-->

"الجونة"... أيام في مديح الرأسمالية قبل أن نكرهها بقية العام

هاني درويش

بسبب خلل وراثي على الأرجح، تفشل كل محاولاتي في الحياة كبرجوازي صغير. وجه أبي المريض على الأقل يذكرني بقانون الوراثة الصعب، إلا أن الصيف تحديداً بمواسم إكتئابه المديدة وبميلي الفطري للانتحار يدفعني دفعاً لتذكر تلك القيمة الصافية، كونك برجوازياً حتى لو كرهت.

للعام الثالث على التوالي أدفع ربع اجري السنوي في رحلة لمدة أسبوع إلى مدينة الجونة الواقعة على البحر الأحمر، رحلة أحتشد لها كأني حاج إلى مدينة خيالية. تمتلئ حياتي طوال العام بمعصية الإجهاد اللاإنساني والإنفعال الإيديولوجي باسم كل المطحونين في هذه الحياة، بوصفي أحمل تلك الندبة المزدوجة على وجهي: الفقر التاريخي والماركسية كعلة لا رجاء في الشفاء منها، فيما تعدني المدينة الفاضلة بمستوى تعامل بشري من فئة الخمس نجوم، وللصدق من فئة السبع نجوم، السفر السريع بالطائرة داخل حدود الوطن، الإقامة في شاليه يدور ثمنه الحقيقي على الأرجح حول الخمسة ملايين جنيه، هدوء ونظافة ورقي لا يتناسب مع نظرية "الديفوه المصري الأصيل"، العائلة فقط في أضيق الحدود... وكثير من وعود التسوق كما تقدمها الأفلام الإجتماعية الأميركية لأبناء طبقتها الوسطى.

تقع مدينة الجونة شمال مدينة الغردقة بنحو ثلاثين كيلو متراً. مدينة صمّمها وهندسها بالكامل رجل الأعمال المصري نجيب ساويروس منذ نحو عشر سنوات، وهي قائمة على فكرة عدم إحتياجها لأي صلة بالعالم خارجها: جهاز أمن خاص، محطات كهرباء ومياه عذبة خاصة، مطار وكنيسة ومسجد ومكتبة ومولات ومحلات، وسط بلد، اقاليم بأسماء أقاليم مصر، شبكة مواصلات داخلية وخارجية والكثير من المياه في كل مكان: فالمدينة مصممة بحيث يدخل البحر على هيئة خلجان وبحيرات وممرات مائية وملاحية داخلها، كأن تواجهك المياه، فيما يحتويك من الخلف مشهد جبال البحر الأحمر المهيبة. ببساطة حاول مالكها الملياردير المصري الوحيد المندمج بشبكة الرأسمالية العالمية أن يصنع مدينة فاضلة كوزموبوليتانية السلع والخدمات. مدينة يسري بها قانون "خدمة الجيست أولاً". لا تعرف ذلك النموذج من المدن الساحلية ذات الظهير الخدمي الفقير، منبتة الصلة عن قانون الخدمات السياحية التقليدي في أي مكان في مصر، لذا ليس غريبا هنا أن يكون شبح العمالة الأول هو لفظ "الترحيل" وكأنك في دولة أخرى قادرة على إنهاء خدماتك إذا ما تجاوزت قانونها الخاص.

بالطبع تؤرقني في الأيام الاولى تلك النقلة الجبارة في نمط معيشتي. أنا قاهري لم يتحمل فكرة أن يكون صاحب سيارة خاصة فيتركها تتعفن تحت الشمس ليرتاد الميكروباصات والاتوبيسات. أخاف غالباً من التعرّض لرهاب الفقد. أدقق في حساباتي المالية كتاجر على وشك الإفلاس. أحتسب مواقيتي بدقة ولا أمل من التعامل مع فكرة أن النقص في ما حولي معناه نقصي الخاص. لكن ها هنا، أنت مدعو إلى الإسترخاء دون هوس النقص الكامن. الأشياء مكتملة لا محالة. ودون مجهود في تفاصيل الحياة أنت مدعو إلى إرخاء انفعالك، إلى فك تقاسيم وجهك المشدودة. تتمدد في رفاه كريم الحماية من الشمس مستجمعاً كامل طاقتك في البحث عن اللاتفكير. تقف على الشاطئ وقد اكتشفت جسدك ومدى إهمالك المتعمد له. أنت أمام مرآة ضخمة لأوروبيين لا يخجلون من هذا الجسد، بلا تباه أو مبالغة يتعاملون مع أجسادهم الجميلة على أنها شيء خارجي، وكأنها لاتعني شيئاً. هي تؤشر فقط إلى خمسة قرون من تطور الرعاية الصحية في الغرب، إنتهاء الأمراض المتوطنة، إلى نمط غذاء غير ملوث. بمعنى آخر إلى إنسانية ربما تدفع عمرك كله بحثا عن ربع تحققها في مصر. لذا كان غريبا في أحد ايام إسترخائي على شاطئ الزيتونة أن اشاهد عجوزين أوروبيين وإبنهما يكسران ذلك التفاخر بجسديهما الشائخين وولدهما الأقرب إلى شخصية "باباي" الكرتونية. كأنهم نكوص على المشهد، السيدة بدت في أواخر الستينيات وقد امتلأ جسدها بترهلات فظيعة وبمؤخرة ضخمة بشكل إستثنائي وقصر قامة غريب ووجه موميائي. الزوج سبعيني نحيف وطويل وفعلت الشمس فعلها في صدره، فبدا كمريض بحساسية الجلد. الإبن يرتدي نظارة غليظة العدسات ونحيف للغاية وتنتشر بثور على جسده علامة ربما على مرض الجدري. كان الأبوان يدركان إستثنائيتهما في مشهد الصحة الوافرة ذاك. كان الأب يملس على جسد أبنه ويحتضنه كطفل، يمسك بيده عند الدخول في الماء فيتعكز أحدهما على الآخر. بمزيد من المراقبة أحسست ـ وكان لابد لي ألا اراقبهما من الأساس ـ بوحدة عضوية معهما، بتأس شفيف وخوف من مصيري الكارثي المشابه.

على الشاطئ كان هناك "عزت"، فتى المناشف ومراتب الشيزلونج. صعيدي من مدينة قنا، يرطن باللغة الصعيدية حتى الآن، في عمر الرابعة والعشرين دون أن يرى القاهرة مرة واحدة في حياته. قال لي وقد شعر أخيراً ببعض "الونس": عديت مرة على مصر بالقطر... كنت مسافر الإسكندرية، أنا واعي أنها بلد كبيرة بس ما فيش فيها شغل... قالولي المباني فيها مايلة على بعضها والناس ممكن تتوه". كان عزت ينصرف لخدمة الزبائن ـ في الغالب أجانب ـ وفي طريق عودته لابد أن "يرمي" جملة، كأن يعلق مثلا على طلبات زبون، أو ليسألنا ماذا نفعل في مصر. حماي الصعيدي غالبا مايبحث في مثل هذه الرحلات عن أمثال "عزت"، يشعر الكاتب السبعيني ابن جيل الستينات بالغربة الشديدة في مدينة لا تعرف أحجار "الشيشة المعسل"، فإذا ما شاهد مصريا راهن على الفور على صعيديته ليسأل :من وين؟، في الغالب هذا يضايق زوجتي ونسيبي وحماتي، نحن هنا زبائن مجاهيل ولا نحتاج لـ"كشف عائلة" من أجل حجر معسل. يرى نسيبي أن عزت تحول إلى شخص مزعج بتكرار جمله الذيلية في كل مرور على شمسيتنا. يبتسم له إبتسامات معناها عدم إهتمامي بما تقول. عزت يستعرض مع حماي التشعبات العرقية للجالية السوهاجية والقيناوية في مصر، يتحدثان نفس اللغة رغم فارق السن الضخم وفارق المستوى الاجتماعي. يتحسران على الصعيد والأخلاق القديمة كأنهما لم يبرحا القرية. لا يذهب عزت إلى قريته إلا كل شهر، يقول: ما قدرتش أجول لأمي أنا بشتغل أيه... مش حتفهم... قلتلها بشتغل أمن على البحر... حضرتك صحفي... طب ليه مش مرخص سلاح... عندنا من بلدنا صحفيين في جورنال الإسبوع ومرخصين سلاح... بيقولوا الحكومة بتدي للصحفيين سلاح عشان شغلهم... ولا أقولك السلاح غدار حيخليك تطخ يمين وشمال من غير حساب". لم يحاول عزت أن يحلل أو يفكر في عائلة مصرية ترتدي نساؤها المايوهات البيكيني وتشرب البيرة فقط على البلاج، وأعتقد أنه لم يحسبنا أقباطاً كالمتوقع في مثل تلك الأحوال. مثّلنا له لغزا، اب صعيدي يسعي كل عشر دقائق لرص أحجار الشيشة ونسوة يدهنّ كريم الترطيب دون خجل. الأجانب على الأقل يعاملهم ـ كعادة كل المصريين هناك ـ على أنهم بلاء لابد منه، يسبهم بالعربية ويتهكم عليهم بصوت منخفض، لكن ماذا عنا؟

موقف العمالة المصرية في الجونة كلهم اشبه بموقف عزت. فالقانون الصارم للمدينة يقلل التعامل إلى أضيق الحدود مع "الجيست". لا تواجهك عيون متلصصة في أي مكان، الجميع يمشون كالمغيبين، حاضرين جسدياً وعيونهم هاربة، تقيم ارواحهم في مكان آخر، وكيف لا وهم جميعا مؤمّن عليهم من شركات "ساويروس" المتعددة التي تدير المكان بقبضة حديدية. كيف لا وهم ذوو دخول مرتفعة لا يمكن مقارنتها بخارج المدينة، النظرة المتلصصة هنا معناها شكوى "الجيست" ومن ثم الترحيل بصمت.

أيمن سائق الشاتل باص الذي تكرر ركوبنا معه جاء من مدينة المحلة بالدلتا. يقيم هو وزوجته وثلاثة ابناء في مساكن العمال الفخمة في مدخل المدينة ناحية الجبل. يقول أيمن: 95% من العمالة هنا مؤمن عليها صحيا وإجتماعيا، مرتبي 1300 جنيه، تملك الوحدات (الشاليهات والفلل) له سياسة، ساويرس يبيع لك الوحدة فقط دون أرضها، لا نصيب لك في الأرض، وإذا ما أردت بيع وحدتك، ممنوع بيعها للغرباء، سيشتريها منك بالسعر الذي تتمناه... أعمل هنا منذ ثماني سنوات... الواحد طالما ما بيغلطش ماحدش له حاجة عنده".

المدينة خارج نموذجيْ عزت وأيمن تكتظ بالعمالة الأوروبية. إستأجرنا الشاليه من نمسوي، كان غريبا أن يستقبلنا ليعرفنا أين مواضع السخانات وأجهزة التكييف، أين صابون التواليت، أن يتأكد أوروبي من جودة الخدمة المقدمةلك، وأن يعتذر في أول يوم بعد أن تسربت المياه قليلا من إحدي الصنابير بخصم أجرة الشاليه لذلك اليوم لأنه "أزعجنا". في مطعم وبار ستوديو 52 الملاصق للشاليه كانت مارغريت الروسية تغني وحدها أمام البار أغاني روك الثمانينيات. في أول يوم كنا مستمعيها الوحيدين، ظلت تغني بلا انقطاع وهى تنظر في فضاء المارينا غير عابئة بالجمهور الذي يمر متمشياً ويقف قليلاً للاستماع ثم الانصراف. لا تشعر بوجودنا إلا مع تصفيق اسرتنا الصغيرة. لكن بعد ساعتين امتلأت الترابيزات، أغاني جورج مايكل وساندرا جذبت جمهورها، بعد يومين قابلناها في الشاتل باص، ركبت ودفعت للسائق 2 يورو ثمناً للتذكرة. حاول السائق إفهامها بلغته الإنجليزية الضعيفة أن المبلغ كبير جدا. لم تفهمه وأعتقدت انه يطلب المزيد. تدخل نسيبي فتعارفنا. قدمتْ لنا كارتها الخاص وابدت إستعدادها للغناء في أي حفلة. كارت بسيط حمل إسمها ورقم التليفون ومهنتها: "مغنية".

في الجونة، يمر عمال ـ بخفة الفراشات ـ يجمون الورود المتساقطة أمام حديقتنا، وآخرون بصبر لانهائي ينظفون سطح البحيرة من الشوائب. أراقبهم وانتظر نظرة التلصص القاتلة علينا. لا أرى النظرة، لكنني أشعر بها مخبوءة في مكان ما فيفسد الهواء من حولي. في أحد الممرات أشعر أنها تتربص بي، او كأنني اكمن لنفسي المضطربة، نفسي المستكثرة سمت البرجوازي الذي أكرهه.

............

المستقبل| الاحد 24 أغسطس 2008

    

Top