-->

من أعلى دكّة النهر الجارف لشارع القصر العيني.. ساعة من التأمل في غياهب المدينة

هاني درويش

كنت قد تركت مكتب الجريدة للمرة الثانية. في المرة الأولى، بقي صدى جرس الباب يرن في خواء السلالم الفارغة. وفي المرة الثانية، إنفتح الباب ليطل عامل الأمن الذي صرح بأنه «كل سنة وأنت طيب، رمضان بقى، الموظفين بييجوا على عشرة ونص». 

الساعة في يدي تشير الى العاشرة إلا ربعاً، والمسافة الى المقهى الوحيد المتاح في هذا النهار الرمضاني «مشمسة»، كما أن رحيلي قبل دقائق عن المقهى خلف في إحساس المطارد لأول مرة، فالجدران السرادقية التي غلفت فضاء المقهى من ناحية شارع القصر العيني تؤكد إنضباط أصحابها لتعليمات الأمن، وبدلا من فرجة مقهى فيينا التي تمكنك من متابعة هدير العربات المسيرة في اتجاه واحد، يظهر المقهى من الخارج وكأنه «غرزة» لتعاطي المخدرات. كما أن الجمهور لم يكن ليعجبني، فهو تشكيلة من سائقي المصالح الحكومية، المتناثرة في هذه البقعة الإدارية من وسط العاصمة، ومن بعض الموظفين الإداريين الذين يمررون ملل العمل بتعطيل مصالح الناس في مأموريات وهمية. فهذا ينفرد بكيس للبطاطس ماركة شيبسي، ويفرغ محتوياته بالتساوي على نصفي رغيف، فيبرم نصف الرغيف ويقتسم قضماته مع إرتشاف الشاي بالحليب. وآخر يتجشأ من تبديله بين قضم أرغف «الفينو»، المحشو بالجبنة الفلامنك ورشفات من زجاجة السفن أب، وآخرون يدخنون بهدوء شيشة هامدة النيران ويزعقون في النادل هذا، ويحيط بي شلة أربعينيين وخمسينيين حوارهم مسلط على إستجواب أصغرهم، وأقربهم للنمط الفلاحي، عن سر علاقته الجنسية المثلية مع اللواء مدير أمن المصلحة. يحاول صغيرهم، المتباهي بأريحية مزاجه في إختيار كبار الموظفين، أن يدلل على أن الأمر «مجرد رياضة» لايختلف فيها موقع المفعول به إذا كان ذكراً أم أنثى. وعندما يتهكم عليه الآخرون، طالبين المزيد من التفاصيل عن علاقته باللواء، ناسجين شبكة من التهكم والتشكيك في كلامه، كي يندفع أكثر في سرد وقائع محددة، يكون هو قد فطن الى اللعبة ومزق نسيجها بإختيار أكثرهم ذكوري الملمح، فيقول له: «شايف التلاجة دي، بص قدام العالم أراهنك لو ما كيفتكش».

يتحدثون بصوت عال من دون خجل، بل لايهتمون بإقتناص الدهشة المترتبة على أحاديثهم الفاضحة من على وجه جارهم، الذي يمسح الوجه تنصتاً كأنه في متحف تذكاري. جارهم هذا الذي لابد له من الاعتراف أن عدم عودته الى المقهى، للتنصت على هذه الحواديت البهية لاينتمي الى ضجره من التلصص أو ملله من الحواديت أو خوفه من «كبسة» بوليس العاصمة، التي تقبض على المجاهرين بالإفطار، بل لأن العشرين جنيهاً التي إختلسها من مصروف البيت المتقزّم، صباحاً، قد ضُربت في صميم توازنها، بسبع جنيهات إشترى بها علبة «الروثمان»، وبخمس جنيهات هي حاسب المقهى في جولته الأولى، يضاف إليها تصاعد شكه في إمكانية وصول موظفي الجريدة، خصوصاً في هذا الإيقاع الرمضاني وما فيه من تعطيل متعمد لمصالح الناس، أو لاحتمال غياب المديرة الإدارية، ومن ثم تعطل استلامه شيكات مكافأة النشر... لمجمل هذه الإسباب تصبح البقية المتبقية من العشرين جنيها كافية لعودة خائبة وإن كانت مضمونة الى بيته عبر المواصلات العامة. اي أن جولة أخرى في المقهى مع حجري شيشة وكوب شاي، قد تكلفه في أسوأ الاحتمالات ضياعاً وفقداناً للهيبة، ولا حلّ حينها غير حيلة آلاف الشحاذين في القاهرة: «معلش أصل الفلوس وقعت مني ومحتاج جنيه أروّح!».

تخيل نفسه في هذه الوضعية خلال خمس وأربعين دقيقة هي الزمن الباقي على سطوع شمس حقيقة الشيكات، وهي دفعته للجلوس على «دكة» محطة الأتوبيس القريبة، فغالباً لا يتأمل المرء الجالسين على المحطة، بوصفهم مقيمين إقامة مؤقتة لا تسمح بإقامة علاقات بصرية في الفضاء. في البداية جلستُ مولياً ظهري للشارع. وبعد دقائق أدركت الفضيحة، فأن تولي ظهرك للأتوبيسات يعني هذا أنك جالس لتمضية الوقت لا أكثر. وأن يكون ظهرك مطلاً على وجوه الراكبين «المسّاحين» بنظراتهم الخاوية معناه أنك مثير للدهشة، كما أن الدقائق الأولى في مجالستي لثلاثة رجال متقدمين في السن وسيدتين إحداهما عجوز والأخرى شابة أفهمتني أنهم مثلي، لاينتظرون شيئا. إنهم يلتقطون أنفاسهم من سريان النهر الجارف للشارع المزدحم. مجاوري عن اليمين ستيني يرتدي نظارة «رايبن» من طراز السبعينات حين كانت خاصة بطياري الضربة الجوية أو سائقي حافلات السياحة، سألني حين جلس بعد وقوف ملول عن كيفية الوصول للدقي. إقترحت عليه أن يقطع المسافة حتى محطة الزاوية في ميدان التحرير القريب، عاجلني: «أصل أنا ماشي كتير ومش قادر، هوا 314 (رقم الأتوبيس) عدّى آخر مرة إمتى؟» أجبته: منذ ربع ساعة. زمّ شفتيه بصبر، ممسكاً بيده شنطة خفيفة مكتوب عليها دعاية لشركة لوفتهانزا الألمانية. يضمها الى صدره فيما يخلع قدميه من صندل جلدي شبكي. شيبة شعره الثقيل الأبيض توحي بعز وجاه قديمين. إنسحب فجأة، كنت ما زلت أتأمله حين لاحظت موجة أخرى من خلو المحطة من الواقفين، مع إستمرار جلوس العجوز الذي يجاوره وابنته التي تشبه عانسا قبطية. ظهر جليا أننا نحن الخمسة (لم آت على ذكر العجوز الأخرى التي تجاورني) لا نهتم فعلياً بإدامة النظر في أرقام الأتوبيسات العابرة، ولا في الإشارة الى ميكروباص المعادي - التحرير ذات الأصول العريقة لراكبيه، فهم الوحيدون الذين يصطفون لركوبه في نظام نادر الحصول في الفضاء العام.

الأتوبيسات العابرة في شارع القصر العيني غالباً ما تتجه الى ميدان عبد المنعم رياض، مفرغة من تبقوا من فيه المخلصين لتأمل مشهد النيل من ركاب جنوب القاهرة، حلوان والتبين والمعادي ومصر القديمة. تآكل إهتمام أهلها بالباصات مع ظهور المترو، وبالإضافة الى الأتوبيسات توجد ميني باصات الشركات الخاصة الجديدة للخطوط البعيدة، من جنوب القاهرة الى شرقها (مصر الجديدة- مدينة نصر) قاطعاً قوساً جغرافياً كان من الممكن إختصاره بخط مستقيم، يمر بالحوافي الخارجية للمدينة، لكن تعريفتها الكبيرة (جنيهان) وإنتظام عرباتها يجعل من هواة عدم التنقل بين الوسائل توصيلتهم طويلة وواحدة وبتعريفة «بهدلة» موحدة، فيضبطون ساعاتهم على ساعتين في ذلك الإنتقال من أقصى الى أقصى أطراف العاصمة. ينامون مستريحين الى دفء التذكرة الموحدة. الأتوبيسات على العكس من ذلك، فنتيجة لبطء حركة السير وتفضيل راكبيها لها على المشي في الشمس، لمسافات ليست بالطويلة وإنما المجهدة، على رصيف ضيق، ووسط بشر مندفعين، ما يجعلهم يفضلون البقاء في زحام ظليل الوقت ذاته الذي يستغرقه المشي في زحام مكشوف.

جيران دكة المحطة كانوا من طائفتين، بعضهم ركب وسيلة تنقل وقفز منها مللاً أو تبديلاً الى وسيلة أخرى، باحثاً عن إستراحة بين معركتين، أو جالساً هكذا مثلي بين تردد إستكمال مشوار أو خوفاً من الضياع، أو تهويما في الفراغ. هؤلاء كانوا ينعكسون فجأة على جسد الأتوبيسات الحمراء الجديدة (آخر خصخصات هيئة النقل العم ذات التعريفة الموحدة)، إنعكاس يقلب وضعية المشاهد الى خشبة مسرح لثوان قبل أن يعاود الأتوبيس إنطلاقه، أحياناً يصاحب هذا الإنعكاس إندماج بين صور الهامدين على المقاعد وصور نجوم إعلانات مسلسلات رمضان التي أُلصقت على تاكسيات الأبيض والأسود الجديدة، هكذا يجمعني الكادر بجاري العزيز الممثل الشاب أحمد رزق ثالث ثلاث في «العار« (إسم المسلسل)، أو تنعكس صورة العانس القبطية المكتنزة، الأقرب شبها بقرد منمق، على صورة الفاتنة ليلى علوي. تتهامس العانس مع أبيها في كل لحظة، وهي تنظر الى ساعة معصمها. وعندما ضجرت سألتني عن الساعة التي في معصمي، ربما لتصحيح فارق الإنتظار. يهمّ عجوز الـ»رابين» بالقيام ليركب الأوتوبيس متجهاً الى مدينة نصر وهو يحمد الله هذه المرة. لا أحاول تصحيح مساره، المرأة العجوز الأخيرة، وقد أسندت رأسها الى جدار المحطة الحديدي تسأل كل من يمر أمامها عن رقم الأتوبيس المتوقف للتو، تبدو هذه العجوز منتظرة ماهو أكبر من أتوبيس، فيما تمر من أمامنا تنويعات تعكس مسارات شارع القصر العيني الإنسانية، تلك المتلحفة برداء فلكلوري سوداني نحو سفارة بلادها القريبة. وهذه شابة أوروبية تركض مشياً بسماعات أذن ونظارة شمسية وشنطة ظهر. أنثى أربعينية مرفهة تبدل وضعية شنطة مع موبايل ترتسم على جانبيه إيتسامتها العاشقة. أحد موظفي المترو بملابسه الزرقاء البالية، التي لا تتناسب مع كرافته اللامعة، وجورنال قطع متوسط إعلاني يبدل صفحاته. نوبي يتلصص على قراءة رجل المترو متنقلا مع تنقل الصفحات من يمين الموظف المتأنق الى يساره، وكأنه يبدل وقفته صدفة. يكنس عامل البلدية الرصيف أسفل الدكة، لاتلمس مقشته البالية التي تسرب من فتحاتها الكثير، أعلى الرصيف، وهو الأولى بالنظافة. يكنس فتتجمع مناديل ورقية مع فوارغ البسكويت وبعض علب السجائر وقصاصات ورقة قطعت بعناية. أجزاء هذه الأخيرة تتملص وتراوغ فراغات مقشته، هو غير عابئ بإسباغ عمله أي عناية، فتظل قطع الورقة موزعة بالتساوي على أمتار منظورة. ضرباته المنتظمة الآلية تعيد توزيع علامات وقوف الواقفين إتقاءً لشر ترابه المتناثر، يجتمعون أمامه أولا ثم يحتلون خلفية عمله لاحقا، فتاة محجبة وفق ماركة كارينا (أنواع من الملابس الكاسية المطاطة تسمح للمحجبة بإرتداء أي شيء مفارق لذوق المحجبات طالما وفرت لصاقاً ملوناً) تبدو مترددة من إحتساب الجمهور لها كجزء من مشهد المحطة، تقف على بعد أمتار من جسد الواقفين بمسافة تمايز ملحوظة، وتقترب من ابواب الميكروباصات ملوّحة وسائلةً، فلاعنةً متأففةً في الوقت نفسه، ثم البائع الجوال لأوراق تغليف مفضفضة، وقد قبض بيده على تشكيلة من أوراق النقد بين الإبهام والسبابة وقد طبع زنده تعرقاً على مصفوفة أوراق التغليف، يختار البائع الأتوبيسات ذات تعريفة الربع جنيه أو نصف جنيه على الأكثر. يمر الآن سبعيني نزيه أقرب الى مذيعي كرة القدم المعتزلين بحذاء أبيض بنفس لون بنطاله وتي شيرت أزرق واسع وكاسكيت أحمر مع نظارة «بيرسول» قديمة، يرفع قدمه بتثاقل محاولا الوصول الى حافة الرصيف المرتفعة، التي لاتراعي صغيرا ولا كبيرا. يلتقط أنفاسه في منتصف الحركة ويمد يده الى فراغ المتبرعين بالمساعدة، يهب مراهق يزجي وقته في مصحف مفتوح، للمساعدة وإقتناص الثواب الطائر.

المبنيان المواجهان للمحطة أثران بالغان لترهل علامات الوظيفة التاريخية للمباني، أحدهما من طابق واحد ممتد، يخص دار الشعب الستينية المنشأ والتسمية، ويضم معرض كتبها الدائم كتباً مهجورة كهجرة تسميتها، وتتمدد على أسطح البناية تنويعات من كتابة عنوان الدار تنتمي بحق الى مراحل تاريخية متتالية توحدها القذارة والنكران. الأسطح الزجاجية للمبنى المهجور، الذي كانت تباع خلفه سلعة إستثنائية، هي الخرائط الملونة ذات المقاسات الكبيرة لكل شبر في العالم بأسعار خاصة للطلبة، الخرائط المطبوعة على ورق ضعيف جدا والتي كنا ندعمها باللاصق البلاستيكي، تتمدد الآن مكانها ملصقات إعلانية إستغلت فراغ البناية لتعلن عن «مركز الديب لتأهيل طلبة الثانوية العامة لدخول الكليات العسكرية» أو إعلان «مكتب الزهور للترجمة المعتمدة»، وبعض إعلانات مكاتب التزويج. يجاور المبني الشائخ عمارة خديوية قديمة. حقارة طلاء السلطات المحلية لم تمنع جماليات النحت الغائر في الزوايا من البروز، معينات مزدوجة مع أعمدة نابليونية مضفرة تحيط بالبالكونات الصغيرة، «مقصّبة» الطلاء في مقتل فرونتيرة على شكل زهرة من الجص أعلى الباب الرئيس من الحديد المشكل. يتهدل على الفرونتيرة إعلان باهت لشركة أوراق مالية حديثة، فيما المحلات الأرضية يحتلها المنشاوي صاحب الكبدة المقلية في زيت طعام الأسود، ومملكة الفطائر التي ترتسم على هيئة لوحة تعود لزمن إستشراق الفن الأوروبي للدولة العثمانية، نسوة بدينات بجوار سلطان شائخ لا ينقصهم إلا فطيرة كبيرة، جرى التعويض عنها بأرداف شبه فطيرية للجواري الحسان. يخرج من باب العمارة الآن رجل عجوز وقد تعلقت في يده أم شابة بملابس البيت، صدمة الملابس البيتية التي تخرج هكذا من عمارة شبه إدارية أو تجارية أكسبت المشهد بعضا من السحر الوجودي، تتعلق الأم الشابة بيد أبيها او عشيقها العجوز كمن تتعلم للمرة الأولى عبور الطريق، يسيران بمحاذاتنا، ثم يتوقفان، تطبع الأم قبلة علنية على وجه الأب حين يطل الأتوبيس المكيف الذاهب الى ميدان روكسي.

بعد مزاولة النظر الى الساعة وإحتساب الدقائق المتبقية مرة تلو الأخرى، ألجأ الى إلهاء نفسي بسماعات أذن «الأم بي فور»، تشدو وردة في ألحان بليغ» الدمعة تعدي، الفرحة تعدي، واللي يفضل ليا، حب حبيبي ليا، حنعيش ياحبايب... حبايب حبايب، الحب فينا دايب، دايب يا حبيبي، بكرة ياحبيبي» قبل أن يقطع صوت فرامل مع سباب مشهد عبور امرأة كادت أن تصدمها سيارة فارهة للطريق. الطريق الذي ينقسم طبقياً ومحورياً بين حارة يمنى للمواصلات العامة ووسائل النقل المستأجرة، وناحية أخرى تنساب فيها السيارات الخاصة المسرعة، فيما الجزيرة الفصلة بينهما لاتزيد عن 30 سنتيمتراً، جزيرة لاتسمح بالتناغم بين مستويي حركة التيارين المارين. فمن تيار السرعة البطيئة المتمهلة، الى النهر الهادر لسيارات تبحث عن دخول وثير وسالك الى حي جاردن سيتي تبدو حركة العابرين أقرب الى مغامرة أكروباتية.

مر ما يزيد عن الساعة، إمعاناً في إعطاء الموظفة فرصة أكبر للحضور. أعبر الطريق. كنت قد قمت مع الدكة كمن إنتابته لدغة عقرب، أو من يحاول اللحاق بصديق شاهده صدفة يمر في سيارة، جريت وأنا أنفض خلفية المشهد المثبت من حولي لنحو ساعة، وعند الإقتراب من بوابة الجريدة طالعني بوابها النوبي باسما، ومن دون سابق معرفة قال لي: «مدام شيرين جت يا أستاذ». أخفيت دهشتي، ودخلت المبني وأنا أشك أن عيناً أخرى كانت تراقب مجمل المشهد، عينا مخصصة علي، على اوهامي التي انشغلت عنها لساعة في نهر الحياة الجارف.

............

المستقبل| الاحد 5 سبتمبر 2010

Top