-->

الفضاء الخرب لصور الذات وعلاقات التسلّط المتوهمة

هاني درويش

هذه الكتابة وليدة مجموعة من الملاحظات والحكايات في تأمل النسق القيمى للطبقة الوسطى العليا الجديدة، وتتعلق أساسا بأسئلة تخص الصور التي تنتجها تلك الطبقة في تجاورها وتساكنها في فضاءات جديدة من المدينة. وهي صور خاصة بعلاقتها الجدلية بين ذاتها والآخر، الجار أو الشريك، بما يحتويه ذلك من قلق واضطراب ناجمين عن سيولة وهمايونية إحساسها بالذات، كذا درجة تشبيكها وتوحدها على معانٍ خاصة وأخلاق، لا بالمعني الديني ولكن بالمعني السلوكي. الكتابة هنا تلصصية بالمعنى الذي تتيحه تلك الطبقة من تشاوف عام وملامسة سطحية، وهي غير معنية بالوصول لصور سلبية عن تلك الطبقة أو تحقيرها وفقا للموقف الإيديولوجي التقليدي، الذي يحملها مآلات التدهور العام في المجتمع، وهي لا معنية أساسا بالركض خلف السؤال الإطلاقي الساذج حول «ماذا حدث للمصريين»، بل هي لا تخرج أبعد من إطار المبحث الأعم لعلم اجتماع البشر في مساحة جغرافية محددة وزمن محدد، ترصدها عين لها ما لها من اجتهاد، وعليها ما عليها من عدم اشتمال الرؤية.

بيئة الكتابة أو جغرافيتها هي منطقة «هضبة صحراء الأهرام» الواقعة في الكيلومترات الأولى من طريق الفيوم الصحراوي، نهاية الامتداد الحضري التقليدي لحيّ الهرم، وهي منطقة أو حي ظهرت بشائره الأولى على يد جمعية أهلية تعاونية، عمرت أو وضعت يدها وقسمت وسورت مساحة 4000 فدان من الصحراء المطلة على منطقة الأهرام السياحية. وتشير تركيبة مجالس الإدارات المتتالية لتلك الجمعية إلي سطوة موديل رجال الشرطة والجيش على النمط الثمانيني، حيث توافرت لهم القدرة على اقتطاع تلك الأراضي بأسعار رخيصة قبل تدويرها اقتصاديا عبر تجار أراضٍ صغار ومقاولين. وهي، «أي الهضبة»، كانت قبلة للضجرين الأوائل من ازدحام المدينة القريبة، الذين توافرت لهم القدرة الاقتصادية على بناء نمط من الفيلات أو العمائر الفيللية التي تتناسب مع تقسيم مسطحات قطعها بين 500 متر وألف وخمسمائة متر مربع على أقصى تقدير. وقد دخلت الهضبة حيز التفضيل السكني مع ازدياد موديل تعمير الكومباوند العمراني في المناطق المجاورة، خاصة في المناطق الفاصلة بين محافظتي الجيزة و6 أكتوبر، فهي تقع وفقا لتصوّر ساكنيها بين موديل الكومباوند (حيث يعطي السور الذي يحيطها إحساسا بالتمايز، ونمط تشجيرها البسيط إحساسا كاذبا بالرفاهية) وبين موديل المناطق السكنية المميزة المفتوحة على أنماط أخرى مجاورة. وكانت لحدودها الصحراوية وعدم مجاورتها الأحياء الشعبية قابلة للتدهور الحضاري أن عظمّت من إحساس شاغليها بهذا الرقي.

لا تخضع «الهضبة» إذن لسلطة الأحياء الحكومية التقليدية، وهي أيضا لا تخضع لنمط شركات التعمير الخاصة، فالشكل الأهلي لجمعيتها التعاونية هو درجة وسيطة في علاقتها بالسلطة. المرافق العامة دخلت بضغوط تلك الجمعية ونفوذ رجالها، لكنها تعرضت للتآكل الفظيع سريعا، نتيجة الفساد والمحسوبية وعدم وجود صيانة للمرافق تتولاها شركة مثلا، كما في نموذج شركات التعمير الخاصة. وتشوب بنيتها التحتية حالة من الارتباك نتيجة عدم التزامن البنائي للوحدات متداخلا مع انفلات فضاء لا تحكمه فعليا سلطة الدولة إلا في حيز ضيق.

العمارة... من حمام السباحةإلى الفيلات المسقوفة

تناثر وفقا لتلك المقدمة التاريخية في المناطق المميزة القريبة من بوابة الهضبة الأولى نمط يزول من الفيلل المفتوحة، تحديدا حين كان الفضاء المحيط أرحب والكثافة التعميرية أقل. فبرغم قيام تخطيطها العمراني على النمط التقاطعي المتعامد، إلا أن»الهضبة»، حتى منتصف التسعينيات، كانت محلا لتطبيق الهوى العمراني القديم، فيلا بحديقة مسيجة أو إطارية. ونتيجة قانون الجمعية الأهلية الذي يشترط عدم الارتفاع عن أربعة أدوار بعد الأرضي، فإن الإحساس بالخصوصية مع تناثر القطع الفارغة أو غير المعمرة كان يدفع الملاك القدامى إلى تخيل عالم بلا متلصصين. كان يكفي في هذا الإطار تسييج حدود الحيازة ببعض الأشجار العالية. لكن الآن، ومع انفلات التعمير والتجاور المرعب، حدث تهشيم مواز لفكرة الخصوصية. تقلصت مساحات الحدائق السياجية نتيجة جشع المقاولين في تسليع أكبر عدد ممكن من الأمتار المبنية، أو توفير كراجات داخلية، بل ولجأ معظم ملاك ما يسمى بالفيلل الدوبليكس الأرضية إلى تسقيف وإدخال مساحات الحدائق في الحيازة المبنية. وآخر الجيران في هذا المقام حوَّل أمتار الحديقة المسيجة إلى مصلى مغطى تحت اسم «مسجد رياض الصالحين»، وهو مصلى يحتوي بابين أحدهما لعباد الشارع، والآخر داخلي من فضاء فيللته الجديرة بقبطان بحري ذي اسم رنان.

ولزيادة فاعلية إنهاك الموارد ضغط المقاولون وأصحاب الأراضي لتزيد الجمعية ترخيص البناء دورا إضافيا.

نحن إذن أمام نمط جديد من «العشوأة السريعة»، التي تنمو في الظلال الوارفة لجمعية أهلية فاسدة انسحبت سريعا من مجال خدمة التشجير الشارعية والإضاءة وضبط النمط المعماري. ينسل ذلك ويتمدد في تغوّل سلطة مقاولي البناء على مساحات عرض الشوارع، وزيادة التحول من نمط السكن إلى نمط المحلات التجارية في الأدوار السفلية، برغم تناثر المساحات المخططة سلفا لمجمعات الخدمات «المول» في كل مربع سكني. انعكس ذلك على جماليات الواجهات. فبعد سيادة الحجر الهاشمي، ها هي الألوان المفزعة للطلاءات الرخيصة المنفلتة عن أكواد التنسيق الحضاري القديمة للمنطقة تظهر في العمائر الجديدة، وتتقلص يوما بعد يوم مساحات الفيلات الأرضية المسيجة، وتختفي للأبد الدوبليكسات الفيللية العلوية.

نحن أيضا أمام وحدات سكنية تتراوح أسعارها بين الربع مليون والمليونين (دون تشطيب) أو من نصف مليون إلى ثلاثة ملايين (بالتشطيب)، تتجاور في شوارع بلا خدمة منتظمة لرفع المخلفات، أو إضاءة شوارع، أو أسفلت للطريق، أو أدنى درجات التواجد الأمني في حيّ أتاح لشاغليه أدني درجة من التكاتف المصالحي أو الأخلاق المعممة.

حكايات الجيرة... الفنان الكوميديان وأستاذ الجامعة

يذبح الكوميديان البدين عجلين في الأضحى، ويترك الدماء ساخنة يعفّ عليها الذباب لأيام متتالية أمام فيللته السكنية. الدم الساخن هو فاترينة عرض لثراء فنان من الدرجة الوسطى التجارية. فهو لا يقارن مثلا بأبناء جيله من أسطوات المضحكين الجدد كمحمد هنيدي أو محمد سعد، ولا علاقة بين ثرائه السريع وبين بخله الشديد على نفسه وزوجته بعربتيه من موديل بي إم دبليو زد ثري والأخرى من فئة الجاكوار. يبخل مثلا أن يدفع 20 جنيها ثمن خدمة جمع القمامة، بل لا يجد حرجا في أن يأمر خادمته أن تخرج بمخلفاته لترميها في قطعة الأرض المواجهة . يستقل الفنان الكوميديان سيارته فى الخامسة بعد الظهر ويعود في الخامسة صباحا في حال توفر دور بالمسرح. الزوجة تأمر البواب في ساعات مللها الطويل بالتمشية بابنها الرضيع وكلبها العجوز في الواحدة مساء. يقص البواب حشائش الحديقة ويسقيها ويلبّي الطلبات وينزه الكلب والطفل مقابل 100 جنيه في الشهر، ناهيك عن توهم العبودية المخصوصة وسب زوجته سليطة اللسان للبواب علانية بأحط الألفاظ الطائفية. الزوجة المغاربية (والتي تنطق عامية مصرية جديرة بفتاة قارحة من بولاق) لا تجد غضاضة في لعن الخادمة صباح مساء فيما تشكو وحدتها في الموبايل في الفضاء العام للشارع متباكية. لكن الأسرة الفنية، بعد طفلين سميا على أسماء صحابيين جليلين، تعلّق إعلانا بتأجير الفيلا بأربعة آلاف جنيه شهريا. ورغم فشل المسلسل الثاني له على التوالي، يتناسب فشل الفنان طرديا مع زيادة ثرواته. يهجر الفنان الفيلا بانتقال سريع (دون بيع) إلى حي دريم لاند، وهو يدور في فلك ثروة تتجاوز العشرة ملايين.

بميل رأسي يبلغ زاوية 45 درجة يقبع أستاذ الجامعة الخمسيني في شقة علوية لا تبعد خطوات عن محل إقامة الممثل غريب الثراء. الأصول الفلاحية لا تخفيها العربة الجيب فور باي فور. تطل أصوله من نبرة الصوت المرتفع التي توقظ الجيران وهو يعد مؤامراته استعدادا لمجلس القسم القادم. بالملابس الداخلية يعتلي منصة الفرجة صوتا وصورة، أما ابن ابنته ذو الثمانية أعوام فيعلم أخاه الأصغر ذا الثلاث سنوات، ثلاثة تكنيكات لتصويب «شنطة المهملات» على الأكوام أسفل الشقة في تمام الثانية فجرا، مصحوبا بهتاف التشجيع «برافو يا حمادة«.

الأمر لا يختلف كثيرا مع نمط آخر شائع لمالكي وحدات الهضبة. ضابط جيش على المعاش يؤجر نحو 20 شقة يملكها في الهضبة إيجارا جديدا. يعمل على تشطيب شققه عساكر سابقون لديه، وآخر مستأجريه زوجان من أطرف التكوينات الاجتماعية الصاعدة في الطبقة الجديدة. فبعد مظاهر تأسيس شقة زوجية (تشطيب متوسط، حملة تكييفات، أثاث على نمط الباروك المصري حيث الإهتمام بالضخامة الشعبية الخالية من الجماليات)، جاءت الزفة بعائلة عروس يبدو عليها الانتماء للطبقات الشعبية. فالزيطة والزمبليطة الصادرة من أقارب على شاكلة «ياختشي» ويا «أبلتشي» بيّنت أن العريس العجوز «اشترى» حرفيا زوجة شابة فقيرة. هكذا تظهر بعباءة علي شاكلة الخليجيات في مول وسط بلدي. لكن ذلك ليس كل الحكاية، فالعروس تقيم طوال الأسبوع متنقلة بين شقتها الجديدة وشقة أمها بعربة هيونداي جيتز، ولا يظهر العريس إلا ليالي الخميس متأخرا وهو يصطحب نيفاً وثلاثين كيلو من السمك المقلي، ثم أسطول آخر من خدمات التوصيل العاجل. صيدلية، سوبر ماركت، وكأن الحياة الأسرية تنبعث فجأة في شقة قدر لها بإيجارها البالغ 2400 جنيه أن تلعب دور الجناح الفندقي الفاخر،ووفق رخصة ذلك النمط من الزيجات الشبيهة بزواج المتعة غالبا ما ينتهي(الموعد) بالزوج يصلي الفجر ويختفي حتى الأسبوع التالي.

حدائق الأهرام مدينة الأمهات الشابات القويات. فالأم القوية في حالة الزوجة الشعبية السابقة تدير علاقة الخليلة المحجبة بزوجها، وفي الدور الأعلى أم شابة تدير علاقة ابنتها المدرسة المساعدة بكلية التربية الرياضية بزوجها الشاب المسافر دائما إلى السعودية. ولنا في هذا الثنائي معلم آخر يتعلق بمفهوم الأسرة الحديثة كما تركبه الطبقة الجديدة.

فوفقا لنثار ما بدا من حركة أمكن ملاحظتها، الزواج كان صالونيا بامتياز. تلك الصالونية الجديدة القائمة على تعارف فعلاقة تحت أعين الأهل مغلفة بأوهام الحب السريع الذي انبثق في أشهر الاستعراض الأولى، ثم تخصيب على سفر أنتج حملا انسحبت به الأم الشابة إلى بيت أمها، واقتصر الحال لمدة عام على ظهورها بأمها في أعمال «التشقير» على الشقة من وقت لآخر، ثم الظهور في إجازة الزوج لتجديد الغرام الموسمي، قبل أن ينقلب الحال تماما في متتالية مشهدية جديرة بفيلم مقاولات أصيل.

الأصوات المتصاعدة لشجارهما في الدور الأعلى- انتهت بتكسير عنيف لبهجة خزف النيش، وتبادل السباب انتهي بإيذاء بدني اتضح من عويلها المكتوم أنها كانت هدفه، ثم النزول المهرول على السلالم للزوج الشاب فيما يكلم «مامته» وهو يهذي قبل أن ينطلق بالماتسوبيشي (أي خروج السيارة بإستدارة سريعة عنيفة تصر على أثرها إطاراتها ويزعق الموتور كاسرا هدوء المحيط) بما أكد تمزق الغلالة الرقيقة المغلفة للعلاقة. يومان وظهرت الزوجة المكدودة عند باب جيرانها الوحيدين لتدعوهم إلى عيد ميلاد ابنها الأول والوحيد. كانت الدعوة أيضا تعني كسرا لقانون اللا خدش الذي يميز العلاقات الاجتماعية في الحي. فالتجاور لا ينتج غالبا تلك العلاقات الحميمة المتداخلة كما في بنية عمران المدينة القديمة الشعبوية أو البرجوازية. وعلى أقصى تقدير لا تنشأ حميمية أبعد من مفهوم «صباح الخير يا جاري أنت في حالك وانا في حالي». كانت الدعوة موجهة لزوجة الجيران فقط، أي مغلفة بالروح الأمومية، بما يعنيه ذلك من عدم وجود زوج يصلح لمقابلة عائلية مكتملة، نوع من المحافظة لا يتناسب مع زوجة شابة بورجوازية متعلمة تذهب إلى الكوافير مرتين في الأسبوع، ويبدو من أريحية علاقتها بملابسها عدم انشغالها بهذه التفاصيل التقليدية. صعدت الجارة مرحبة بتطبيع أولي ربما يكسر حاجز تلك العمارة. خلال عيد الميلاد ظهرت الأم المقاتلة الثانية، أم تراقب ابنتها في الرواح والمجيء، وعيونها الحازمة الجازمة تحيط بها كسياج. لم تفلح دعوة الزوجة لجارتها إلى احتساء قهوة في مطبخها الكبير فى كسر حصار الأم التي يبدو أنها تنظم كون الزوجة المهجورة. والأخيرة تضع «ماما» في كل جملة مفيدة ممكنة. كانت على ما يبدو تحاول إماطة اللثام عن نوعية المشاكل بينها وبين زوجها في تقارير سريعة: هو لازال مسافرا، هو عصبي، أمه تتحكم فيه، أمه هي سبب شقائي. وانتهي عيد الميلاد الذي تضمن ظهور عائلة ثالثة بالعمارة تتكون من عجوزين يقضيان إجازة موسمية بالقاهرة قبل السفر لأمريكا لدى أولادهما المستقرين هناك. انتهى عيد الميلاد القصير على ما يبدو بمحاولة تبييض الزوجة لسمعتها أمام نثار ما تسرب بالصوت العالي.

شهران واستُكملت المشاهد بسريالية: صوت إغلاقها الباب، صوت بكائها ودقها المستمر على أبواب الجيران وضع كلمة النهاية، ظهرت عند باب جارتها تبكي منهارة وهي تشهدها على كيف يطردها من شقتها وشقة ابنها بمجرد أن نزلت لشراء إحدى الحاجيات، في صالة منزل الجارة المتعاطفة، وبعد أن تسربت الحقائق التالية في فواصل البكاء والانهيار، حقائق تحكي لغريبة في اللقاء الثاني:

«تصدقي...لا يصرف عليا أو على ابنه من بداية الزواج، وعايشة بفواتير الدليفري اللي مالية البيت... تصدقي بينزل من السعودية ويروح عند أمه، أكلمه يقول لي في السعودية... أقوله الولد عيان مابيعبرنيش،... دا مابيلمسنيش إلا لما يستأذن أمه، وأمه تهددني في التليفون بأنه ما بينامش معايا عشان غيران من الولد الصغير... تصدقي أكلمه يقول لي جاي ولما يتأخر أكلمه يقول لي أصل كنت نايم في حضن ماما وراحت عليا نومة... تصدقي أخوه بيجيب بنات في الشقة واحنا مش موجودين ولما أقول له إنه دخل ورايا المطبخ يقول لي إيه اللي انتي لابساه دا ياموزة ما بيصدقنيش....أنا لازم اتطلق«.

في غضون ربع ساعة تواجد أبوها وأخوها وأمها أسفل العمارة، اتصلت بها جارة تراقب الشقة من عمارة مجاورة لتخبرها أن الزوج معه ثلاثة من أصدقائه يبدو الإجرام على محياهم. نزلت الزوجة إلى الشارع ومن قارعة الطريق تبادلت هي وأمها وأبوها المحافظ مع الشاب نوعية منتقاة من السباب تدور حول الأفكار التالية: ياللي ما بتعرفش، ياعاجز، أنت مش راجل، فيما الآخر يكرر... يا شرم.....أنا مطلقك من أسبوعين ومالكيش عندي حاجة». كان مشهدا لافتا أن يظهر الجمهور من الشرفات ليتابع باهتمام دون أي تدخل، بل ربما ببعض من الشماتة والاستمتاع. جمهور لم يظهر سابقا يطل بهكذا جماعية حتى في حالة احتراق أكوام قمامته عند إحدى الزوايا.

في الصباح حضر إلى الجيران أمين شرطة ليأخذ أقوالا تتعلق بحقيقة سكن الشابة في هذه الشقة تحديدا. تحركت إذن ماكينة التقاضي والتنازع على الشقة. اختفت الزوجة وتركت عصابة الزوج تنفرد بالعمارة، فالزوج يقيم الآن في حماية ثلاثة، يركبون السيارات الفارهة ويحضون ويروّعون الساكنين بسباب أكثر اعتبارا، لتبدأ مسيرة الرعب، الانتقام ممن شهدوا لصالحها، وهو يعني في هذه الحالة بواب العمارة والجيران. يقف شخص لا يمكن الشك لحظة في درجة تشبيكه السلطوي، إما مع الشرطة أو مع أحد أعضاء الحزب الحاكم، ليسب الجميع من أسفل. بنيته العضلية تشير إلى إنفاقه آلاف الجنيهات في الأندية الرياضية.لاحقا، وعبر أيام متتالية، تتراص العصبة الذكورية في البالكون وقد اكتشف أفرادها في عمارة بعيدة مطلة مجموعة من النساء الوحيدات، أمّ في منتصف الثلاثينيات وبنتين في المراهقة (نمط شائع من الأسر ذات الأمهات القويات في الهضبة)، يتبادلن الفيديوهات عبر البلوتوث والضحك المتبادل وإضاءة كشافات في لعبة تستمر طوال الليل. ولا يخلو الأمر أحيانا بعصبة الزوج الذكورية من العودة بما يجود به شارع الهرم القديم من نساء مستأجرات لخدمات الترفيه الجنسي. لا يزعج ذلك أحدا من الجماهير المحافظة التي تتابع الآن بث الفضيحة عبر هواء الشرفات والبلكونات. لكن استعراض القوى هذا، المصحوب بفجاجات التباهي الرخيص بالنفوذ والسلطة، تجعل الجمهور متواطئاً بدرجات متفاوتة، فالساحة الإستعراضية تضمن للجميع فضاء مكهرب السياج، بمعنى، عدم تجاوز الحدود الدنيا التي غلف بها كل شخص سياج سلطته. وفي حال التلامس النادر بين تلك السياجات ، يعلم الجميع أن مثل تلك الصراعات غالبا ما تنتهي على عكس ما تنتهي إليه في البيئات الشعبية. ففي منطقة شعبية كعزبة النخل مثلا تتوازن الإرادات وفقا لمنطق ما قبل حداثي. التشبيك العائلي وسطوة البلطجة المستقرة تجعل لكل الأطراف مساحتها المحفوظة. تشبيك القوى في عزبة النخل قائم على علاقات عصابية واضحة تربط بين فلان ودائرة من ذوي الحضور البلطجي. لكن في حالة حدائق الأهرام، الأمر مختلف، فالتشبيك قائم على حضور السلطة المتخيلة لدى كل الأطراف لكن بدفعات محسوبة. قد يقتلك هذا البدين (كما ترصد صفحات الحوادث جبروت أمثاله) معتمدا على أنه من عائلة كبيرة تحميه. وحتى في حال تشبيكك خصمه (قتيله) مع دوائر تتقاطع بسلطوية مع سلطته، ستتحرك كل تلك البني بعيدا عن الواقع. الواقع يقول أن ثمة ثلاثة بلطجية من النوع الغالي قادرين على فرم أي معترض قبل أن يحاسبهم أحد، واستدعاء الشرطة لن يفيد في شيء لأنهم يقيمون مع صديقهم في سكنه القانوني ولا يمكن التذرع بأمر كـ»الإزعاج»، لأنه ادعاء قابل للمحاججة.

العلاقات في هذه المنطقة قائمة على إدامة النظر المتربص بالآخرين. فالجميع يعرف أنه طالما أنك سكنت في مثل هذا المكان فهذا يعني مقدرات اقتصادية ما مرتبطة، ولا بد، بنسق علاقات سلطوية ما. ومن ثم تحتك الإرادات في أدنى المستويات من الصراع، ولا يحمي الطرفان في لعبة الرِّست الهوائي تلك إلا التقدير الضمني لقوة كل طرف. يلجأ الأشخاص في مثل تلك الحالات إلى تكنيكات من قبيل إشاعة «جو السلطة الغامض» فهم جميعا يتحدثون في هواتفهم المحمولة بصوت عال، مستدعين أكبر قدر ممكن من الإيحاء بالسلطة، إما عبر التلويح الصريح بأسماء أناس مهمين أو بذكر أرقام مالية كبيرة قادرة على شراء الناس الأكثر أهمية. وهم في مجالات الاستعراض العام تلك يستخدمون البوابين كقاعدة لبث وتقفيل مسام غموض حضورهم السلطوي. البوابون بطبيعتهم أو فيما عدا أقلية قليلة- ناقلو أساطير معتمدة في هذا المجال، مسوِّقون جيدون في هذا الفضاء من استعراض القوة الخفي.

المدهش أن هذا الاستعراض لا ينعكس في أي مجال آخر من مجالات الحفاظ على بنية الفضاء العام. الفضاء العام هنا يعني الشوارع ومداخل العمارات التي لا تعكس أدنى درجة من التحضر الواجب في هكذا طبقة مستعرضة. ومع غياب الدولة اللافت كناظم لعلاقات هذا الفضاء وحمايته من التدهور، لم تظهر أية فاعلية إرادوية تشاركية ومصلحية في تعميم حد أدني من النظام. فإقناع أستاذ الجامعة والممثل والأمهات بضرورة توفير صندوق قمامة رئيسي، يتطلب الأمر أكثر من رسالة دون رد يحملها البوابون. يتطلب الأمر أن ترتدي أفضل ملابس لتدق أبوابهم وتذكرهم بأن أكوام المخلفات أسفل شققهم قد تضر بصحة «البهوات الصغار»، وأن مضارب التنس التي تتأرجح بإيديهم غدوة وعشية لا تتناسب والذباب الذي يعف على ملابسهم البيضاء. في هذه الحالة وتحت بند الإحراج لا أكثر قد يتحمسون لأمر التكاتف لمرة قبل أن ينسوه في الشهر التالي.

لا يؤشر حال الفتاة المطلقة وعصبة زوجها من الأوباش إلى ما يمكن تسميته بهشاشة مفهوم الأسرة لدى تلك الشريحة فقط، هشاشة ترشح في بيانات المؤسسات الرسمية عن الطلاق السريع في السنوات الأولى، بل أيضا على استعداد تلك الطبقة السريع للجوء في خلافاتها ومشكلاتها إلي تكنيك منفلت، تكنيك لا يأبه بتحطيم صورة الزواج السعيد علانية، بل وتلوينه بميلودرامية فاقعة مستمدة ربما من خيال دراما رمضان. وكأن ملامسة نسق القيم القائم على احتشاد أهالي الهضبة للصلاة في مساجدهم المرتجلة أيام الجُمَع، النسق القائم على ضبابية تشبيكهم السلطوي، لا تحميهم عند العداء من استدعاء الحس الفضائحي وتدمير الصورة ببساطة من يهيل بالماء قصرا من رمال متكلسة. على هذا الحال تبدو الزوجة الثلاثينية التي انتهت أسطورة زواجها مع قدوم فتاتين تركبان الكوبر والكورولا وقد تمطعا بعرض الشارع تجريسا لها، هي «خطافة الرجال» و»الحامل في الحرام»، فيما زوجها يحاول إسكاتها من البلكون بوضع يده على فمها. يختفي الزوج لتبقى هي وحيدة بهاتفها المحمول تناكد مجهولين باكية وهي تتوعد الزوج الغائب بالحفاظ على الحمل وتربية ابنها «أحسن تربية». هكذا تنحل غلالة التدين وتكشف السلطة المتوهمة والصور الكليشيهية فى تفسخها عن تحلل شائه. أما الأكثر إدهاشا فهو استمرار الادعاء بعكس ذلك، فبمجرد تبخر الذاكرة المتعلقة بالفضيحة، تستعيد الزوجة جبروتها بعد أيام لتنهر سائقها الخاص علانية ناعتة إياه بالحرامي، أو تتحدث الزوجة الشابة التى مكَّنتها الشرطة من شقتها عن مساعٍ شابها التوفيق لعودتها لزوجها السارق عفشها ذات ليل. أيضا يستمر أستاذ الجامعة في الحديث تليفونيا عن الحسم التعليمي والتربوي فيما حفيداه يتجاوران في مسابقة رمي المهملات من شباكه المزروع بالورود. ثمة ذاكرة مجوفة أو سريعة العطب، تتجدد بتجدد موديل السيارة من عام لآخر، وقد رسم الجميع على وجوههم تلك التعبيرات الجديرة، لا بطبقة تشكل نخبة المجتمع وضميره، بل بتشكيلة من عنبر الخطرين في مستشفى للأمراض النفسية.

............

المستقبل| الاحد 19 ديسمبر 2010

Top