-->

الى آدم درويش عن مصر المريضة: على أمل ألاّ ترى آلام الجدّ الشريف وعذابات أبنائه

هاني درويش

عزيزي آدم

أحكي لك مشهداً من مشاهد مصر التي لا أتمنى أن تعيشها يوماً، وأعلم أن هذه الرسالة لن تصلك نهائياً في موعدها، وإن وصلت، اتمنى أن تصبح تفاصيلها تاريخاً منسياً، وثيقة في متحف الأركولوجيا الصحافية لا اكثر. ورغم ان عنوانها هو "عذابات الجد الشريف وآلام أبنائه"، فأنا، دون أن أدري ربما، أحمّلك ما لا طاقة لك على احتماله، إذ ربما أتخفف ولو قليلاً من عذابات الضمير التي لا ترحمني.

أنت لا تعلم ان جدك مثلاً مريض بتليف الكبد نتيجة إصابته بإلتهاب الكبد الوبائي الفئة (c)، أرجو في زمن قراءتك هذه الرسالة أن يكون هذا المرض قد خفت حدة توطّنه في مصر. فوفقاً للإحصاءات الرسمية المخففة والملطفة جدا تبلغ نسبة وبائيته في مصر نحو 12 مليون نسمة، ويعود زمن إصابة الجد بالفيروس الى عملية نقل دم ملوث حدثت له عندما أصيب عام 1972، حين اصطدمت سيارة الشركة التي يعمل بها في ليلة حالكة الظلمة بحائط الصواريخ المبني حديثا على الجبهة في الإسماعيلية. وظل الفيروس كامناً حتى أكلنا جميعاً من زراعات السيد يوسف والي المسرطنة في الثمانينيات، وشربنا من الماء المخلوط بمياه المجاري في التسعينيات. لا تتعجب فالإصابة شملت عمك تامر ذا الثلاثين عاما، ولا تخف فقد أثبتت التحاليل قريبا خلو ابيك من الإصابة.... حتى الآن.

صديقي العائش في نعيم جنة الدمية "ويني بوه".

ليلة امس الأول دخل جدك غيبوبته الكبدية الثانية. نقلناه كالعادة الى مستشفى التأمين الصحي بشارع الجمهورية. كان يوما حارا وحارقا. فوجئت عماتك ليلا بجدك يهذي في الصالة. لم يستطع الإستدلال على الحمام ففعلها في الصالة قبل ان يصطدم بالجدار. في الصباح نقلوه الى المستشفى في شارع الجمهورية، كان مكانها قديما حديقة جميلة نستظل بها بعد خروجنا من سينما "حديقة النصر" المواجهة لها. لم يجدوا له مكاناً هناك. الأسرّة مشغولة وهي ثالث مستشفى يمرون عليها هذا الصباح. تمدّد الجدّ على كرسي متحرك وقد تدلّت يداه في استسلام لمدة ساعتين. كانت عماتك وعمك يجرون بين الأدوار السبعة للمستشفى بحثاً عن سرير، فيما جدتك تبكي الى جواره،..... أرجوك لا تشحن طاقة خيالك فالقادم أسوأ لا محالة... ولا أعني بذلك إصابة الجد بما يسوء.... فقد نجا منها هذه المرة، لكن لا ضمانة لعدم تكرارها وعبورها مرة أخرى.

وصل أبوك بعد ان إستقر الجد في الغرفة رقم 604 بالدور السادس. درجة ثالثة باطني كما بيّنت اللوحة المعلّقة على الجدار.... أستعدّ لاستدعاء قاموس الصفات السلبية كله في اللغة العربية لوصف حال هذا المسلخ البشري المسمى تجاوزاً "مستشفى صيدناوي للتأمين الصحي". الغرفة تتكون من ستة أسرة. لن اكلمك عن مستوى الإتساخ والقذارة المحيطة بنا. فرشت الجدة شرشفاً ليقي رقبة جدك من إتساخ الوسادة، جلست على كرسي أمام العنبر الذي بليت بطانته فاستخدموا قاعدة تواليت افرنجي بدلا منها، يبدو أنهم يستخدمونه ليلا كمقعد حمام لضعاف الحركة، المريض المجاور لجدّك قبطي كما يظهر من صليب اليد، يتأوه معظم الوقت وهو سبب جلوس جدتك بالخارج. فقد البسوه "بامبرز" لمقاومة تبوله اللاإرادي، مما يكشف اعضاءه اليابسة. تتدلى يده المعلقة بها "كانونة" المحلول الى سلة مهملات يهش عليها الذباب. تتدلى من السلة قفزات التعقيم التي يستخدمها الممرضون وبقايا طعام وكثير من الشاش الباقي من "غيار" الجرح صباحاً. يمد المريض يده متأوهاً في الفراغ، متخيلاً أنه يطلب المساعدة. يفتح عينيه ويضغط على يدي ثم تنزل يده الى الفراغ عائدا الى عتمة ألمه. على يمينه يتمدد رجل آخر هيكلاً عظمياً كاملاً، ينتفخ بطنه كالبالون وقد مزقت ملابسه عن موضع إنتفاخها. تبدو حالة إستسقاء ناتجة ايضا عن تليف الكبد. ساقه العارية تحمل ندوب من خرج لتوه من حريق الشورى. يناديني ـ آه نسيت ان أخبرك ان الممرضين في الخارج منهمكون في إقتسام وجبات المرضى بينهم. مفاوضات شاقة على قطعة من صدر دجاجة، أو ثمرة جوافة عطنة. اتقدم منه، يطلب مني بصوت مبحوح أن اغلق كانيونة المحلول فقد فرغت وإرتجع الدم في خرطومها المعلق على حديدة الى جوار السرير. المراوح في الأعلى تطنّ. يفيق جدك قليلاً ليقول بصمت: الفقرا بيموتوا يا هاني. يدخل مراهق يحمل صينية مملؤة بالشاي وبواكي البسكويت وهو يغني بصوت أجش: حب إيه اللي إنت جاي تقول عليه. يرتدي قميصاً باهتاً كتب عليه بتطريز رديء "شركة الأصدقاء للخدمات الفندقية". لايجد المريض القبطي حلاً سوى البصق على الأرض. بلغمه يتمدد في المسافة الفاصلة بين سريره وسرير الجد. يقوم مريض أقصى يسار العنبر وهو يحمل قسطرة البول ويمشي حافياً الى الحمام خارج الغرفة. إعلم أنه لا حياء في العلم ....ولا في السلخانة أيضا.... أخرج الى الممر لأدخن سيجارة بعد ان أصر جدك ألا اقف كثيرا في الغرفة. اعرف انه يخاف إنتقال العدوى إلينا. في الممر الذي اتسخت ارضيته بالطين وجدرانه بالدماء علقوا على الحائط مستنسخات من لوحات محمود سعيد. يبدو انهم نسوها من زمن إفتتاح السيد الرئيس للمستشفى أوائل التسعينات. أمام الحمّام وضعوا كرتونة ليمسح المرضى أقدامهم بها. أتأملها فألمح المفارقة، إنها كرتونة فارغة لشركة هايدلينا. انت لا تعرفها، إنها الشركة التي يملكها هاني سرور والتي تسببت أكياس دمها الملوثة في إصابة الآلآف بالكبد الوبائي. على مايبدو أن براءة رجل الحزب الوطني أعادت عطاءات شركته للصورة على أبواب الحمامات وفي أذرع المرضى. نتخذ قراراً بنقل جدّك بأي شكل من عنبر الدرجة الثالثة لكن من دون جدوى. يضعوا إسمه في لائحة الإنتظار، إسمه الآن في المركز الثالث، أعرف أن حالته النفسية تتدهور حين يرى بؤس الحالات من حوله. أعود للغرفة محاولاً إبقائه واعياً بأي شكل. نسيت ان اقول لك إنهم اعطوه حقنة مسكنة فقط. تباطؤ فظيع في نقل ملفّه من الطابق السفلي الى الدور الثالث. لم يره طبيب حتى الآن. ميعاد مرورهم في الثانية ظهراً، وحتى إن مروا. هم اطباء إمتياز يقضون عقوبة تكليفهم بأقل تورط في المسؤولية الطبية. أغلبهم لا يملكون واسطة كي يقضونها في مستشفيات افضل. بعضهم يرتدون شباشب جلدية وبالطو أبيض ممزق. البلادة والقلب الميت من كثرة التشوهات من حولهم، والموت، أكسبتهم وجهاً زجاجياً. لذا لا تستطيع التفريق بينهم وبين عمال النظافة المنتشرين بلا عمل حقيقي في جنبات المستشفى. تسلل عمك وعلم ان في عنابر الدرجة الثانية سريراً خالياً في إحدى الغرف، محجوزاً لعمالة المستشفى المتمارضة، فغالباً مايبلغ أحد العاملين عن مرضه فيحجز بها. تنكر مشرفة الممرضات في العنبر وجود السرير. يكاد عمك ذو الذقن الممتدة شبراً أن يشخر لها. لا تظن بي سوءاً...... علاج جدك الذي يتناوله هنا هو نفسه الذي سيتناوله في أي مستشفى إستثماري. في نوبته الكبدية الأولى كانت خبرتنا أقل. نقلناه الى مستشفى القصر العيني الفرنساوي، بعد أن وضعت ألفين من الجنيهات في الخزنة اتصلت بصديق طبيب. قال لي بالحرف الواحد : "ياهاني أنقل والدك للمستشفى اللي هوا تابعها في التأمين الصحي ..الألفين جنيه دول حيخلصوا في يومين ....دول عداد مفتوح من غير حساب والخدمة ما تفرقش عن أي مستشفى ...على الأقل في التأمين الصحي حياخد حقه". نقلته يومها وبتوصية من طبيبيه الإستشاري في عيادة التأمين الصحي. دخل المستشفى وأجروا له اللازم. لا تصدق ان المستشفى الذي احكي عنه الآن مجاني لاسمح الله. طالبونا في قسم الحسابات بدفع الف جنيه فارق الدرجة في المرة الأولى. إشترينا فقط غرفة منفصلة لجدك بتكييف خرب وحمام أكثر إتساخاً وإن كان منفصلاً. على الأقل هو هنا بعيدا عن مشرحة القتلى في عنبر الدرجة الثالثة.

عزيزي الذي لا يملّ كلمة "أيه دا يا بابا"

نسيت أن اقول لك إن جدك الطيب تدهورت حالته بعد ان استمر لفترة طويلة يوزع علاجه على المرضى الأكثر تدهوراً. كان يذهب لصرف العلاج فيجد حالات أسوأ من حالته فيعطي لمرضاها الدواء. هذا العظيم..... يتمدد الآن فيما احاول أن اقنعه ألا يتأسى على حاله، أقول له، لقد عشت شريفاً ونقياً وجميلاً، فكن قوياً، فيما امسح الدموع عن عينيّ.

عزيزي آدم

لقد قتلونا ألف مرة

عدني إن تكرر هذا المشهد معي، ان تضع لي سمّاً سريعاً في الطعام، فلن أتحمل أن أحكي القصة مرة أخرى..... عدني أرجوك.

...........

المستقبل| الاحد 31 أغسطس 2008

Top