-->

معلبات الخيال المحفوظ تقتل الفردية في رمضان المصري...كأن الشهر الكريم لا ينهي تكراره الأبدي

هاني درويش

مرت الأيام العشر الأولى من رمضان بكل ما يحمله الجديد المتكرر من افتعال للبهجة. فالموعد الرمضاني يكاد يكون دورة حياتية مضمونة التوقعات لملايين لايعرفون عن مستقبلهم شيئا. جديد هذا العام والذي يكسر اعتيادهم هو الإنقطاع الدوري للكهرباء وفقا لخطة ترشيد رئيس الوزراء المصري أحمد نظيف القاضية بترشيد الإستهلاك. تنقطع الكهرباء عن أحياء بالكامل ويتم تشغيل نصف قوة إضاءات الشوارع الليلية. تاهت الخطة في الطريق إلى منتجعات القاهرة المسيجة التي يسكن فيها رئيس الوزراء ووزير الكهرباء فيما أستوطنت أحياء عشوائية كاملة التهب نهارها بالأسعار وتعطلت مراوحها ليلا. هكذا علقت إحدى الصحف «ملايين المصريين يعدون فطورهم الأول على أضواء الشموع» فيما مصر تصدر 800 ميغاوات كهرباء إلى الأردن الشقيق.

ترشد حكومة نظيف الكهرباء للدرجة التي دفعت الرئيس مبارك في آخر ظهور علني له إلى محور صفط اللبن أن « يستفسر» عن أسباب إنقطاع الكهرباء. الرئيس المهندسة طلاته إلى الكباري أو أسفل بيارات الصرف الصحي مع إستمرار الجدل حول صحته «يستفسر» كمقيم في خارج مصر لاحظ من طائرة العودة إظلاما مفاجئا في نصف العاصمة. ثم، إمعانا في إكساب إفتتاحه لكوبري منحى واقعيا أصدر قرارا هاما بمنع تسيير المقطورات نهائيا عليه. يأتي هذا في الوقت الذي لم يشكل رمضان وبدايته فارقا حقيقيا في سجال القط والفأر بين مؤيدي جمال مبارك ومعارضيه. الحملة لجمع توقيعات له، وإكسابا للحس الشعبوي العفوي فيها، تستضيف يوميا وجوها إعلامية من المواطنين العاديين، كومبارس على درجة «ناشط سياسي جديد» يخرج في الصحف ليعلن تأييده لابن الرئيس فيما تنشر صحف صورا لبيانات مبايعاته مبصومة على بياض تتقاذفها أيادي أطفال في حي منشية ناصر العشوائي بعد الإفطار. لا يتحدث مبايعو ابن الرئيس إلا شتما وسبا في البرادعي. مواطنون عاديون أبعد من أن يكونوا عرفوا يوما إسم الأخير يخرجون لسبه في الصحف والفضائيات، وكأن التعليمات الأمنية والتنسيق الشرطي يثبتان ما لا يدعي حتى البرادعي ادعاءه، وهو وصول دعوته للتغيير إلى آحاد المصريين.

شهر رمضان في عشريته الأولي يكتسي فضاؤه بالمميزات الهامة لبداية الإستعراض الطوعي. همدان وكسل كوني معمم. موظفون يغيبون بالعشرات عن العمل لإستقبال الصوم على الوسائد. مواطنون يكتسون بالسمت الديني بتطفيف الدرجات، من كان يصلي لماما يذهب إلى المسجد، ومن كان يذهب إلى المسجد يعتكف فيه؛ من تحجبت تجرّب الخمار، ومن تخمرت في العام الماضي تتنقب. إنه سلم الصعود إلى الجنة وقد احتشدت الجماهير في مسارب التفاصيل اليومية للتأكيد على شرعية السباق أعلاه. من لا يتحدث في الدين أصلا تصبح الآيات والأحاديث شاغله، ومن كانت عدته اليومية تفاصيل الخطاب الديني يزايد على المنصرفين عنه بقلب مطمئن، لمَ لا والأجواء في تلك الأيام تنسجم وتخيله لفقاعة كبيرة تحيط العالم بصنوف التدين.

العشر الأوائل في الشهر تأتي عنيفة في قطيعتها مع ماسبقها من أيام عادية. تأتي وكأنها بجنوحها إلى تلوين الحياة بصبغة التدين تحمل تكفيرا عن باقي أيام العام اللاهية. من نهاية رمضان السابق إلى أول أيامه في العام الحالي، تخلو المصالح الحكومية من العاملين، وتتصاعد حجج العمال اليدويين في ضرورة تقصير ساعات العمل. تفتح المحلات أبوابها للجمهور عند أذان الظهر، ويا ويل من تسوّل له نفسه الهدر على إيقاع خارج هذا «الكسل المرخص به». قد تبحث لساعة ونصف عن مكتبة تصور فيها مستندا مطلوباً لاستيفاء أوراق شهادة ميلاد ابنك، وعندما تعود منتصرا للموظف الذي لم يفتح بعد قلمه الفرنساوي ماركة ريناولد، تجده يطيل في صلاة الظهر. يختم صلاته عندما تدعوه للتعجيل لأن لديك «مشوار» حكومي آخر يحبط عزيمتك قائلا: حتلقيهم يابيه قفلوا ...ماهو كل سنة وأنت طيب ...رمضان كريم».

كرم الشهر المفترج والقاضي بإقصاء أي شخص لايندمج في هذا الطقس المعمم يصل إلى منتهاه مع المفطرين. والخيال الجمعي لملايين الصائمين لايضع في تصوره مثلا وجود عشر ملايين مسيحي مصري يشاركونهم الحياة العامة، ناهيك عن غير المتدينين أو المرخص لهم بالإفطار لسبب طبي أو تنقلي، عشرة ملايين هم تاريخيا يشاركون الصائمين صومهم في الأماكن الخاصة، حيث لا يأكل مسيحي أمام مسلم مثلا في مكان العمل. وهو، إن شرب، يكون في التخفي. لكن ذلك لا يعني نهائيا أن تكون نظرة الصائم في المجال العام للمفطر أو المسيحي على نفس القدر من الإحتقار، خاصة وأنها تسلط دون تفريق أو محاولة تفهم أو توقع لأي جانب تنتمي. نظرة عامل كافيتريا النادي الذي يقف متكاسلا ومضطرا لوجود أطفال غير مكلفين قد يريدون شربة ماء، نظرته لي وأنا أطلب كوبا من القهوة، فالقهوة ليست لطفل غير مكلف، واحتقاره لي تشوبه سخرية مبطنة وعنف غير مكتوم هذه المرة، عنف يصل في طريقة اختطافه فاتورة ثمن القهوة وفي طريقة رميه على «البنك». تكاد في تلك اللحظة أن تسأله ما به، لكن توقع استرداده لابتسامة جافة وتعلله باللاشيء الذي يمليه عليه موقعه الوظيفي تغنيك عن السؤال. يكفيه ويكفيك ما نقله لك من احتقار بيني صامت، أما السيدة الأربعينية المسيحية التي تمر أمام منضدتك القصية في آخر حمام السباحة فتكاد تأكلك بعينها، لاتعرف لماذا، هل هي نظرة تعاطف لمن تخاله مسيحيا؟ هذا الإحتمال غير وارد، لأن تجنبك الناس وإبتعادك عنهم (المسيحيين) يعني ضمنيا أنك مسلم خائف. أم أنها نظرة احتقار مصغرة لمتدينة ترفض تمرد آخر من غير دينها على ما لاتجرؤ هي شخصيا على فعله؟

في النادي السويسري بالكيت كات، وهو ناد لأعضاء الجالية الأوروبية إختارته صديقتي إيمان مرسال مكانا لإفطار عائلي نظمته ودعتني إليه، يبدو الأمر مختلفا قليلا، العاملون المصريون الذين من المفترض إعتيادهم على وجود غير المصريين، ومن ثم يُفرض عليهم وظيفيا حد أدنى من احترام اختلاف الآخر، هؤلاء، بدا وجودنا على موائدهم مناسبة للتندر، هم لايقدمون إلا الحد الأدنى من المتطلبات الرمضانية التقليدية، ويأس الجالية من ترهل الخدمة الرمضانية النهارية يدفع الأخيرين لتجنبه، تجنب يحول المكان إلى ورشة تجديدات موسمية، هكذا انتصر الإيقاع على العرف. نظهر نحن المصريين بمتطلبات خدمة في زمن يشبه الإجازة الموسمية. لم يصدق عامل الاستعلامات أننا نحضّر لإفطار عائلي بالمكان، إشترط شروطا إضافية نتيجة ضيق الوقت. ولولا تجاوز عددنا العشرين بما يحمله ذلك من فاتورة محترمة لأوجد أعذارا لعدم تقديم الخدمة التي لا يجرؤ هو الآخر على عدم تقديمها. لكن عقابه كان حاضرا في النهاية، فالنادي الشهير بجودة طعامه نقل إلينا الرسالة في مستوى جودة الطعام، نقل إلينا معنى انتقام الصائم النادر على من يخدش كسله المرخص به.

يحاول سائق التاكسي الإنتقام من زبونه من ندرة الزبائن في نهار رمضان. يحاول صاحب المحل ازدراء الشاري الذي يجبره على إنزال قدمه من عن اريكة كسله. لا تعرف لماذا «يمثل» الجميع أنهم منتظمون في تقديم الأعمال، تمثيلاً أو محاكاة تصل ذروتها في مشهد عربات خاصة تقف بشباب «كول« قبل الإفطار بلحظات عند مفارق الطرق، يحملون إما أكوابا للعصير أو وجبات ويقذفونها للعابرين أو الراكبين سياراتهم. يعطلون المرور في مناطق ذهبية بغرض كسب الثواب، بينما الثواب الأكبر في مثل تلك اللحظات هو توسيع الطريق لمن يريد اللحاق بالإفطار مع أهله. تتحول الإشارات الكبيرة إلى مشهد مسرحي مبتذل، غالبية سائقي السرفيس والتاكسي يتلكأون لأخذ أكثر من نصيب شخص واحد. وكلما توقف وتعطل الطريق زاد تصدر المتبرع للمشهد وتركيز العدسات على فعله الخير. هو يسبغ أداءه بالهمة والنشاط واللهفة وكأنه «يد الله» التي تدلت من علىاء السماء لغوث الصائمين، فيما تذلل المفطرين وإسباغهم لمعاني الشكر والتودد والدعاء لصاحب العمل الخير تبدو تمثيلية هي الأخري، ثمة إحتقار صامت و تمثيل صامت متواطأ عليه.

التمثيل من الشارع إلى الشاشة لا يختلف في رثاثته. 750 مليون جنيه تم صرفها على 40 مسلسلا تلفزيونيا. في بلاد تعاني أزمة قمح وماء وكهرباء وسكر ولحوم يبدو الرقم عبثيا، خاصة وأن ماكينة الإعلانات التي لا بد لها أن تعوض هذا الإنفاق معطلة نتيجة الأزمة المالية العالمية. وكالعادة، تجلس لتتابع مفتتحات الأعمال في الأيام الأولى فتجد اللاجديد والمكرر، وحيد حامد يكتب الحلقة الأولى من مسلسل «الجماعة« وهو عبارة عن ديالوج طويل بين رجال أمن الدولة القشيبي الثياب وهم يتحدثون عن «لؤم» الجماعة المحظورة، تصل إلى قناعة تجعلها عنوانا لموقعك على الفيس بوك، هي مجرد سؤال: أيهما أدق لغويا: لا تضاهي حقارة الإخوان إلا وحيد حامد، ام لا تضاهي حقارة وحيد حامد إلا الإخوان؟

في كتابة الدراما المسلسلة هناك مايسمي بالتأسيس، ينطقونه «الإستابليشمنت»، وهي مجموعة الحلقات الأولى من أي عمل يحاول فيها الكاتب تقديم الشخصيات الرئيسية وزمن الأحداث وأماكنها وبداية تشكل الخط الدرامي الأساسي. وغالبا، مع زيادة خبرة المشاهدين وعقم إبداع الكتاب، تكون سرعة هذا التأسيس بطيئة للغاية، يعلم المشاهد أين تنتهي حدود الشر والخير، يكاد يتوقع مبررات الدراما الساذجة التي تنقل شخصا من فئة الأتقياء إلى مصاف كفرة قريش، الإنتقال سلس كارتوني ومبسط، لا يتخيل ذكاء افتراضيا تنفيه الحقائق أو الوقائع أو العلم أو الحرفية. يخاطب الكاتب الدرامي أدنى أنواع الإجماع العقلي والخيالي المتوقع لدي مشاهديه. بمسطرة قياسية يحدد من الحلقات الأولى أنماطا مستقرة ومحفوظة في علب التخيل الشعبوي الفاسدة. إسهاب مفرط في تجميع كل الخطوط والإشارة إلى ماسيقدمه العمل لاحقا. في مسلسل الجماعة مثلا لم يظهر حسن البنا صغيرا إلا في الحلقة السادسة بعد أن أسس وحيد حامد لوجهة نظر آنية عن الجماعة في حدث «ميليشيا جامعة الأزهر» وبعد أن قدم لنا الإطار العائلي للباحث الذي سيقرأ لاحقا مذكرات حسن البنا، وبعد أن شنف آذننا بخطب الأجهزة الأمنية التي لا ترقى أصلا لمستوى ركاكة أدائها الواقعي مع الإخوان، خمسة أوستة خطوط أدخلتنا في النهاية لمذكرات حسن البنا التي هي المسلسل أصلا. ثم خمس حلقات حتى الآن في زمن طفولة حسن البنا دون أي عودة إلى الشخص الذي يقرأ المذكرات، لقد أدخلنا من الواقعي إلى التاريخي بلا أي عودة تثبت أن الزمن زمن قراءة وليس زمنا واقعيا. إلى جوار ملحمة الجماعة تتمدد بقية الملاحم التلفزيونية، بطيئة وكسولة طوال الأيام العشر الأولى، ثم نتوقع، كما كل عام ، أن تشهد العشرية الثانية ما يمكن تسميته بالحشو الرمضاني، أي في اللحظة التي يدرك ممثلو الواقع أن الشهر نفسه قد تحول إلى عبء زمني، وتنفضح تمثيلية أنه ليس كمثله أشهر في العام، عندما تخفت أصوات الميكرفونات العالية للعشر الأولى، ويخلع المئات أبيض الجلاليب ويعودون إلى الكاجول في صلاة التراويح، عندما يعلو سب الدين وتقل دعوة» اللهم إني صائم». وتستضيف صفحة الحوداث بعضا من مآسي القتل اليومي والمجاني، يستعيد الناس عادية الأيام، فيتحدثون عن الحر. تتجرأ بعض المقاهي التي أرهبها المناخ العام في فتح أبوابها ظهرا ليتسرب اليها مفطرون من عمال الأعمال اليدوية. ثم تأتي العشرية الثالثة، بصحوة الإعتكاف واللهاث لشراء ملابس العيد، وبلهو الحلقات الأخيرة التي يحاول فيها الكاتب تعويض كل بطء الحلقات العشرين في عجالة أيام قليلة. تتزوج فلانة فلاناً، يموت الأب ويرث الأبن، يعود الحديث عن صحة الرئيس للصدارة، وحوادث الطرق، تنتهي إعلانات الشحاذة الوطنية بإسم الخير، ويطارد الناس تلابيب حياتهم السابقة، المكروهة بمحبة، أو المحبوبة بكراهية. وينسدل الستار عن شهر شاهدناه بنفس التفاصيل منذ عشر سنوات، وكأن العام لايمر ، وكأن الشهر ذاته لا ينتهي.

..............

المستقبل| الاحد 22 أغسطس 2010

Top