-->

ثلاثتهم كانوا هناك : على الرصيف.. أمام الكاميرا.. بين الحشود

هاني درويش

ثلاثتهم كانوا هناك، بتلك التنويعات في المصائر التي تخص ذلك النمط البشري القابل للاندثار، تحت تلك اليافطات الإيديولوجية التي لم يبلُ لونها بعد. لذا وأنت تتحسس وجوههم اليوم، والتي صارت أقرب إلى الاعتياد، تتملكك شفقة لا سبيل إلى إخفائها. 

هؤلاء الذين بقوا، بدرجات متفاوتة، يعلنون كقبيلة الهنود الحمر الأخيرة، أملهم في نصر مؤجل، يبدو أقرب إلى الاستحالة. ثلاثتهم كانوا رفاقنا في أمس النضال المتفرغ حتى النصر، واليوم يبدون في ابتساماتهم الوادعة، وهم يحملون يافطات صفراء زاهية، لا تتناسب مع بهتان العمائر في وسط العاصمة، باتوا أقرب لجماعة من المحاربين القدامى، جاءوا للتظاهر على حق ركوب الباص مجاناً. ثلاثتهم، على الاختلاف البشري، جمعهم ذلك الوعي الناصري النازح، النازع نحو الاستشهاد الطفولي. ظلوا دائما يرتدون الكلاسيك ويقصون شعورهم على الجانب ببانك أمامي. كانوا ثلاثتهم هناك، محمود، وحسن وسمير. كانوا هناك باختلاف المسافة والموقع، والتواريخ التي كانت تجمعهم، صارت هي نفسها ما يفرقهم. لكنهم الليلة اجتمعوا في مشهد فريد، لتظاهرة حركة كفاية، المعترضة على تنصيب الرئيس مبارك لفترة ولاية سادسة. عشر سنوات من مشاهد البداية التي جمعتهم، وعبرها كان هناك الكثير من الأشياء الكفيلة باختلال المصائر، كل حسب استعداده الفطري للتحول، أو نتوءات الطريق ومنحنياته التي لا ترحم. لكنهم هل فاجأونا حقاً في ذلك المشهد الأخير والجامع؟

كنا نحن مجموعة الطلاب الماركسيين في جامعة عين شمس. وبعد أيام عديدة من العمل الدؤوب على معرض يخصّ قضيتنا الأثيرة فلسطين، وتحت الحاح احتياجنا إلى تكتل لجمع الصفوف، حتى تقوم مظاهرة ما، كان الناصريون يبدون، على تنويعاتهم، أقرب إلينا من أي فصيل آخر، فسبة انهيار الاتحاد السوفياتي طالتهم في التحليل الساذج كما طالتنا. كنا نستقبل محمود لأنه الأقرب إلينا، حتى إن رفاقه لفترات طويلة، اعتبروه ماركسياً مندساً بينهم. وكانت لي حكمة شهيرة عنه، ملخصها، أن ابن خالته، معلم الأرياف الماركسي، حين هز رأس ابن المعادي، هزها لناحية واحدة، وبدلاً من تحوله إلى ماركسي، بقي رأسه ينام على أحد كتفيه، ليبدو ناصرياً من جهة. لكنه إذا ما استدار قليلاً تخاله ماركسياً، من فرط إخلاصه للناس، ومحبته للفقراء.

وزاد من رسم هذا البورتريه، طلته الكارزمية، حين كانت تحيط به الفتيات، رغم يقينه التقليدي، يتنقل كالفراشة بين أسرتهم، دون غضاضة وجودية، وبحكمة "صايع الحواري". كان غيوراً عليهن جميعاً بنسب متفاوتة، تطلق عينه شراراً في ليالي السكر المختلسة معنا ـ بعيداً عن رفاقه المحرمين للكحول ـ إذا ما ذكرت إحدى الفتيات بسوء ذكوري تحت تواطؤ الكأس الخامسة. كان محمود، لفتيات الحركة الماركسية، ذلك الفحل الذكوري، ذلك الأخ الطويل الذي طالما وقف خلفهن خلال التظاهر، خشية التحرش الجنسي لبعض المندسين بذوات الأكتاف العارية. ذلك الرافض لبروتوكول التقبيل الصباحي، خوفاً من أن تراه "الجماهير"، فتفضح لاأخلاقية "الحركة". ظل وفياً حتى النهاية لفيلمه الأخير "فارس المدينة"، لمحمد خان، وكان حين تأخذه الجلالة، تستطيع أن تلتقط تلبسه الكامل لأداءات محمود حميده في "عفاريت الأسفلت"، بالرغم من أنه لم يرتد يوماً بنطال "جينز"، أو "تي شيرت". وحاول احتواء تكوينه العظمي الفارغ، داخل ملابس "كاجوال" ثم أدمن البزات الرسمية مع بداية طريق المهنة. تحولاته الأثيرة تدور في فلك الانتحار، والخيانة، والموت. حين انتحر رفيقه الأقرب إلى قلبه في مشهد سينمائي من فوق كوبري 6 أكتوبر الشهير، أمامه، حرم الكأس، وأحل البانجو، تحت وطأة الوازع الديني. لم تكن مصادفة أن تراه تلك الأيام في الليل يتربص بالجائلين في وسط العاصمة، واقفاً عند النواصي "ليتحي"، أي ليعطي لهم تحية الهواء الأزرق، قبل أن يسير وحيداً. أعلن في تلك المرحلة بكل جرأة أنه لا يرى أحداً إلا وثالثهما سيجارة، ومن يريده عليه شراء الحشيش أو البانجو. وقبل هزيمته الثانية بالانتحار، كانت هزيمته الأولى بخيانة رفاقه له داخل إحدى المنظمات الناصرية الثورية. ساعتها فقد إيمانه بالحركة، لكنه تشبث بالحياة حول الحركة ذاتها. بقي لرفاقه ذلك البطل المغدور، والهتّيف الذي سطرت له الذاكرة أناشيد ارتجلها على الهواء فوق الأكتاف. كان حين يبح صوته بـ"وحد صفك.. كفي بكفك"، تتهافت الفتيات المتعرقات بالحجاب، على تمايل وسطه وهو يضع يده فوق كليته اليسرى، بينما يده الثانية حول فمه وكأنه يمنع الصوت من التفرق سدى. في زنزانة حبسته الأولى جاور قادته، فأصابته هالة من لقي نبياً وحيداً تعرف منه كل الرسالة. وفيما بين الخيانة والانتحار كان يروج لفلسفة المصير المشؤوم بعد التخرج.

وبعد نضال سنوات بين صفحات الكتب الحقوقية، أمن مستقبله الوظيفي بعمل في إحدى منظمات حقوق المرأة. ياللمفارقة.... بقت حالة الثورية قابلة للاستدعاء في المناسبات الكبرى. بكى حين علم باعتقالي ومجموعة الرفاق دونه، وكأنه خائن لشرف المناسبة، وظل ساهراً حول لاظوغلي طوال أيامنا الستة حتى خرجنا، وبالفعل كانت تنقصنا صحبته. حين علم أن من قام بتسليمنا طلاب يتعاملون مع الأمن، استل مطواة، ودخل الحمام خلف أحد الطلاب من عملاء الأمن، وانهال عليه ضرباً. محمود ابن الأب العامل الذي يعشق السادات، والوحيد بين أربع فتيات مناضلات في أشغالهن البسيطة، ربما أحب الناصرية، كرهاً لأبيه الزملكاوي الساداتي حتى النخاع. ولم تستو علاقته بأبيه إلا مع صدمته الثالثة بوفاة مليكة قلبه، أمه. داوم من وقتها على صلاة متقطعة وتديّن حتى اللحية. لكن مع ابنته الصغيرة أدرك، كما يقول، أنها تنقطع من هنا لتتواصل من هناك. يقف كعادته بين جماهيره التي صار لا يعرفها، يمارس بأصابعه الطويلة مهامه الإشرافية الإشارية، ويطيعه الآخرون كالمنومين مغناطيسياً. وعندما سقط الهتاف الجماعي عند ناصية شارع عبد الخالق ثروت، التقت بحة صوته الصافية، وهو يعيد الحماس إلى اشتعاله بعد أن ترك حقيبته الجلدية، وفك أحد أزرار قميصه العلوية. ها هو محمود عند انفراط الجمع يضغط على ظهري حين الاحتضان قائلاً "ما تختفيش وخليك على التليفون".

ثانيهم كان هناك على الرصيف كعادته، حسن ديفيد، دون اندهاش من التسمية فشعره الأشقر وعيونه الزرقاء وطوله الفارع مع أصول منوفية ـ يهود مصر كما في التسمية الشعبية ـ وازدهار شخصية ديفيد شار سمحون بمسلسل رأفت الهجان في أوائل التسعينات، جعلت للإسم له دلالاته المتناقضة. يلوح بيده وهو يتحدث في سماعة هاتفه النقال، بينما يده في جيب بنطال بدلته التي بلون الماستردة. كعادته، كما أقول مسبقاً، كان حين يطل صباحاً في ممر كلية الحقوق الشهير، يفتتح يومه بالمشهد المهين ذاته، رافعاً قدمه أمام ماسح الأحذية الجوال داخل الجامعة، ويخرج المال من جيبه باستعراضية من يبحث عن الكاميرات، بينما هو يعدل من وضعية حزام بنطاله المنفوخ على شاكلة ملابس الصيادين. يرفع يده لينظر للساعة كضعاف البصر مبرزاً طوقه الذهبي الفالصو، ويعدل من ياقة قميصه المزركش الفسكوز، والتي تشبه جناح العصفورة. يبدأ يومه بكل الفجر الجدير بفلاح أصيل أمام سيده عمدة القرية. كنا مضطرين للتعامل مع طموحه في تبوؤ زعامة الناصريين في الجامعة، بمنطق التحالف التاريخي. عندما تمرد على مسؤوله التنظيمي "محمود"، مجمعاً حوله مناصريه، وجدنا أنفسنا لأول مرة في صدام مع التنظيمات الناصرية، وصل إلى الاشتباك بالأيدي، وانتهى بالمقاطعة واستقطاب عنيف للجمهور. بقى "محمود" كعادته مدافعاً عن تلميذه وابن منطقته حتى كانت "بيعة المعوقين"، حين قام حسن بكسر اعتصام طلابي، وتسليم الطلاب الاشتراكيين إلى عناصر الأمن بالاسم، بعد أن تفاوض سراً مع ضباط أمن الدولة. وبعد اعتقالي بلحظات، وداخل عربة الترحيل الضخمة، كان لاسلكي ضابط الاعتقال مفتوحاً، واستمعنا جميعاً إلى تعليمات ضابط الحرس الجامعي له بإشاعة كذبة حول هروبنا من الاعتصام.

بعد خروجنا من المعتقل تحلق حوله أنصاره حاملين الشوم، مستعدين لأي إجراء انتقامي من جانبنا، وانتهى على يده آخر التحالفات التاريخية بين الناصريين والماركسيين بجامعة عين شمس. وقد أجزل له الأمن العطاء حين تدخلوا لدى كنترول الامتحانات لرفع مادة رسوب من ملفه حتى يتخرج من الجامعة. اختفى قليلاً وعاد ببدلة كاملة كأحد المعاونين الهامين لنقيب المحامين الحالي في حملته الانتخابية، وقد تحلقت حوله نفس المجموعة، وأصبح من المشاهد الثابتة في حديقة النقابة وبقى الوحيد الذي يزاول السياسة حتى هذه اللحظة، عندما شاهدته سألت محمود "هو لسه بيبلّغ؟".

ثالثهم كان دائماً ضيف الأوقات الصعبة. حين يشتعل التظاهر داخل الجامعة، كان سمير يقفز من فوق الأسوار باحثاً عن أمجاده السالفة في سنوات ما قبل دخولنا الجامعة، أهوج وتقليدي، متدين يتعامل كمن ورث "ساطع الحصري"، ومثل خروجه من الجامعة بداية مختلفة لحياة غير متوقعة. عمل في الصحافة المكتوبة بكل الإصدارات المحسوبة على التيار الناصري، مع اختفاء حصري لأعوام لم يخدش رتابتها غير ظهوره الخفيف من حين إلى آخر. كان ذلك حتى كان توحد مصيره الشخصي بقناة الجزيرة، فوجئنا جميعاً به كمراسل للجزيرة بالقاهرة، فنحن لم نعرفه تلفزيونياً. لكن معادلة القناة السياسية، ربما تكاد تكون مفصلة على مقاسه الخاص، وهو صديقنا الذي طالما استدعاه الجميع مع أي تظاهرة مفاجئة. حتى حين اعتقلت قوات الأمن المصرية طاقم قناته، مثّل ذلك نكوصاً نضالياً للمراسل الذي طالما دخل مبنى لاظوغلي معتقلاً، فدخله لشرب القهوة الباردة وتبادل الكروت الشخصية. في كل التظاهرات تراه مستنداً على الفاصل تماماً بين المتظاهرين وقوات الأمن، فوق الحاجز الحديدي يوجه المصور، بينما يهتف مع الهاتفين بحسرة من لا يستطيع التقدم إلى الأمام، أو ربما بمصير من اختار الوقوف في المنتصف. لذا تأتي تقاريره القاهرية مفصلة دون افتعال، تبعاً لأريحية القناة مع ما يحدث من القاهرة.

أمس مررنا جميعاً من حوله بينما الأضواء تبهر وجهه فلم يشعر بأيدينا المربتة على كتفه، بينما هو يطالع مشهداً افتراضياً في العدسة. نعلم تماماً أن اتصاله اللاحق ربما يكون للسؤال عن أسماء المعتقلين، لكننا حين نلقاه، نتحسر على أيام الهتاف، حين كنا محمولين على الأكتاف دون كرافات أو بدلة قشيبة.

الثلاثة كانوا هناك، لم يتبادلوا السلام، وافترقوا ربما دون أن يروا بعضهم البعض، لكن الخط الواصل بين الرصيف والكاميرا والحشود وألف بالونة صفراء والصراخ بكلمة "باطل، كفاية"، أعاد التاريخ إلى الوراء.. دون رجعة.

.............

المستقبل| الاحد 2 أكتوبر 2005

Top