-->

الحنين للثمانينات... هل كنا بالأمس هنا؟

هاني درويش

هي الصورة وحدها بلا شك، أو لتوخي الدقة الصور في تدفقها، فقبل الثمانينات كان الزمن خطا بالمعنى الحرفي للأبعاد، أما خلالها وفيما بعدها فاللاخطية هي الشعار. الستينات إبنة الحكاية الشفاهية، نصوص معايرة الأباء المطلية بالأسود والأبيض، السبعينات ومن بعدها الثمانينات هي الألوان والحركة حين تفضح ذلك الحنين الميت في صور بكماء ساكنة اكتسبت صفرة الزمن الزائل أو بُنيته لكن لماذا الآن تحديدا يتدفق هذا الحنين إلى الثمانينات، يتدفق في عشرات المنتديات على الفيس بوك، في سيل المادة الفيلمية لإعلانات التلفزيون في تلك المرحلة. في التعليقات المتطايرة مع وضع صورة على البروفيل لألبوم المسابقات «بم بم»، في فوازير رمضان بقزمية فطوطة، في الدراما التلفزيونية في لحظات تفتحها الأولى زمن «الطاحونة» و»فارس الجبل» و»المشربية» و»ليلة القبض على فاطمة» و»ميزوووو». هل هي متطلبات حنين جيل جديد يكتب ذاكرته أو يقبض عليها في لحظة سيولة عامة، أم هي طبيعة لحظة تاريخية خاصة تعيد تشكيل نفسها بكل هذه اللوعة لمن عاشوها أطفالا أو شبابا؟

الأسئلة مشرعة ومحاولة الإجابة عليها تتطلب مبحثا ضخما. فالتفريق بين مرحلة زمنية وأخرى في بلد بحجم مصر تعيش عصرا ميتا وممتدا منذ مايزيد عن الثلاثين عاما هو شيء في منتهي الصعوبة، خاصة أن ثلاثة أجيال نمت وترعرعت تحت صورة الرئيس الباسم استمدت جمود حالها وتشظي زمنها ودائريته المفرغة من تلك البسمة المتجددة التي تتناقض مع تقشر طلاء الحيطان المتسخة حولها عقدا تلو آخر.

كانت الستينات والسبعينات ركضا سريعا، هدما وبناء لفضاء من التاؤيلات العامة سياسيا واجتماعيا: ثورة فتضخم فهزيمة فنصر مشكوك فيه فركون. خمسة أفعال قامت ونامت عليها مصر الأمة ثم الدولة في نفس اللحظة، القيادة الثورية والأخت التي تركن لجرحها النرجسي فتستعيد بعضا من كرامتها المهدورة ثم تعود للسبات. بالطبع

هذا التلخيص المدهش لأعمار ملايين من الحالمين والمنكسرين يحمل إبتسارا بشكل ما، لكن فليسمح لي الجميع، ظلت مصر التي «كانت» حكاية لا أكثر لكل من ولدوا نهاية الستينات واوائل السبعينات، كل مانذكره عن هذا الزمن نصف فرحة بالنصر ممرورة بطعم حلقم الإنكماش الوطني على لا شيء، لا شيء بالفعل، حاربت مصر كما في حكايات الآباء لكن انتصارها ظل منقوصا. تركت مصر الحرب للسلام لكن لا سلام، خرجت من قمقم رأسمالية الدولة لانفتاح إقتصادي لم يثمر إلا أثمانا شائنة. نامت مصر حزينة على موت الأب عبد الناصر وصحت على مقتل خليفته فجأة، فيما قيادة مجهول تأتي من أسفل كراسي المنصة. خرجت نساؤها حتى نهاية الستينات بالميني جيب وعادت نفس النساء نهاية السبعينات إلى الحجاب، أما رجال الحلم الناصري من آبائنا الطيبين فجلسوا للحكي المتأسي على الزمن المنفلت.

الثمانينات هي الحذر إذن من مغبة هذا الركض المتوالي. هي تكنيك التقية الذي يراهن على «مرور الأيام لا اكثر» وإنتظار المجهول وتقبل الإنقلاب الصامت على كل المرتكزات الماضية.

ظهر شريط الكاسيت لأول مرة في منتصف السبيعينات كسلعة شعبية. السمع أصبح ديمقراطيا بعد زوال دولة الراديو الحشدي الذي كان يجمع الملايين على «الست» وبرامج صوت العرب. التلفزيون أصبح تمييزا جديدا لعائلات الطبقة الوسطى الصاعدة، موظفين وحرفيين، تلوَّنت حياتهم فجأة وأصبحت أيامهم مدوزنة على مسلسل الساعة السابعة ونشرة التاسعة وبرنامج حديث الروح الديني قبل النشرة، القراءة نفسها تغير حالها، فمن أهرام هيكل إلى أهالي التجمع والوفد وصوت العرب، هذا على مستوى الصحافة معيار الثقافة الشعبية، لكن للمثقفين المختصين ظهرت الروايات المترجمة العاطفية والبوليسية البسيطة. خرجت السينما من لهو التغييب السبعيني المتعمد إلى سوداوية الواقعية الجديدة في أفلام خان والطيب جنبا إلى جنب مع رسوخ النمط الشعبي الجماهيري في أفلام نادية الجندي وعادل إمام. ومثلما دخلت منتجات وأدوات إستهلاك بعينها حياة الطبقة الوسطى أكثر رفاهية كالتلفزيون والبوتاجاز المصنّع والثلاجة الإيديال، خرجت من حياتهم أنماط من منتجات التحايل على الفقر وسؤ البنية التحتية كالكلوب البريموس واللمبة الجاز اللذين عوّضا فترات إنقطاع الكهرباء الطويلة خاصة في الصيف، خرج من المطابخ الوابور النحاسي وعدته من الإبر نمرة خمسة وجراكن الجاز، عرفت حمامات البيوت قاعدة التواليت الإفرنجي والسيراميك الأبيض ماركة ليسيكو، إنتهت معاناة إنتظار عربة الثلج في حر رمضان واصبحت زغاريد النساء تلعلع في الأحياء الشعبية مع كل ظهور لعربة مصانع إيديال الزرقاء على ناصية الشوارع لتسليم الثلاجات المحجوزة منذ سنوات. وعندما فتحت السوق الحرة في بورسعيد هرّبت الطبقة الوسطى لأول مرة معجون السيجنال ذي الخطين وعلبة كريم نيفيا الزرقاء ذات الحجم الكبير والصابون التركي المعطر.

في الموسيقى تحديدا، عرفت مصر تمردا لم يتوقف عند حدود الإختراع الحداثي الديمقراطي الذي «فردن» حاسة السمع فقط(شريط الكاسيت)، بل اصابت رياح العولمة الموسيقية ذائقة جيل جديد منفتح على موسيقى الروك اند رول، فشكلت من ابنائه فرق مستقلة أقرب تكوينا ومزاجا للنمط الغربي. ظهرت فرق الفور إم والأصدقاء ويحيى خليل والمصريين بقيادة هاني شنودة. أصبح الجيتار الكهربي والأسباني والإيقاعات الغربية والشرقية المسجلة الكترونيا»تراكات» بديلا عن العزف الحي والمسرح. دخل الإستوديو في الكاسيت، دخل الكاسيت البيوت بعيدا عن رقابة ومقاييس النغم المهندسة سلفا. إختار حرفيو المدينة عدوية وأبناء قبيلته الشعبية واختار المراهقون إندماجا سريعا مع عالم الغرب الذي حرمت منه مصر بإرادة الأصالة الستينية العتيدة.

إنفصل بذلك المزاج السماعي إلى مستويين متجاورين: ذائقة خرجت من الستينات بعراقة اصوات أم كلثوم وحليم ومن شاكلهما في الوعي الإذاعي، هذه الذائقة قاومت وتقاوم حتى الآن ماتراه إندثارا لـ«زمن الفن الجميل»، وزائقة اخرى تجاوزت تلك المرحلة السماعية الأبوية لتختار موسيقى أسرع ومطربين مؤدِّين تحت مسمى «الحالة»، حالة حميد الشاعري، حالة محمد منير، حالة علي الحجار، حالة علاء عبد الخالق، شجن وإغتراب وأحزان مدينية بلا تسلطن أو إستعراضات مقامية فارغة، المزاج المتوتر والخوف من إستنساخ أخطاء وهزائم الروح الجماعية للأجيال السابقة عمقت من الطلب على الفردية والإختيار المغاير.

ونعود للصورة، بالمعنى الحرفي للكلمة، الفوتوغرافيا في منازلنا كانت تابلوهات قيادية. صورة الجد أو الأب أو الزعيم على أقصى تقدير، فيما عدا ذلك كانت لوحات الطبيعة الصامتة المستنسخة «طبق الفاكهة نموذجا» هي الفضاء البيتي الملون، مع إحتفاء نادر في الثقافة المنزلية بالكتل المنحوتة نحاسا أو جصا أو خشبا يتماس مع الوحدات الزخرفية للأثاث المنزلي العتيق برجوازيا، غربيا كان أو بلديا شعبيا. في الثمانينات ونهاية السبعينات عرفت صالونات المنازل المصرية صورتان زيتيتان غريبتان، الأولى الطفل الباكي والثانية الطفل بوذا بسلاسله وألوانه المبهرجة. كانت الفوتوغرافيا الفنية أقرب للكارت البوستال السياحي. محمود ياسين ونجلاء فتحي بشعورهم المسشْوَرة وألوان فاقعة ملونة يدويا في الإستديوهات على قمصان مشجرة وسوالف تعلو ياقات جناح العصفورة الشهير، وكلها في حجم البورتريه الجانبي بأبعاد لاتزيد عن العشرين سنتيمتراً في العشرة سنتيمترات. جاءت الثمانينات بإختراع البوستر، كانت غرف المراهقة مجلات مجسمة من صفحات المنتصف وفنون كولاج الصور الملونة، جميعنا وضع بوستر أصفر ضخم لبروسلي في فيلم الرأس الكبيرة، أو ساندرا، محمد منير، بوب مارلي، مايكل جاكسون. إختفت الطبوغرافيا البارزة للمجسمات وتسطح المشهد بفعل فنون الجرافيك والطباعة المصقولة.

يبدو المشهد ثمانينيا بإمتياز لو تخيلناه في الساعة الثامنة والنصف مساء في الشتاء. برنامج جولة الكاميرا يقدم فقرات خفيفة منوعاتية مصورة من أرجاء العالم، إحتفالات مصارعة الثيران في اسبانيا، ولادة نادرة لأنثى نمر في أسر حديقة حيوان أسترالية، تعليق هند أبو السعود بصوتها المميز، تليه النشرة الجوية بموسيقاها الغامضة والتي غالبا ما لا تقدر مفاجأت الطقس السيئ، مسلسل العرائس»روبي» البارد، ثم برنامج حديث الروح الديني ونشرة التاسعة ملتصقة به، بعدها ينفض الطقس الجماعي العائلي إلى نوم الجيل الأكبر مع إنفرادنا بالغرف «المجلدة» بالبوسترات وإذاعة مونت كارلو والكاسيت الناشيونال موديل 472ذي الزر الأورنج للتسجيل حتى الفجر.

يوم السبت السهرة مع برنامج عالم السينما، الأربعاء العالم يغني مع حمدية حمدي، الخميس أوسكار، برنامج العلم والإيمان للمفكر المركسي المنقلب مصطفى محمود بتنهداته و»سبحان الله» على دأب النملة في حمل اوراق الشجر ثم موسيقى الناي المرعبة والحزينة في تتر النهاية، جلسة العائلة أمام الشعراوي بعد صلاة الجمعة. نحن أبناء القناة الثانية بكل فخر فيما الآباء يفضلون غالبا القناة الأولى الأكثر رسمية والمتدينة والتي تذيع أفلاما عربية كل يوم في تمام الثانية ظهرا.

وكأننا أمام أنبوب ضخم يضخ فيه وعي معرفي جديد معمم وسجالي، عملية تسليم وتسلم من أسفل إلى أعلى، تجاور مدهش لثقافتين تحاجج إحداهما «بأيام الخير اللي عمرها ما حترجع» بينما ترد الأخرى» إحنا ماشفناش منها أي خير والله لايرجعها»

التفاصيل التي تذكر بطول هذا المقال هي محل سجال وتندر واسع في عالم الفيس بوك. لم تجد هذه العوالم حتى الآن ترجمة في كتابة أدبية حقيقية، بل لازالت الأجيال المهيمنة على السرد الأدبي تراوح مكانها في التأسي على الستينات، عبر رواية السير العائلية الممتدة ورصد الإنقلاب السبعيني، بل وينظر ذلك السرد للثمانينات كمنطقة مظلمة عصية على التمفصل الدرامي الكبير الذي ينتج عملا هاما. إهتمت بتلك الفترة وتفاصيلها المنثورة كتابات تجارية من نوعية الألبومات الساخرة للكاتب الصحافي عمر طاهر، لكن حجم الحنين المنفجر حولها الآن يبدو مدهشا.

غالبا ما يحتاج الحنين إلى إنكفاء زمن على آخر، إلى إحساس بخوف حاضري ومستقبلي وقطيعة بين ثلاثة مستويات من الزمن: زمن ماقبل فترة الحنين، زمن ما بعدها، ذاكرة تنشط لتمفصل الحياة الجيلية عند نقاط إتفاق عام في المكونات المعرفية والوجدانية المشتركة للحظة ماضية. المدهش في حال الثمانينات المهضومة والمعاد إحياؤها إستعادة وتأمل أن مفارقاتها كزمن مجتزأ كانت كثيفة ومضغوطة. التسعينات التي جاءت بعدها هشمت الفضاء كله من حولها، ماعد حداثة إستثنائية في المأكل والمشرب والذوق العام أصبح نمطا معولما لايفرق بين الطبقات. الصور التي هي قلب تميزها اصبحت تتدفق أكثر وبشعبوية متسارعة، هل لذلك علاقة بحركة التسييل الطبقي التي شهدتها مصر؟ هل لذلك علاقة بإنتهاء الحرب الباردة وتغير العالم بشكل لم تكن حلقاته الأضعف على إستعداد له؟

في كل سلسة من سلاسل الحنين والذكريات السابقة حدث الإنقطاع مع بداية التسعينات. الموسيقى، السينما، الصورة، المواد الإستهلاكية، الموجات الفنية والعادات الإجتماعية. ثمة فورة وتقلب منذ التسعينات وحتى الآن يدفع الذاكرة للتآكل، يجعل الجميع بعد أن تمتع بفردانيته وتمايزه يبحث عن مشتركه القديم، نقطة إرتكازه الروحي أو بداية هذا السيل، صلاة نحو الأصالة المفقودة ضد حداثة جنونية السرعة والتشكل. اصبحت الذكريات مضغوطة إلى الحد الذي يبدو الزمن فيه دائريا وبلا نهاية، وامام الخوف من غموض النهايات، يصبح البحث عن نقطة بداية هاجس، محاولة للتأكيد على أننا كنا هنا ذات يوم.

................

المستقبل| الاحد 20 سبتمبر 2009

Top