-->

عن الربيع الذي كثيراً ما فارق مواقيته.. أين البمبي في حياتنا يا سعاد؟

هاني درويش

كنت تحبه، لا داعي لأن تمحو كل هذه السنوات بضربة قلم واحدة، عفواً ببعض العرق المنهمر كسياط لاهبة لم تراع ملابسك الثقيلة، لكن ما جدوي الاعتراف المتأخر بمحبة الربيع الذي ما عاد ربيعاً، هل كنت يوما مسؤولاً عن اختيار اللحظة المناسبة لكي تقول بدأ ربيع ما، لا، كانت أمك بلهجة من تنتظر إلهاماً إلهياً ترفض أن تنهي موسم الشتاء قبل الزيارة الأُسبوعية لجدك حيث بمعاينتها وجهاً لوجه لون ملابسه الميرية تتأكد أن الضباط خلعوا الأسود ولبسوا أبيض الصيف جدك المتفاخر بزمن حراسته الملكية لبوابات قصر عابدين والذي دفن طموحه في ترقي ملكي تحت غبار بدروم الأرشيف بإدارة مرور القاهرة المركزي بالدراسة، كان الجد النازح من وادي حلفا السودانية قد اكتسب جلده الأسمر المدبوغ قابلية كسولة للتكيف مع التغيرات المناخية، لذا كنت وأنا طفل أخاله يتعمد أن يكون آخر من يبدل ألوان ملابسه كل إنقلابين، وكانت بوصلة أمي المناخية بذلك تتأخر عمداً حتى لو رأت بأم عينها تبدل ملابس رجال الشرطة في إشارات المرور التي كنا نمر عليها، والنتيجة أننا الأطفال المدكوكون بملابس الشتاء الإلزامية ونحو طاقمين داخليين نرزخ تحت العرق فيما زملاء الحي قد بانت اذرعهم البضة أخيراً بعد حبسة الشتاء الطويلة. 

كانت الفصول إذن لا تضم الاعتدالين الشهيرين، الربيع والخريف، وكان مظهرنا متسربلين إما بملابس مضاعفة أو أقل من اللازم ـ ربيعاً ثم خريفاً ـ يداري فقراً طبيعياً لتنويعات الثياب المناسبة للاعتدالين، البلوفرات الخفيفة المناسبة كي تحاوط الأكتاف على طريقة أحمد رمزي في فيلم "أيامنا الحلوة" ربيعاً، والقمصان الثقيلة الجاكتية الإحساس حين يتغول إحساس الخريف بالشتاء نهايات شهر أكتوبر، أمي من جهتها كانت لديها الحجة المنطقية الوحيدة لفلسفة هذا العوز بكثير من الرحمة، حين كانت تفسر هذا الترحيل الزمني في إرتداء الملابس المناسبة بخشيتها علينا من الإصابة بنزلات البرد، الأخيرة كانت بعبع الطفولة مع وراثة متجذرة لقلة المقاومة الطبيعية من جهة أبي، لذا إختارت امي عبر تاريخ طفولتنا ميعاد الإحتفال بشم النسيم ـ عيد مصري فرعوني شعبي ـ كبداية للتسويف والمط في موعد خلعنا لملابس الشتاء، ملابس الشتاء الحقيرة التي كانت بفضل ندرتها وجبرية دورتها الطويلة للبقاء على أجسادنا مظهراً خفياً للفقر رغم ما تدعيه أمي من أن "الشتاء سترة"، حيث يزداد الإهتمام بالمعيار الكمي ـ درجة الدفء التي توفرها الملابس ـ على المعيار الكيفي ـ درجة مناسبتها للذوق والموضة ـ فيما كانت تعدد مزايا تلك الملابس الشتوية التي تقلل من جهة أخري حجم الغسلات المتوقعة لقطع الملابس، فالجاكيت مثلاً لا يغسل من الشتاء إلى الشتاء والبلوفرات تتحمل عرق شهر علي الأقل وهو ما يعني عدم إضطرارها للغسيل إلا مرة كل اسبوعين للملابس القطنية ومرة شهرياً للبلوفرات، مع ما يعنيه الغسيل من يوم عمل إضافي لطفولتنا التي تعاملت فيها امي حتي لما قبل العشرينات على أننا ـ انا وأخي الأصغر ـ فتيات البيت المساعدات، كانت أمي لا تعترف بالاعتدالين فأورثتنا طابعاً إنقلابياً منضبط البوصلة علي التطرفات، رغم أن الربيع ايام قرارات أمي السادية كان ربيعا بحق، كان ربيعاً جديراً بأغنية سعاد حسني الشهيرة، حتى مع الأخذ في الاعتبار موجات الخماسين الغادرة التي كانت تحيل نهاراتنا إلى اصفر الكتكوت المفترس، كأن أتربة الصحراء التي تجبر شبابيكنا على الانغلاق رغم الحر الشديد فاصل قصير أياً كان عنفها، حتي اليوم الذي أظلمت فيه السماء في عز الظهر وراحت أمي تُحَسبن وتُحَوقل مخافة أن يكون يوم القيامة قد أزف دون استعداد، كان ذلك منذ نحو عشر سنوات عندما ابتليت مصر بنوبة من الكوارث المناخية المتتالية، نوبتان من السيول المدمرة التي اقتنصت الفقراء في مقتل في صعيد مصر وسدت طرقات القاهرة، على خلفية غضب الطبيعة بعد الفصل الأول المتمثل في زلزال 1992، ثم اليوم الأسود الذي أظلمت فيه السماء في تمام الثانية ظهراً مستدعياً في القريحة الشعبية أنواعاً من الصلوات والأدعية الجديدة لدى أبناء الديانتين، عمقت غدرات الطبيعة على ما يبدو من فلسفة أمي المتشككة في الطقس فدخلت طوعاً عصر الأكمام الأبدية خاصة مع امراض التقدم في السن، في حين ومع إرتخاء القبضة الأمومية والأبوية حققت أحلامي أخيراً في إحتفاء متأخر بالخروج من الشتاء، كنت قد إستقللت مادياً في سن مبكرة وخرجت طوعاً من زمن الكساء الشعبي الإجباري، حيث عرفت طريق وكالة البلح ـ سوق الملابس المستعملة المستوردة ـ والذي أدخلتني فجأة في مفارقة زمنية مناخية أخرى، فملابس البالة الأوروبية تراهن على تطرفات مناخية وفاشونية تنتج من مريدها شخصية خارجة لتوها من السيرك القومي، ملابس مبهرجة الألوان لا تتماشى مع الخطة اللونية للفراغ البصري المصري، وكأنك فجأة قد خرجت من فيلم فرنسي ملون لتدخل في مشاهد فيلم بالأبيض والأسود، خلفيات تتدرج لونياً بين الرمادي والأصفر المغبر والبيج المنمحي والأبيض المقرّح، باليتة لونية يعلم التلوث وحده عبقرية معادلات المزج بينها، إستطاعت الطفرة الخارجة عن مسار الخطة اللونية على الأقل ان توفر ذلك الميكس بين قطع الملابس، القميص المبطن الثقيل مع الجيليه الصوفي بلا أكمام مناسب لافتتاحية خريفية تمزج بين صباحات حارة ومساءات ذات لسعة باردة، وبينما يصلح التعديل إما بخلع الجيليه مستقراً على الكتف وتشمير الأكمام للصباحات الحاملة رطوبة صيف طويل، فيما الفول أوبشن للمزيج يسمح ليلا بدفء نسبي، غير ما سيَّدته ثقافة الوكالة فجأة من ثورة الفاسكوز الإيطالي، وهي الثورة التي وصلت مداها الذوقي بداية التسعينات. كان الفاسكوز قد انتشر كلمعة إضافية مبهرة مع شيوع موديل من جواكت البدل الفردية ذات الثلاثة أذرار، حيث أنتشر ذلك الموديل من الجواكت المبهرجة الألوان والتي تبطن ببطانة من قماش الفاسكوز، وإقتضت موضة هذا الموديل أن تشمر الأكمام على الأقل في ثنية واحدة تكشف البطانة المزركشة والتي تفنن فنانو وممثلي تلك الفترة في إختيارها من تطرفات الألوان ذات اللمعة ـ إطلالة سريعة على أفلام تلك المرحلة وبدايات الفيديو كليب نهاية الثمانينات كفيلة باكتشاف ذلك العار الموضاوي ـ لينفتح من بعدها عصر الفاسكوز كقميص وحد بين الطبقات والشرائح الاجتماعية، وكعلامة إضافية على إنهيار عصر العلاقة التاريخية بين المصريين ونباتهم الأثير الطبيعي (القطن).

كان الفاسكوز الحقيقي منه والذي يشبه الحرير والتقليد المكون من أردأ انواع البولييستر بداية لدخول الجسد المصري صوبة الاستدفاء الطبيعي، حيث كان يشكل بالإنعزال الحراري الذي يمثله تكيف مشوها مع هيستيريا المناخ المصري، واقصد تحديدا المناخ لا الطقس، حيث دخلت الفصول المناخية حالة من الارتباك الذي عمّق من تضاربات المصري مع جسده، بت شخصياً لا استطيع التنبؤ ـ مثلي مثل ملايين ومن قبلنا هيئة الأرصاد الجوية المصرية ـ لا فقط بإحتمالات الطقس من يوم لآخر بل بإحتمالاته من ساعة لأخرى خلال اليوم نفسه، ويزداد هذا الإرتباك تحديدا في الاعتدالان الشهيران، حيث يبدو المصريون في شوارع القاهرة وكأنهم مسافرون وصلوا فجأة إلى صالة إحدى المطارت ولم يحتسبوا لنقلة المناخ المتوقعة، بلوفرات على قمصان علي تي شيرتات فاتحة قصيرة الأكمام وكثير من الجواكت الثقيلة، فتيات يرتدين قمصانا قصيرة الأكمام يجاورن ملتحفات بالنقاب الأسود في عز الظهر، رجال يبدو استعدادهم لغدر المساء البارد مبالغا فيه أمام فتوة شباب كشفت سواعدهم عن درجات لونية خارجة لتوها من أغطية الشتاء، وحدهم القادرون علي تكييف مساراتهم اليومية بين مكيف السيارة ومكيف العمل ومكيف المنزل من يستطيعون الاستمتاع بربيع إفتراضي دائم، فالجميع يعلم ان لا الشتاء أصبح شتاء ولا الصيف اصبح صيفاً، تمر سنة احياناً لا تعرف فيها القاهرة زخة مطر واحدة فيما تعيش نيران ستة أشهر من الصيف المتأجج، وهم يكررون حكمة دامغة لا ينفكون يمضغونها دون تفكير فيها، الشتاء هذا العام لا يوصف في برودته، أو أن حر هذا الصيف لم يحدث من قبل، وكأنهم من عام إلى آخر أو من فصل إلى آخر يتحسرون على ما مضى، وكأنهم بمعنى آخر ينفخون في مناخاتهم بعضاً من الصبر الذي يبدو لا نهائياً، يستعر بنيران صبر جديد لا أكثر، يجد مداه اللانهائي في معية من ينتظرون الأسوأ دائماً، حتى لو كسرت مرارة الصبر نسمة طرية عابرة، حتى لو أسفر هذا الربيع عن لون بمبي مؤقت تمنته سعاد وماتت دون أن تراه ولو مرة واحدة، حتي لو اعلنتها وحدك، أنك ما عدت تري ربيعاً طويلاً أو قصيراً في القاهرة..

..........

المستقبل| الاحد 15 أبريل 2007

Top