-->

تهويمات عن السهاد والبرد و«فقاعة» مراد

هاني درويش

أجمع أصابعي في وضع القبضة وأكاد أدق بها ظهره كمطرقة، ليس كرها بل كمساعدة في تمرير هذه الفقاعة الهوائية اللعينة التي أعرف تماما أنها سبب إزعاجه، هذه هي المرة الخامسة التي يستيقظ فيها، وأنا أطارد أشباحي الليلية علها تتركني قليلا أو تفجّر في وجهي الأفكار، يكفيني لسعة البرد التي دخلت نظامي الكوني فسهدت رقادي ومجلسي، أأغلق ضلفة النافذة أم أتركها؟ إن تركتها فقد تتجمد أطراف أصابع قدمي إلى حد كاف للبحث عن السرير، وإغلاقها يشيع دفئا أكرهه لأنه يحيلني على الحر الذي ما كاد ينتهي، تماما كوضع هذه الأباجورة اللعينة التي تسخن جلد يدي اليسرى، فيما إبعادها يقلل زاوية انعكاس مثالية للوحة الكومبيوتر المحمول.

هذه الهواجس ليست وحدها التي دفعتني للتفكير في «زغده» هكذا، هو مثلي وحيد لا يدري في شهره الثالث ماذا يفعل بغازاته أو فقعات المعدة، يتخيل أن التصاقه بي قد يحل المشكلة، وأنا المهجوس بوحدتي الباحث عنها عبر يوم طويل من الأوامر المنزلية والتوازنات الدقيقة لإراحة من حولي قدر الإمكان، لا أعرف ماذا أفعل بأشباحي التي تعتمل في عقلي كغازات مراد وفقاعته، تتصاعد بدءا من العاشرة مساء، بمرارة الندم على الوقت المنقضي بين شاشة البلازما وفضاءات الفيس بوك، والساعات تمر من دون فكرة واحدة، من دون تشبيك جيد بين معلومة وتحليل من دون صورة موحية أو صوت ذو شجن. ثم يأتي الليل، الليل الذي أنتظره للإنفراد بنفسي أخيرا فيستيقظ مراد، لا أحتاج حججا، نعم أنا أناني و«لم يكن لي شأن في الزواج«، نعم أعيش معظم الوقت في غلاف بروتيني شفاف، أتحدث وأناقش من حولي بينما عقلي ينقسم بين درجة جدية الحوار الواقعي والحوار الداخلي المليء بالأفخاخ والمواربات، لذا أحيانا تضبطني زوجتي بالإجابة على سؤال لم تسأله، سؤال أجيب به على ما يدور في عقلي، تتهمني أن عيني تتابعها فيما ينعكس على جبهتي ترجمة أخرى لحوار يدور خلف الزجاج، فيلم على شاشة الجبهة معكوس للداخل، وتقسم إني أتحدث منذ زواجي وأنا نائم، وتصل نقطة خلافنا كالعادة، عندما تؤكد أني كنت أشخر فيما أنا مستيقظ تحت الجفون أفكر في هزلية موقف مر بي، تهزني وأنا أبتسم فأفتح عيني مباشرة وهي تقول: انقلب... أنت تشخر.

يصحو للمرة الخامسة يا الله، في كل مرة أضبط إيقاع المشية الطويلة في الممر الذي على شكل حرف «تي« الإنجليزي، سبعة أمتار في عشر خطوات طولا في عشرة أمتار بخمس عشرة خطوة عرضا، الدبيب الإيقاعي على ظهره مع وضعه السيزيفي على الكتف الأيسر يخدر يدي. أحاول أن أنوع إيقاع الدق، عشر دقات من استهلال الجملة الموسيقية لنشيد «البارسا« (فريق برشلونة لكرة القدم)، تنقسم إلى ثلاثة في ثلاثة لأربعة من كوبليه لعدوية، ولفصل «تراك« الصوت عن الصورة يصلح إغماض العينين، تكرار الأمر ست مرات يدخله في ما أراه أملا في النوم النهائي، لكن لا أمل، ها هي الفقاعة الحزينة، الفقاعة المتخثرة من آخر ثلمة حليب، الفقاعة التي أتخيلها صاعدة من معدته التي لا تتجاوز 10 سنتيمترات مربعة، ها هي لا تتجاوز المريء، تصل إلى الشعاب الهوائية ثم تنزلق لأسفل، تناورني فيما أقلل ثقل الدق، أدوزن وضعية المعدة مع عضلة الكتف الخاصة بي، علها تكون كتلة هواء تندلق إلى أسفل، لا لا لا، ليس للأسفل، هذا يعني تغيير»البامبرز»، في هذه الحالة سندخل في كريزة بكاء ونبدأ السطر من أوله.

جربت كل الأشياء كي تخرج الوطاويط من عقلي، دخنت سيجارة بكوب شاي، غسلت الماعون المتراكم على أنغام سهرة إذاعية بالبرنامج العام، تلكأت عند «نشر الغسيل»، يحدث كل هذا فيما أنبش في عقلي لقطة ملهمة، جملة استهلالية تصلح لكتابة دوارة كنول الغزل، أعرف أن العقدة الأولى هي «الصنعة» و»المعلمة» بعد ذلك تتراكم السطور، الخطوط، سيور النسيج وتتدفق الصور، بجعة على شاطئ بحيرة، درويش كما يحبه حسن داوود، أو سياف يقطع رأس ضابط شرطة في ميدان عام، لكن لا شيء.

جربت أيضا السياحة الهائمة على وجهي بين المساحات المؤممة للشقة، المساحات المتروكة لي نهبا، أذهب للمطبخ وبينما يدي تمتد في الفراغ يحدث السقوط، ماذا جئت أفعل هنا، لماذا يدي ممدودة هكذا؟ وأكاد أحبس أنفاسي من تراجع الأسئلة إلى المستوى من أنا وأين أكون. هذه أحد كوابيسي في وحدة الشتاء أن أسقط في فراغ أسود بسؤال من نوعية ماذا أفعل هنا؟ في الحمام، أعلى مقعد التواليت أجلس بملابسي من دون مبرر، أدرس بجدية الأسباب التقنية لوجود حروق صينية في الشريحة القيشانية المجاورة للحوض، هل وضعت هكذا جزافا تلك الكلمات والحروف في وجهي مساء في القاهرة، هل هي تعويذة تصلح لحل أزمة محمد فريد مع سيناريو فيلمه؟ ماذا لو كانت تعني مزحة صينية تشبه كلمة «كُلْ خ...« المصرية القحة.

الإنسيال في مثل هذه التهويمات لا يتناسب عادة مع معرفة ميقات الخروج منها، هكذا تسلمني الحروف إلى الهندسة الفراغية لأطقم الشاي التي على شكل سلال في «ضلفة» «النيش» اليمني، ومنها إلى لعبة تعيين موقع الأشياء السحرية التي أموضعها ثم تعيد السيدة التي تنظف البيت بعثرتها، أحاول أن أخضع تصرفها العشوائي مع «لبيسة» الجزمة، ورواية «الرابحون» المركونة في الصالة منذ شهر، وكيس التبغ الذي يؤرخ لفشلي في التدخين اليدوي، أتابع بشغف كيف أن رميها الأشياء كل مرة وفق خريطة جديدة وعشوائية ربما يدل على منظومة ما لعبثها الدائم بشفراتي المنزلية، ثم أفشل ، أفشل ...أفشل فيصحو مراد مرة أخرى.

أعلم مشكلة مراد تماما، قضيت ساعات في تأملها وتحسسها، بأصابعي تحسست فقرات عموده الفقري الذي يرصد كتاب تعليمي كيف أن أوامره العصبية تنشط، عموده الفقري الذي يتطور يضغط بأوامره كي تنتصب رأسه الثقيلة قليلا، يحاول فتسقط جهة اليمين كسكران، يحاول فتتهدل رأسه يسارا كالمضروب على خده ، يحاول أن يجلس فيتكوّر للأمام وقد انضغطت رأسه على الرقبة في خروج نتوء أسفل ذقنه الشبيه بثروت أباظة السبعينيات، له نفس ابتسامتي البلهاء المترنحة يمينا كما في صورة عائلية بحديقة الميريلاند، أمي تلبس جلبابا أسود وقد انتصبت على كتفها، تلك الابتسامة الخبيثة المتشفية الشقية، تلك الابتسامة جالبة الخراب التي هي غالبا لاسترقاق قلب الناظر لا لتحجيره، تلك البسمة التي تعني الخيبة والدهشة والرقة (لو يفهمون)، له أيضا نفس العيون المجهدة، تحتفي الآن بالجحوظ ثم تتهدل كحالي بمرور الزمن، تضيق وتستعيض عن وجودها الشرطي بأكياس منتفخة قادرة على «تلبيسي» قضية مخدرات عند أول كمين للشرطة.

يعرفني مراد أيضا، أتخيله وهو يفصل بين علاقته العضوية بأمه حيث الثدي والرائحة التي هي للحمه وبيني، أعرف أنه يعرفني. فأولادي وهي وصفة مجربة- يدركون أنني رجل الأرق، من يحملهم مساء تحت قصف الغازات والأمغاص والزغوطات «الهيك أب « في لغة أهل الإنكليز، (تبدو الكلمة الإنكليزية أقرب صوتياً من العربية)، يعرفونني من رائحة السجائر الفاقعة والأسنان التي لا تمر عليها فرشاة والعرق النفاذ، ثم يعرفونني لاحقا منزويا بعد نهرة أمهم القاسية، يعرفونني بالخصام الذي لا تحله كلمة «سوري« (Sorry)، بالهجر والصمت المطبق، بالإصرار على تفاصيل مرضية صغيرة مثل التأكد من إغلاق الصنابير خلفهم، مثل التشديد على ضرورة قص الأظافر كل يومين، بالدماء السائلة بعد كل حلاقة ذقن، بالحرص على فطمهم من الأمومة، بركل الكرة وحب الجغرافيا.

يصحو مراد، هذه المرة نفذ صبري، وأكاد أن أركله، أزفر زفرة أخيرة نافثا غضبي على العالم والوطاويط التي ما أن تحط حتى تمرق في كل الاتجاهات، لا أعرف كيف أفكر أو عن أي شيء سأكتب، إنه الشتاء إذاً، موعد آمال محطمة، مشاريع لم تخرج من تلافيف المخ، أو في النهاية مناسبة لكتابة هذا الكلمات بكامل وحدة الالتصاق بمراد.

.............

المستقبل| الاحد 7 نوفمبر 2010

Top