-->

شهادة متأخرة عن بيروت المحتفية بالطوبوغرافيا والصخب هنا وهناك... من يكفّرون عن ذنب أنهم وجدوا

هاني درويش

"تأخرت هذه الشهادة عن بيروت طويلاً، ولا ذنب لبيروت أو لي في ذلك، فكتابتها الأولى تمّت فور عودتي منذ شهرين، لكن ماشهدتْه بيروت من مآس بعد اسبوع واحد من عودتي أخّرتها، وربما عمقت تلك الأزمة شهادتي فيما هو أبعد قليلا من فورة الحماس التي ظللت أيام العودة الأولى، فشاء للشكوك أن تجد أخيرا تحققها، وشاء للأمل في تلك المدينة ألا ينقطع.

* * * 

هي ذي أخيراً بيروت، أمل أخير بالدهشة، ومفاجأة حين تندر المفاجأت بحكم اعتيادنا دائماً على تحقق أسوأ الاحتمالات. جيلي المجبول على تهذيب خياله على فقر الواقع، ستصيبه تلك الصدمة البطيئة التي تركتها تتسرب بعمق في مسامي لنحو ثمانية أيام، الفرح بأن هناك ثمة ما يمكن الحكي عنه في مدينة الأحلام تلك غير مستوى عري بناتها أو فحش مظاهر إحتفائها بالإستهلاك. حتى مع أقسى الإتهامات التي تعلبها في عيادة جراح تجميل تزدحم فيها النساء حقد ما على هذا المستوى من محبة الحياة التي بتنا نكرهها، نعم نكرهها، ونكره فيما نحن نقتتل يومياً على البقاء فيها أن يتمادي آخرون في محبتها. كان من حق محمد أبي سمرا أذن أن يلخص القاهرة في أول زيارة له بأنها مدينة هرمة ومتعبة، ذاك ان التداعي البطء الصبور المصمم والكارثي بلا عودة لمدينة بحجم القاهرة أمسى علامة للتعجب، ربما لاننا ونحن نعيش بها تحت خيار اللاموت/اللاحياة قد نسينا أن هناك ثمة حياة يمكن أن تعاش أو موت قد يفاجئنا. مدينتي هرمة على نقيض صبا بيروت المتجدد بلانهاية. مدينتي تنمو كراهيتها بصبر لا يفجر طاقة احتماله إلا مواجهة نقيضة على حين غرة، إلا بيروت، فكثيراً ما أرقني ذلك الإنكفاء المصري الصميم على إعتبار أن مصر هي أول العالم وآخره. سبعة آلاف سنة من الحضارة لا أعرف كيف اختبرها في غضب الوجوه اليومي. فحجم قطيعة التاريخ والواقع أصعب من أن تملأ فجواته أعتى التحليلات السياسية والتاريخية. قطيعة أقرب إلى نكوص جيني طبيعي ربما اصاب مدينتا بتدرج، أو كأننا بتنا فئران تجارب في معمل سري يشرف عليه نمط مندثر وشيطاني من الساسة ورجال الدين والعسكر.

من كلاشية المذبحة الزرقاء إلى بازار النضال والحداثة الفارقة تنسمت بيروت لسنوات عبر ذلك الكتاب القديم الذي أتذكر غلافه الأزرق الذي تتمدد عليه صور مذبحة صبرا وشاتيلا. كنت ابكي لسنوات كلما تذكرت صوره بتعليقاتها البسيطة، تحديد حدود المخيمين، الإنذار الأخير لقوات الكتائب، مراقبة الإسرائيليين، الجرافات، بتر الأثداء وبقر البطون، إغتصاب، قتل، تقطيع أجساد بالسكاكين والسواطير. بيروت هي المذبحة لا أكثر، خروج المقاومة الفلسطينية، يوميات الحرب الأهلية، رؤوف مسعد، "بيروت بيروت" لاحقاً لصنع الله ابراهيم، وتركيب كل ذلك على صوت فيروز في ليالي الشتاء، وصوت مارسيل في تسجيلات ثورية بصدى الصوت وارد الأردن وسوريا، تتقاطع مع تلك الذاكرة كتابات لاحقة لمراسلين أجانب عن الحرب الأهلية تحتوي على تلك الإستعارة الشعرية في حكاية العمة التي تحكي لأبن أخيها الناجي قصة موت أسرته بعد مذبحة إهدن، الحرب الأهلية تناسبت مع وعي مغرم بالحكاية البوليسية في روايات أغاتا كريستي وارسين لوبين، وإن بدت مشاهد القتل المتنقلة والكر والفر من وإلى الأشرفية ونحو خطوط التماس بين البيروتين اقرب لخيالي غالبا من اجواء السير الشعبية. الحديث هنا عن موارنة يحملون الصليب وفلسطينيون يحملون شرف العروبة وخيالات التحالف مع إسرائيل ابعدت كثيراً عن ذهننا، نحن في القارة الأخرى، الدور الذي لعبته القوات السورية التي بدلت تحالفاتها كتبديل الثياب مشعلة الحرب من حي إلى آخر. بدت بيروت الثمانينيات البعيدة وكأنها مدينة خرجت عن عقلها بالكامل، خاصة وان ميلنا الفطري لتصديق القضية الفلسطينية في كل كتاب لم يكن كافيا لفهم تلك التحورات والإنقسامات المتوالية والتحالفات المتقاطعة بين الفرقاء اللبنانيين. وكأن تاريخ الدماء المسفوح أنسى الجميع من اين ابتدأوا والأقسى إلى أين انتهوا. فأصابني الضجر من القضية (فلسطين) والساحة البعيدة (بيروت) أيضا فجأة. تسرب إليّ شك حقيقي ـ في هذا التوقيت ـ في معنى هتاف أدمى مدامعنا حين كانت أعناقنا تشرئب مرددين في الجامعة "طفلة حلوة لكن قتيلة ...جوا صبرا وف شتيلا". لم يكن ذلك الشك فقط وليد ما أصابنا من صدمة مع مؤتمر مدريد للسلام، كان هناك في عمق انفعالنا اليأس من فورة منتهية الصلاحية، وبدت بيروت أوائل التسعينيات في أذهان جيلنا من يسار لحظات الجزر العليا أقرب لمدينة أشباح إبتنيناها بالكامل في متاهة العقل، أنسنا بشكل لا واع إلى خصخصة النضال ـ وهو زمان الخصخصة بإخلاص عبر كل ضفاف العالم ـ في حزب الله. كان تقسيم العمل آنذاك ان تنهض مدينة الأشباح تلك من غفوتها (غفوتنا) بأي ثمن، أصل ذلك الإحساس إنبنى وفقا لما حكاه اصدقاؤنا العائدون لأول مرة من رحلاتهم الصحافية إلى بيروت. كان برنامج الرحلة ـ التي اشتهرت سياحياً ـ ثابتاً مهما كانت شخصية أو انتماء الزائر، بيروت المخيمات الفلسطينية، زيارة الجنوب في حماية مناضلي حزب الله، التقاط الصور قرب الحدود مع فلسطين المحتلة. البعض ضم إلى بازارات التباهي لاحقا بعضا من تراب الجنوب المحتل مسجلاً بداية التحرير بالحفنة. كانت المدينة (البلد) تعيد انتاج صورتها من جديد، صورة منضبطة تبدأ غالباً بزيارة سوريا الأرخص والأقرب بحكم أواصر المحبة الستينية لتبدو بيروت للمغامر المصري رحلة ليومين أو ثلاثة يصحبك خلالها (التور ليدر) فيما تبقى من بازار النضال القديم (الجنوب) وجسد الحداثة الصاعدة (بيروت)، وكان القادمون منها غالباً ما ينقسمون حول شيزوفرينيا المدينة بين مرحب على مضض وهم قلة، أو مختصر لوجهها في طلته النضالية وهم الأغلبية.

بدءاً من السابع عشر من شهر نيسان/ إبريل وحتى الرابع والعشرين منه وفّر لي ملتقى "أشكال ألوان" الفرصة أخيرا لمطابقة مدينة الخيال بمدينة الواقع. قبلها لعبت الصدفة دورا في اكتشاف الصديق حسن داوود خلال دورة من دورات مؤتمر الرواية بالقاهرة، ثم تشرفت بالإنضمام لقافلة المستقبل منذ خمس سنوات، كان حبل الغرام قد اتصل بحكم الكتابة التي كثيراً ما وصفها مقربون لي بأنها اقرب للمدرسة اللبنانية في الصحافة، فكان ملحق نوافذ إسماً على مسمى، فمن خلاله أصبحت الكتابة حرفة بروح الهواية والغواية، ولازلت حتى الآن افخر بكون بيروت هي قبلتي المهنية والفكرية. لذا كان طبيعيا ذلك التوتر الذي صاحب مكالمتي الأولى مع البديعة كريستين طعمة، فكما يقال في المثل المصري "قالك الجمل طلع النخلة... طب آدي الجمل وآدي النخلة".

بيروت على مرمي النظر من كوة الطائرة تصيبني برعشة خفيفة وتقافز لشعيرات جلد اليدين، فمشهد المدينة البحري خلال مناورة الطائرة للهبوط في مطار رفيق الحريري ذكرني بأوروبية متوسطية لم أفهم معناها إلا حين راقبت نفس المشهد أعلى مدينة "نيس".

قبلها وفيما نضبط أحزمة الأمان على متن طائرة "الميديل إيست" فرض تحدي اوروبية بيروت نفسه. فهناك ذلك الترف الذي نخشاه ونخشى على أنفسنا منه في مصر. عندما مرت المضيفة ذات الإبتسامة الخشبية بعربة جرائد خفت أن أمد يدي تخفيفا منذ البداية للنفقات المتوقعة، فوجئت بلا مبالاة جاري وعدم تردده عندما سحب "النهار" وسأل عن "البلد". إذن هي مجانية، يا الله ثمة أشياء لازالت مجانية، طلبت "المستقبل" لأراها مطبوعة لأول مرة. في عودتها طلبت الأخبار والسفير والنهار "بثقة من فهم الفولة"، أريحية تحرك المضيفات دون خجل من أجسادهن لفتت إنتباهي إلى خروجي من المجال الحيوي للنفق الجسدي الذي نسير داخله كمصريين. تزامن ذلك مع ظهور الراكبات اللبنانيات اللاتي أحسسن بإنشراح العودة للوطن هروبا من كثافة التلصص عليهن في مصر. نساء بالمعنى الإصطلاحي للكلمة لا يعنين من أرق أو عبء تحمل جمال أجسادهن فطفقن يبرزن مواضع جمالهن دون حرج.

تلك الصدمة الأولى في الطائرة أرهبتني بشكل مبالغ فيه مخافة أن احسب على تلك الفئة التي وإن عادت من بيروت بقيت تتحدث لسنوات عن جمال نسائها. عتبة التهذيب بالصدمة في الطائرة ذكرتني باليوم الأخير للسفر في الجريدة. كنت قد علقت ورقة في لوحة الإعلان تحمل تكليف الزملاء بتسليم موضوعاتهم إلى من ينوب عني في إدارة الصفحة، لذا كان طبيعيا أن ينهال الزملاء على توديعي وطلب "سوفينيرز" من بيروت. في العادة ، الأصدقاء سيطلبون مني زجاجة عرق أو كتاباً صادراً من بيروت، في هذا اليوم طلب مني نحو 13 شخصاً من اصل 15 قاموا بالتعليق على سفري لبيروت طلبوا "موزة حلوة "، أي بنتا على مواصفات الكليبات الغنائية. هذا الإنشغال ببيروت "الأنثى الطافحة إغراء" اجبرني منذ اللحظة الأولى على الطائرة لعدم إطلاق شهية النظر المتأمل للجمال حتى بدون إكسسواره المصري الفج. ضربت وعداً رهبانياً مفاده التكفير عن هذا الخطأ المصري الكامن في تناول لبنان. ورغم ذلك ، وفيما أسلم قيادة نفسي لأول وجه لبناني طالعني في المطار ـ جو سائق العربة الذي صحبني إلى الفندق في الحمرا ـ لم استطع منع عيني من متابعة ذلك المحفل الطاغي بمحبة الجسد كما أبرزته الإعلانات في الطريق، صيف بيروت المنتظر والذي أصابني بعض "شوبه" أطلق أجساد فتيات الإعلان بالدعاية لمايوهات بكيني زاخرة بأجساد ذات سمرة ساحرة. صاحبني إعلان المايوهات وأحاطني طوال الزيارة بأجساد مشرئبة في فضاء المدينة، واكتمل تأميم الفضاء بكم الواجهات الزجاجية البراقة التي تعكس إحتفاء المواطن العادي ـ ذكراً كان أو أنثي ـ بصورته، صورة تعكسها كل المرايا في مدينة أهم ما يميزها أريحية إدامة النظر في الواجهات دون الإحساس بالغبن، دون الإحساس بأن هناك ثمة عدوانية في المطالعة، أنا القادم من مجالات وفضاءات يتبادل فيها المصريون نظرة عداء منكسرة فيما هم يعبرون داخل انفاق لامرئية تقلص أي إحتمالية لتلامس أجسادهم.

يخرج المصري صباحاً ليرسم في الفراغ ممرا أنبوبيا يمتد من خارج باب بيته وصولا إلى العمل مرورا بالشوارع محاولاً أن يحمي جسده من إعتداء متوقع من مجهول. ربما لهذا تحديدا أصبح رمي كلمة "السلام عليكم" من بعيد، دون إحتضان وتقبيل، فولكلوراً إجتماعياً أكبر من تأويله الديني. في لبنان ليس هناك ذلك الأنبوب الوهمي. الأجساد هنا تحتفي بالفضاء فيما يحتفي الفضاء بها. الفضاء يدعوك بالإعلانات والواجهات الزجاجية ونظافة الهواء والمكان إلى عدم الخوف من جسدك بل إلى التباهي به للدرجة التي تصل أحياناً إلى إستعراض ذكورة/ أنوثة مدوخ، ويبدو التشكيل المعماري الناهض لبيروت معمقاً لذك التلاصق الأريحي المدهش.

المباني هنا، بعيدا عن حداثتها المتباهية أو قدمها المفاخر بحنينيته، محتشدة للدرجة التي قد تضر أحياناً بوظيفة المبنى المعمارية. مبان مصممة بجماليات تحتاج مثلاً لفراغ حولها كي تظهر أبعادها الجمالية. لاتجد ذلك الفراغ، ثم اثناء مرورك إلى جانبها ينفجر ذلك الجمال كقنبلة موقوتة صامتة. هذا الإحتشاد في "اللاند سكيب" تعمقه أيضاً الطبوغرافية البديعة للمدينة القائمة على تباين مستويات الإرتفاع والإنخفاض لأحيائها، هنا في بيروت ثمة مبرر لإستخدام كلمتي "تنزل" و"تطلع". لا وجود إذن للتسطح المصري، للإنسياب في أبعاد طولية وعرضية ذات ابعاد أحادية. في بيروت يطغى البعد الثالث، أي عمق الفضاء البصري.

ماذا تعني الحياة في مدينة مسطحة؟

هناك حكمة قاهرية شهيرة مفادها أنك إذا ما ارتكبت جريمة في ميدان التحرير فإن نهاية مغامرتك ستكون عند الطريق الدائري على مسافة 10 كيلومترات. الدولة حاضرة تبسط قبضتها بمنطق الأبعاد المسطحة، لا مجال للمناورة في دولة يبلغ الفارق في الإرتفاع بين أقصي جنوبها (أسوان) وأقصى شمالها (الأسكندرية) عشرات الأمتار. فإذا ما اضيف لذلك مركزية العيش على ضفاف نهر النيل في هذه المساحة الشاسعة (مليون كيلومتر مربع) أصبح منطقياً أن يضلّ عن المسيرة الضخمة للكتلة البشرية المصرية من أخذ قراراً بالخروج شرقاً أو غرباً. متاهة الصحراء من حول المصريين تربطهم بالأرض والدولة والنظام والعائلة والدين ومجمل مطلقات الحياة، ويلعب التسطح في الأبعاد دوراً في تقنين التفاعل الذهني بينهم على مستوى دوائر الأدمغة المتصلة بشبكة واحدة. لا مجال هنا للطفو في الخيال أو الغوص في الذات، لا مجال للخروج عن مستوى الأفكار الدارجة أو المستهلكة داخل هذه الدائرة المغلقة، كنت اقول ذلك لمحمد أبي سمرا وهو يقود سيارته نزولا وطلوعا في طريقنا من جبل الكنيسة إلى مرتفعات مونتفيردي. الطريق بين الجبال الصامتة لم تخدشه للحظة مرور سيارة منذ ساعتين. إلتفت لأسأل وضاح شرارة: متى جاء الأسفلت إلى هذه الجبال؟ رد ببساطة... نهاية القرن التاسع عشر، الأسفلت في مدينتنا يعني قراراً مركزيا من الدولة بأن هناك ثمة جباية منفعية في التمدد في هذا المكان، بمعني آخر لازال جزء كبير من المسطح المصري مقطعاً ومعزولاً ومكشوفاً ومهملاً، إجابة وضاح أكتملت بأن الرهبان الذين تملكوا تلك الجبال هم من أدخلوا أسفلت الطرق منذ أكثر من قرن ونصف، إذا المجتمع هنا حاضر بما قد يتجاوز أصلاً مبرر الدولة المركزية. حاضر إلى مستوي إنتفاء فائدتها بمفهومها الحديث.

مصر ولبنان على طرفي نقيض التاريخ والجغرافيا، وحضور ذلك التعقد الطبوغرافي نفسه أثر بما لايدع مجالا للشك في التركيبة النفسية. هذه الجبال توحي بالقدرة على الحضور والغياب معاً. الحضور بالدرجة الكافية للتكيف مع المجال العام مع الإحتفاظ بالخصوصية. في بيروت ثمة مكمن ومخبأة عند كل ناصية، فإذا ما احتسبنا المسطح مضاعفا بمعنى إلتفافاته وزاواياه المختبئة وجباله صعودا وهبوطا تضاعفت فعلياً مساحة المسطح من عشرة آلاف كيلو متر لتقارب المليون كيلو المحتسبة دون مبرر في مصر. لكنها هنا قيمة مضافة غير محسوسة جغرافية، قيمة في العمق الذي ينتج 19 طائفة محكومة بالتجاور الحرج، في المقابل هناك في مصر ذلك الإحتفاء الرقمي بالكم والكتلة المسطحة، بسيادة الدين الواحد والدولة الواحدة والكتلة البشرية الممتدة في عراقة التاريخ، كل ذلك يخضع لتحلل بطيء وربما غير معلن.

في ليلة "وليمة" التي دعتني إليها الصديقة رنا حايك، كان هناك وجه آخر لبيروت، وجه أن يكون البار منزلاً أو مجاوراً للمنزل. فبالصدفة البحتة أكتشفت كيف أن فندق إقامتي ملاصق للبار، ثم كيف أن بارات بيروت في معظمها هي جزء من البيوت، أو بتعبير آخر جزء من تركيبة الهندسة الإجتماعية للمدينة. فلا يعني كون المكان ترفيهياً عزله وتجميده خارج روح الإقامة والحياة العادية. في القاهرة تضمحل أماكن السهر وتنزوي في أماكن يمكن الإشارة عليها عن بعد، في الفنادق، في المباني الخدمية كالمولات، هناك ذلك العزل الذي يحقّر الإحتفاء بالبهجة، الذي يجعل من مكان السهر نقطة يشار إليها ببنان الإستهجان، أما في بيروت فخلف باب بيت تقليدي تقبع مفاجأة البار. ممر هادئ أوصلنا مثلا إلى "تايم آوت" حيث جلس يوسف بزي وزوجته في فوتيه منزلي خلفهما ستارة وأمامهما ترابيزة عامرة بإحتفاء الأسرة بمضيفها. لم أتخيل يوما أن تكون هناك تقنية قادرة على عزل صوت الموسيقى والهرج والرقص بهذه الحدة. في داخل البار الذي صحبتني إليه رنا، كانت هناك مفاجأة من نوع آخر، عشرات من شباب اليسار يرقصون ويغنون بإحتفاء بالغ على أنغام محمد عبد الوهاب خلف زياد سحاب، بوغتّ كما لو أني أسمع أذان الظهر على ناطحة سحاب في طوكيو. لأول مرة أري تراثي كمصري خارجا عني إلى هذا الحد. أنا هنا الغريب فيما لغتي وموسيقاي تلهم آخرين. تلك الصدمة ألجمتني، لدرجة أني، وأنا المهووس بالرقص، عاودتني أزمة جسدي مرة أخرى، فضيق المكان لايترك مجالا للحرج المصري من الملامسة العابرة الخالية من النوايا. كانت الفتيات يهرولن بين البار وساحة الرقص متحللات من أعتذاراتي وهن يفاجئنني بالملامسة كأني كرسي أو كتلة جامدة لاخوف منها ولا ما يحزنون، إلتصقت اكثر بملابسي وإرتكنت على الحائط، كأس الجن بدأ في تليين مفاصلي المتخشبة من المفاجأة، دخلت حلبة الرقص متجرئاً مع فورة الكحول، وفي قلب الرقص أعادتني صدمة أخرى إلى الإلتصاق بالحائط، قبلها تململت قليلا من فلسفة غناء ألحان الشيخ إمام الحنجورية وسط هذا المحفل المبتهج بالحياة. ما نوع الشيزوفرينيا الذي يسمح لنا بمجاورة محبة الموسيقي بالجعير؟، هل يحتاج هؤلاء الشباب فعلا لتغطية محبتهم للحياة بإكسسوار نضالي زائف؟، استعدت وعيي فورا، هل يعرف زياد وأصحابه دلالات أغنية "الأرض بتتكلم عربي" التي غطى بها سيد مكاوي موقفه التضامني من زيارة السادات للقدس؟ هل يعرفون أنها دخلت تاريخ اليسار كأغنية مبايعة للسادات؟ ماقيمتها فعلا وهي أشبه بمارش عسكري فاشي مع وصول الراقصين إلى نشوة الكأس الرابع عشر، إنسحبت بيقين أن هنا، كما في مصر، هناك ثمة من يكفرون عن محبتهم للحياة.

..............

المستقبل| الاحد 8 يونيو 2008

Top