة من رمسيس إلى التحرير، مرورا بشارع الجلاء ،كان موفرا لنحو قرشين قادرين على شراء 10 قطع من طوفي «بم بم « الشهير. كان ثمن الدجاجة في الجمعية التعاونية 35 قرشاً إذا ما تحملت الزحام، أما إذا ما إعتمدت على أم أنور «الدلالة» فقد تصل نفس الدجاجة إلى منزلك معززة مكرمة بنحو 50 قرشاً، أما الوقوف في طابور كشك «شركة مصر للألبان» من الخامسة فجر فكان يسمح لك بالحصول في العاشرة على نحو 20 كيساً من فئة النصف كيلو بسعر الكيس خمسة قروش. كان الكيس كافيا لإفطار الشاي بالجبنة لعائلة متوسطة إلى جوار «السميط» فئة الواحد قرش من عند الست أم سعدية جارتنا. بينما الآن لا تكفي خمسة جنيهات كاملة لضمان العيش الحاف لإفطار نفس العائلة.

في عام 1995 ترك الصحافي الهمام مركز المحروسة بعد سنوات عمل قاربت الثلاث سنوات لأن الأجر لم يزد عن 120 جنيها في ظل إدارة يسارية مناضلة تحمي حقوق العمال بمشروعات ممولة من المعونة الأمريكية، لكن أول اجر صحفي كان قد ناله عام 1992 عن تحقيق من قلب جامعة عين شمس عن إستعدادات طلاب السياسة لبداية العام الدراسي وبعض الأخبار مقابل عشرة جنيهات، مع الأخذ في الإعتبار عدم نزول إسم الصحافي المتدرب على موضوع نصف صفحة لأنه ما زال تحت التدريب.

كلية التربية جامعة عين شمس عام 1992 (سنة إلتحاقه بها) كانت الكلية الوحيدة التي تفخر بأن مصاريف العام الأول بها كانت أربعة جنيهات وخمسة وثلاثون قرشا مع الحصول على كل الكتب بكوبونات مجانية من كشك يتيم داخلها تقف فيه عانستان قبطيتان هما شارلوت وإيميلي. كانت مكافأة الكلية للحاصلين في الثانوية العامة على 70 % (وهي أدنى من الحد الأدنى للدخول بها) هي 40 جنيها في العام، تتضاعف في العام الأول إذا ما حصل الطالب على تقدير جيد، وتتضاعف بمتوالية هندسية مع تدرجات التقدير صعودا، اليوم يدخل إبنه آدم الحضانة بألف جنيه شهريا مصاريف سادة!

تطلبت ملابس العام الدراسي الأول بالكلية زيارة سريعة لوكالة البلح (موطن الملابس المستعملة المستوردة بوسط العاصمة) تكلفت نحو 40 جنيهاً لنحو ثلاثة بلوفرات وأربعة بنطلونات وخمسة قمصان، كان قد حصل عليها نتاج العمل ثلاثة أشهر أجازة في مهنة «مبيض المحارة» في نحو خمس مدارس حكومية تضررت من زلزال العام الشهير، وبعد عامين أخفى عن والده أول حذاء ماركة «كلاركس» اشتراه بالقسط من تاجر بورسعيدي يعمل في المستورد بنحو 350 جنيهاً، بمقدمة خمسون جنيها وستة أقساط شهرية. فاجأه والده صباحا وهو يخرج الحذاء من اسفل السرير سائلا : اشتريت الجزمة الحلوة دي بكام؟ فرد : 300 جنيه ، تهكم الوالد: ودي حتلبسها في رجلك ولا حتشيلها على دماغك؟ ثم أنصرف، مرارة صباحية معتادة لأب لم يصل مرتبه بعد خدمة 35 سنة في «تراب الميري المصري» الى ثمن حذاء إبنه الجامعي!

أما عن تاريخ الجنيه «السلف» فحدث ولا حرج، في منتصف التسعينيات كانت خمسة جنيهات ـ لن ترد للعزيزة أمل سرور ـ قادرة على ضمان إفطار جيد في حدود الجنيه وعلبة سجائر كليوباترا، وخمس رحلات بتذاكر مترو أنفاق الضواحي، وأخيرا «بقشيش «جيد لفنجانين من القهوة على «افتر أيت»، او بمعنى أدق حياة كاملة ليومين لمتسكع تسعيني بإمتياز. أما العشرون جنيهاً الأسبوعية والتي لاترد في الغالب لعمر طاهر فهي كافية لأربعة أيام من القهوة المنزلية والسجائر ومقالة طويلة لن تنشر أيضافي الغالب بمجلة أدب ونقد. أما أكبر مبلغ لم يرد سلفاًـ كالعادة ـ فدخلت به حنان مفيد بظرف شيك مع سائق سيارتها عام 1999 الذي وصل أسفل شقة وصل البلد منقذاً حياته بـ600 جنيه كانت كافية لكورس إنجليزي بالجامعة الأمريكية لن يكتمل، بالإضافة للمشاركة مرة واحدة في مصاريف العيش المشترك مع الرائع أوادي حافظ المواطن الجزر قمري القاطن على شرفة الإنتحار التسعينية قادرا على الإنقاذ كلما ارتفع غناء الكآبة مع ساراماغو مثلا.

ذكرى وحيدة سيئة ـ هل تصدق هذا بعد كل هذا السرد ـ للربع جنيه الأخضر والكبير. فبعد ان أمنته أمه على تسليم «الجمعية» المشتركة بها مع الجارة» أم أحمد البلانة» في الدور الأرض من المنزل، ذهبت الأم للتسوق، طمع الطفل الصغير في الخمسة قروش المعدنية وذهب بها إلى عم «فتح الله» البقال الشهير بالجبنة الرومي. بدد الطفل ذو الخمس سنوات خمسة وعشرين قرشا من الورقة الخضراء الكبيرة (مجمل الجمعية) في نحو 20 قطعة «ملبس حمرا» إلتهمها بالتتابع الذي لسارق عجول أعلى سطوح المنزل. عند نهاية اليوم سألت «الأم « «البلانة « عن «الجمعية» فاكتشفت المكلومة تبديد طفلها للمبلغ الكبير، فما كان منها إلا و»حمت» البابور الغاز مبتسمة واضعة عليه مبرداً خشبياً من الحديد حتى تأجج إحمراراً. ربطت الطفل في قائم السرير يداً وقدماً، ثم كوت بالمبرد أسفل أصابع القدم اليمنى........خمسة وعشرون قرشا ورقية كبيرة ومخضبة بالتاريخ النقدي يفتقد الأبن ملمسها الآن وهو يخرج بحرص شديد «صرة» من الجنيهات الحديدية خجلاً من سائق التاكسي في مشوار لايزيد عن الكيلو متر الواحد, وصولاً إلى هضبة الهرم من ميدان الرماية.

.............

المستقبل| الاحد 8 مارس 2009

Top