-->

كلفة الانتماء لطبقة وسطى بلا توسط

هاني درويش

كعادته في مثل تلك الأحوال، عندما يمتد صمت طويل بعد نفاد الأسئلة، يترك يدي في مدخل حمام السباحة، يطوّح بقدمه قليلا وقد أختار اللحظة المناسبة، يقول آدم فجأة:» بابا أنا أتعلمت انهار ده حاجة مهمة جدا.. ربنا هوا اللي بيخفي الحاجات كلها». أتوقف للحظة عن مسيرنا الحثيث الباحث عن منضدة فارغة نادرة ظهر يوم خميس ثم أعاود السير ململما أشلاء صدمتي، أرد: مين اللي قالك كدة يا آدم، يرد: مس علا. هذا هو يومه الثاني في المدرسة، يومه الثاني فقط في صف الكي جيه وان. كان خلال اليومين وردا على سؤال ماذا تفعل في المدرسة يجيب أنه نسي. أُكمل الحوار: وقالتلك إيه كمان مس علا، فيرد: قالت انه عمالنا النوس (الأنف) والآي(العين) وكل حاجة. أعرف أنه يحتاج مني إجابة ما، تأكيدا أو نفيا، لكن ماذا أفعل وقد بدأ حديثه بكلمة «حاجة مهمة جدا» ؟ أي إرباك لسلطة المدرسة في هذا التوقيت سيضره. لا أمل، هكذا أردد، فقد ألقت به يد التعليم في حوزة الإخفاء القسري للرب.

كنا قد خضنا غمار مواقع صعبة في تربيته خلال الأربع سنوات الماضية بما يضمن له حدا أدنى من السلطات التخيلية التي لا تناسب وعيه. ففي حال موت جديّه (من طرف الأب والأم في عام واحد) كانت كل القراءات تؤكد أنه في سن (أربع سنوات) لن يرتاح حتى يعرف الحقيقة. لكن الموت حقيقة مجحفة تولد غالبا بؤسا مصيريا. ناورنا كثيرا في تمرير الأمر، مرة بالقول إنهما يعيشان في بلد بعيد، لكنهما بالطبع سيعودان يوما. هكذا تساءل، ثم مع وفاة جدته الأقرب منذ أشهر لجأنا إلى تكنيك أن الحياة تنتهي عندما يكبر الإنسان كثيرا كثيرا. استثمرت هذه الفكرة مثلا في تعريفه أن الإنسان يحيا طويلا بالمزيد من الطعام وممارسة الرياضة، بالمزيد من القوة. وهو من جانبه احترم غموض كلمة «حياته انتهت« أو ربما أدرك أن خلفها شيئا مخيفا. لم يمنعه ذلك من التكرار الموسمي المفاجئ لأسئلة عن موضع جدته وجدوده، فانقطاع الأشجار الضخمة من حوله فجأة وبقاؤنا نحن ثمارا يانعة سريعة العطب كان مناسبة لاستغلال فترة صمت كما تقدم كي يخرج من تخيلاته بالسؤال عنهم جميعا.

اليوم، وفيما أرخي أحمال «عدة التمرين» ، عند حمام السباحة المكتظ بنساء محجبات ناهرات لأبنائهن، اليوم وفيما يحيطنا الوهم البرجماتي للتدين الزائف الذي يخلط بين الرياضة والجهاد في سبيل الله، اليوم ونحن في اللحظة الاستثنائية الخشنة التي نلامس فيها الواقع من حولنا، اليوم، دخل الله حياة إبني من أوسع أبوابه، من باب الإجابة التي حورها لمفهوم «انتهت حياتهم» ، فـ»المصروف» المجتمعي وصل أخيرا إلى عقله، وهاهي ثماره الأولى يانعة .

بالطبع لست مجنونا لتخيل أن لا تديني قد يفيد في حماية ولدي من أعباء الانتماء إلى مسيرة بشرية طويلة من العلاقة مع الله. أولا لأني لا أريد لابني أن يتحول إلى أضحوكة مستقبلية بين أصدقائه. تحت هذا البند وافقت على ختانه. لكن ألم الختان في الأيام الأولى لا يقارن بمفاعيل الخيال المترتب على مجهولية كلمة كـ»ربنا». ثم ان طفلا هو ماكينة تخييل متحركة سيهرس هذا المفهوم الضخم غالبا في خلاط وعيه المتقد، سيحوله من فجوة سوداء «كما أتمنى في الحد الأدنى للتدين في هذا العمر» إلى سلطة وسند ونقطة تفسير لمجمل الحياة. أضف إلى ذلك كوني لست ديكتاتورا كي ألبسه سمت أفكاري التي خضت معارك عديدة لتثبيتها، معارك خضتها في توقيتها وتحت درجات نضج بعينها، لن تحميني هذه الدرجة من النضج مثلا من تأمل مقاطعة أصدقائي لي في الفترة الثانوية عندما عصفت بأفكارهم حول مادية العالم. قاطعني الجميع، هجروني دون سلام أو ندم. كان درسا مفيدا علمني مبدأ التقية في أولى سنواتي الجامعية.

كمنتم إلى الشريحة الوسطى للطبقة الوسطى (وفقا لمعايير البنك الدولي) أو كمنتم إلى طبقة وسطى لا يزيد دخلها السنوي عن 6000 دولار( وفقا لمعايير منظمة التعاون والاقتصاد الدولي) كانت خيارات تعليم ابني محدودة، فلن اسلمه تلقائيا إلى التعليم الحكومي المحتفي بوزيره اللواء أحمد زكي بدر، حيث ينمو أطفال يدخنون البانجو ومدرسون يضربون بالمطواة، وبما اني لا أملك أن ألحقه بالمدارس الدولية كحفر الباطن (35 ألف دولار) أو الكندية أو الألمانية أو الانجليزية (بين 6 إلى 12 ألف دولار) حيث أيضا يتعرف طلبة الكي جي تو إلى الحج عبر الطواف بملابس الإحرام حول مجسم للكعبة المشرفة، وحيث ينمو في بيئة تحتفي بتنابذ الأطفال بالتصييف في مارينا المصرية للفقراء أو ماربيلا الأسبانية للأغنياء، كان خيار مدرسة مصر للغات القريبة من المنزل(حيث لن يقضي خمس ساعات على الأقل معلقا أعلى كباري الازدحام المروري) والتي أسستها رائدة تربوية شهيرة هي ماجدة موسى أفضل الحلول، فـ12 ألف جنيه (نحو 2500 دولار) لا تقارن بما تقدم، كما أن المبلغ نفسه تتساوق به طبقتي من خلال تنمية أبنائها في مدارس من نوعية «رحاب الصالحين» و «أم المؤمنين» التابعة لبيزنس الطبقة الوسطى المنحطة بمعايير الزمان والأخلاق والوعي. كانت إذاً «إم إل إس» كما يحلو لخريجيها الجيدين في كل اللغات الحية نطقها اختيارا إجباريا. فهي على الأقل تنتمي إلى نمط تاريخي متماسك تربويا من المدارس الخاصة الشهيرة زمن الثمانينات والتسعينات، أي في الفترة التي كانت فيها الطبقة الوسطي أقل تشريحا وأعلى مقاما، أي في الوقت الذي كانت «وسطى» بمعنى التوسط لا بمعاني الترهل الوسطاني.

تمتد المدرسة على مساحة ضخمة أسفل سفح الأهرام. ترى من هناك أكبر مشهد للأهرام القريبة من فصولها الممتدة طوليا والتي تنتهي بملعب كرة رسمي ومدرجات للجماهير. «الإستراكشر» جيد بتعابير هذا اليوم، وبها أنظمة الشهادات الأميركية والإنجليزية والفرنسية المعادلة. وتدور أسعار هذا النظام التعليمي عند حدود ضعفي مبلغ 2500 دولار. لكن المدرسة بالمعنى «الناشيونال»، أي الحكومي، تخضع كما يبدو إلى ابتزاز أولياء الأمور كما تخضع لابتزاز وزير التربية والتعليم. فرغم أن «الوزارة» لا تطلب تعليما دينيا إلا مع مرحلة التعليم الابتدائي، إلا أن التساوق مع ذوق الطبقة التي تلحق أبناءها بها جعلهم يمدون خدمة التربية الدينية إلى صفوف التمهيدي. لذا لم تتفهم أسئلة زوجتي إلا مشرفة المرحلة التمهيدية العجوز والتي تنتمي إلى جيل الرائدة المؤسسة، فيما أبدت « مس علا» اندهاشها من تساؤل زوجتي وادعت أنها في الثلاثين عاما الأخيرة لم تواجه بأولياء أمور على شاكلتنا.

طبعا السيدة علا لم تعدم وسيلة للتفتيش في عقيدة زوجتي. فأسئلة مثل: «ما الأزمة في أن يعرف الأطفال ربهم، تبدو طبيعية، بل وبشرتها بأن «منهجها» يتضمن «تحفيظ» الفاتحة عند نهاية العام. وعندما استنكرت زوجتي منطق الكتاتيب في «التحفيظ» قالت لها: نحن خريجو كتاتيب، ولم نخرج معقدين أو مضطربين نفسيا»، هكذا ترى علا نفسها متسقة تماما مع «الستاندارد« الذي نجبر هذه المرة على الإلحاق القسري به.

بالطبع ثمة مخاطر في «تفييش» ابني ولدا لعائلة هكذا «مختلفة»، أولها انعكاس ذلك على علاقة «المس» بالولد؛ ثانيها أن أي محاولة لـ»حشد» من هم مثلنا ربما تودي بنا إلى صفحات الجرائد الصفراء إن وجدنا اصلا من هم مثلنا، كل ما في الأمر أننا سنفتح خطا ساخنا للشكوى اليومية بعد أن طلبت زوجتي الإطلاع على المقرر الخاص بالتربية الدينية، خاصة وأن جلسة واحدة أصابته في نفس الليلة بالكوابيس.

سنضطر إذاً إلى الذهاب إلى المدرسة للشكوى كلما «اجتهدت» المس علا في تقريب خيالها إلى خيال الأطفال. سنضطر كذلك إلى هدم نصف أساطيرها لو أردنا إبعاد ابننا إلى حين، خاصة وأن أكثر المناهج تربوية وليبرالية في هذه المدارس غالبا ماتشوه على يد «ملقنيها» حيث الجنوح طبيعي إلى «تثويب» و»عقابية» السلوك وفقا لـ» المسطرة الأخلاقية الدينية» لا التربوية الطبيعية.

قضيت ساعات من النقاش والتفكير مع زوجتي لـ» ضبط» آلية التعامل مع ابني وفقا لمعطيات الـ»مس علا». لا نستطيع في هذا الإطار نفي ما تقوله وتبثه يوميا، ومن ثم نحن معنيون أكثر بتبسيط وتليين ما تقوله من دون أن نقع تحت طائلة التربص. والتبسيط والتليين هنا يتطلبان خيالا غالبا ما لا تتوافر إمكاناته لمن يؤمن فعليا بمادية العالم. الأسئلة القادمة من هذه المنظومة مغلقة ومنضبطة هيراركية ومنافية لأضعف مناطق الهشاشة الإنسانية، تلعب غالبا على الخوف من المجهول الذي يفترض اللامادية والتسليم الطوعي بدلالات ذلك المجهول السلطوية، على الجانب الآخر يمثل شحذ آلية الاستبطان الداخلي لهذا المعطي الجديد «تلوينا» فاقعا لمناحي الحياة حول الطفل. تتحرك ماكينة التخييل لتصبغ العالم بهذه القدرة، وما كان طوعيا وجداليا يتحول إلى «أمر نافذ». إغلاق هذه المسام التخيلية ضار، وأي «تلقين «مواز مختلف قد يضع الطفل تحت تشويش مخيف، وأي تسريب لهذا الوعي قد تطاله «غشامة» أولياء أمور زملائه المستقرين على ما أستقرت عليه المدرسة والعالم.

ما الحل إذاً؟

نحن نذهب إلى المدارس غالبا لأننا نحتاج للطفل عالما أوسع، مؤسسة أخرى لتنمية المهارات والأفكار خارج ذواتنا. وبما أن الجحيم غالبا يقع في التفاصيل الصغيرة بعد أن تجاوز منذ زمن «الكبيرة»، تبدو مهمتنا أكبر. فعلى حجم ما باتت تمثله المثيرات من حولنا من أدوات إنضاج مبكر لأطفالنا، أقصد هنا التلفزيون والكمبيوتر والقصص المصورة والسينما، على حجم ما أصبحت مهمة تنظيم وضبط كامل هذا الفيض صعبة، بل وتكاد تكون مستحيلة. وفيما يخرج «آدم « من عالم حمايتنا وفلاترنا الواعية، تتلقفه للأسف سلطة تحاول إدماجه بأقصى سرعة في الطابور الحشدي للمتشابهين. أعلم أننا لسنا في زمن» قطعة الفن» بل في زمن المنتجات المتناسخة، وأن ركلة حذائه بعد طول صمت هي أول ثوراته الداخلية علينا كمصدر معرفة وحيد. ان تصريحه لأول مرة بأهمية ما يتلقاه في المدرسة حين قال «أنا أتعلمت حاجة مهمة جدا» هي بداية طريق طويل من الفطام. أعرف ذلك وأتمناه، لكن ألم يكن ذلك مبكرا للغاية؟ يا لبؤس هذه الأوطان.

..............

المستقبل| الاحد 10 أكتوبر 2010

Top