-->

في مديح العام الثالث والثلاثين.. جلستُ وحكيت

هاني درويش

أتممت منذ يومين عامي الثالث والثلاثين. بمعنى آخر، ووفقاً لتنظيرة الصديق المرجعي أخلاقياً فقد نجوت من مصير المسيح. صرت شخصاً عادياً كما لم يتمنَ يوماً محمود عبد الفتاح. 

شخصيا لم أرَ في نفسي محرراً لبني إسرائيل، أو محرراً لأي من الكائنات الحية الأخرى، مجال تحرري الوحيد كان وسيظل إلى الأبد تلك الكتلة الدائرية البيضاوية التي لا تصلح لحلاقة على درجة الزيرو، رأسي، وبعضاً من عضلة القلب، وكثيراً من الحماس المجاني لأشياء أحببتها بسرعة وإستهلكت من حياتي الكثير ثم عدت لكراهيتها بين ليلة وضحاها. هكذا أقف للحظات أمام تورتة عيد ميلادي السريعة التجهيز وأنا أحمل هذا العام إبني "آدم" المحتفي به أكثر والذي، وفيما نحن نقول "هابي بيرزداي تو يو"، كان أكثر المنبهرين فقبلته الأسرة جميعها قبل ان تقبلني، وحين إنثنيت لأطفئ الشمعة الوحيدة كاد وجهي مع متاعب الظهر في الشهور الأخيرة أن يلتصق بسطح التورته وفاكهتها، أقول أن هذه النهاية الكوميدية لحفل عيد ميلادي المختزل كانت ستبدو أكثر منطقية للعام الثالث والثلاثين، لماذا ؟، لأنه، ووفقاً لستي قطاطة ـ الجدة العجوز لمحمد سعد في فيلم عوكل ـ في دعائها الشهير، لم أكسب ولم أخسر شيئاً عبر هذه الأعوام الطويلة، الطويلة الطويلة بملل كاف لحيوات أخرى، أستقبل الأيام الأولى من عامي الرابع بعد الثلاثين ـ هكذا أفضل تقسيمهم لقبل وبعد ـ مثلاً وأنا بكامل تصعلكي في أحلام الإستقرار الصحافي بعدما لم تستوعب المؤسسة التي أنشأها الأخوان أمين وجودي بها. كنت منذ عام بالتمام والكمال قد ودعت شعاب السيدة "روزاليوسف" وإنتقلت إلى تلافيف المبنى الإسطواني بشارع الصحافة. عام آخر مر في خرائط تبحث فيها عن معنى مشوش للإستقرار، معنى تخيلت للحظة انه هام طالما أنجزت مهاماً ضخمة من نوع الزواج والأبوة. أن يكون لك "كارنيه" نقابة الصحافيين المصريين الهام والضروري وفقا للقواعد التقليدية لممارسة المهنة، لكن والمهنة نفسها ربما لاتضمن لأحد ولا لنفسها أن تستمر لعام آخر.

و"الكارنيه" المأمول نفسه سيبدو أقرب لإشتراك مترو الأنفاق في عمومية ومجانية قيمته. بل إنه لايضمن حتى لأقدم الأعضاء أو النقيب ذاته ألا يضرب في إشارة المرور من مخبر أمن دولة. طبعاً هذا التحميل على عمومية الفشل العام للمهنة للتقليل من شأن "الكارنيه" ربما يراه البعض تهوينا من شأن الخسارة الشخصية. وأنا أتفق ضمنياً مع هذا، بل وأعترف به، لأن الإصرار مثلاً على خصخصة مصيرك الشخصي عن مجال التحولات الحادثة حولك ليس من قبيل الجهة المتعمد، بل إدعاء فارغ بأن هناك ثمة حياة نستطيع الإختباء بها عما يحدث حولنا، عن أن هناك نجاحاً ما يمكن الإفتخار به بينما العالم في سبيله للتحلل من حولك، دون أيضاً أن نتخيل "مسيحية ما" فيما يحدث لنا، أو نبشر دون أن نعي بسيناريو خراب معمم. الأمر يحتاج إلى التخفف الطوعي من الإحساس بثمة حكمة ما في ما يحدث "لك" و"حولك"، في التواضع الواجب معاملة الحياة به إذا ما حاولت أن تخضعها لسيناريو إفتراضي، للخروج من دائرة الرعب التي تتعامل مع التبشير دائما أو الإحباط في جميع الأحوال. هناك من يلهثون يوما تلو الآخر للدخول في قلب هذه المنظومة من الرعب الدائم، مرة بإسم التحقق المهني، مرة بإسم الأمان المالي، مرة من اجل اطفالنا، ومرات بإسم الوطن أو أي قيمة عليا أخرى، هناك دائماً ما نحن متنافسون من أجله أو حوله، نصنع آلهة من "العجوة" ـ على طريقة أهل مكة قبل النبوة ـ ثم سرعان ما نأكلها لنبحث عن آلهة من مادة أخرى.

جلس معي صديق قبل أيام من هذا الإتمام المفاجئ لزمن النبوة المفترضة. كان يحدثني عن إستراتيجية الفرص الزائلة والتي تتناقص عكسيا مع تقدمنا / تقدمي في السن. هو صحافي بورسعيدي مكافح قدم إلى القاهرة لينجو من مصير عضلاته المكتسبة بعد ان ضجر من مهنة مدرب الغطس الجيد بمحمية شرم الشيخ. كانت له لحظة تأمل خاص بعد أن أنهى خدمته العسكرية الطويلة وارتكن إلى بطولاته في السباحة الطويلة التي وفرت له فرصة عمل ذهبية يتوقع له أن ينجز من خلالها بضع مئات الألوف في زمن قياسي وتقاعد مريح في سن الأربعين ( النهاية الطبيعية لمهنة الغطس ). لكنه في لحظة شؤم إختار التحول إلى مهنة نجوميتها لاتزول، جاء إلى القاهرة وأنجز مهمة الإستقرار في المهنة "الكارنيه" والإنتساب إلي مؤسسة صحافية كبرى)، لكنه ظل يمر بلحظات إكتئاب مروعة بعد ان إكتشف فراغ الحياة حوله من أهداف. جلس يحدثني في أقرب السيناريوهات الناجحة لإستمرار مسيرة الإنجازات التقليدية، البحث عن "سبوبة" عمل أهلي مقابل دخل شهري 1000 دولار من أجل تحقيق مجموعة أهداف: سيارة على أحدث موديل، مدرسة أجنبية لطفليه، شقة جديدة في مكان راقٍ. ويحتسب صديقي بكثير من استراتيجيات الفرص والتنافس حياة لاتتوقف عن الإنجاز بالمعنى البرجوازي الجميل، يقاوم بكفاحية مشرفة عوامل خارجة عن إرادته ويضعها دائما في سياق المؤامرة التي لاتنتهي ضد أمثاله.

كان ينصحني بضرورة "الإنحناء أمام العاصفة" بكثير من الحكمة المستلهمة من الأفلام العربية الكلاسيكية. لم يكن يعلم ـ بالرغم من صداقتنا التي دخلت عامها الثاني ـ كرهي لمفاهيم مثل "الإنحناء" و"العاصفة" وبأني درست لأعوام مادة الأعاصير بصبر دون أن اصل ليقين كامل حول اسبابها الحقيقية. لهجة التحذير الدائم في كلامه كانت تضعني أمام حقيقة أنه لامناص من إعتبار الحياة معركة لاتنتهي. إتهمني بالميل إلى الإنتحار ـ وله بعض من الحق في ذلك ـ لكن ما لايعلمه، وكنت كثيراً ما شرحته له، ان هناك ثمة قيمة صافية في الوصول بملل المعارك الخائبة إلى حد السكين، حيث علي الحواف نتأمل صورتنا المشوشة وصور الأخرين من حولنا بعدسة خالية ونقية للحظة نادرة. كنت أحاول إقناعه أنني لست كالمتنبي الذي إنساق إلى حتفه بشطر من الشعر الذي قيل في مناسبة ليقتل به في مناسبة أخرى، وبأنني لست هاوياً لمقارعة يد الرب إحترافاً للهزيمة. كان يؤكد لي لاموضوعيتي وكنت أنفي له من الأساس أن هناك ثمة موضوعية ما حولنا، وبأنني حين أنظر لعام كامل عند باب مؤسسة "الأخبار" الشامخة، إنما أحتسبها في مصاف تجربة زائلة، أدفع بأقسى ما يكون لإستهلاكها، لإستنزافها حتى حدود الدم، كي استريح قليلا وقد جلست علي شاطئ آخر للحياة أتأملها من ضفاف أخرى، لم يصدق يوماً تهديدي له بأن كل حكاياتنا وجلساتنا التي لا تنتهي هي في مجاز الكتابة مجرد سطور يقرأها قارئ مجهول الآن، وأن سعيي الخاص لإمتصاص رحيق تلك اللحظات هو أجمل ما أبتغيه في علاقتنا. لم يصدق وساعتها كنت أحمل بعضاً من المبالغة التي كنت أتمنى ألا تنصف توقعاتي، أنني أتممت اول أمس عامي الثالث والثلاثين، لا كمسيح حمل العالم على كتفيه ورحل، ولا كريشة مستسلمة تحملها الأعاصير كيفما تشاء، أتممته دون حساب، بلا مكاسب كبيرة او صغيرة، بلا مبرر من الأساس لإعتباره نقطة مرجعية، هل في دائرية يوم الميلاد أي قيمة؟ لا أعتقد أنها مجرد إتكاءة للعبور إلى شاطئ آخر.

...........

المستقبل| الاحد 30 سبتمبر 2007

Top