-->

من نافذة تاريخ اللهو المديني الأول: الترام الذي غيّر الناس عن أنفسهم وأحوالهم

هاني درويش

تبدو بداية القرن العشرين في مصر نقطة فاصلة أكثر من مجرد بداية لقرن جديد، بل هي أكبر بكثير مما تحيلنا إليه كتب التاريخ التقليدي في إصرارها على حوادث النضال الوطني ومقاومة الإحتلال وصولا الى بزوغ ثورة العام 1919، خاصة إذا ما إعتبرنا نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين مقدمة ضرورية أو خلفية حتمية لما تسنى لنا التمتع بثماره من عشرينيات القرن العشرين صعوداً الى ثلاثيناته وأربعيناته، أي العقود الثلاثة الأهم في منتج الثقافة المصرية كتاباً وتصويراً وفنوناً وعمارة مجتمعية باذخة.

وتتصادف تقاطعات القراءة هذه المرة على نصين هامين، الأول هو كتاب «البغايا في مصر» دراسة تاريخية إجتماعية (من 1834-1949) للباحث التاريخي عماد هلال، الصادر عام 2001، والثاني هو كتاب «ترام القاهرة» لمؤلفه محمد سيد كيلاني، الصادر عام 1968.

ورغم إختلاف الكتابين من حيث المنهجية، حيث يتتبع الباحث هلال، بلهجة رصينة، بحث قضية البغاء بشكل علمي توثيقي وقانوني، يبدو كتاب «كيلاني» نصا أقرب الى الكتابة الإنطباعية الموشاة بكثير من الإستشهادات الصحافية. إلا ان الكتابين، رغم الفاصل الزمني الكبير بين تاريخي إصدارهما (33 عاما) ونوعية كاتبيهما، حيث الأول باحث قدم دراسته الأولى عن تاريخ الرق في مصر، والثاني كاتب إجتماعي وصحفي تعددت كتبه بين نقد أشعار طه حسين وتاريخ السلطان حسين كامل، وهو ما يجعل الأول «هلال» أهلا للإختصاص التأريخي، والثاني أقرب الى مفكر العصر الصحافي، إلا أن كليهما انطلق من نقطة الإستهداف المرحب بالظاهرة محل الدراسة الى تبني نمط من النقد الأخلاقي لاحقا نحو الظاهرة نفسها، فهلال الذي يقدم كتابه بمتطلبات البحث الإجتماعي لهوامش المجتمع ومستضعفيه، رابطا جهده بنظريات مابعد الحداثة ودراسات التابع متتلمذا في ذلك على يد المؤرخة المرموقة نيللي حنا والمؤرخ الكبير خالد فهمي، ينتهي هو نفسه بالإحتفاء المبالغ فيه بالجهد الفردي النخبوي الذي قاده الشيخ محمود أبو العيون لإلغاء البغاء. وهو بين المرحلتين، يستنطق نوعين من الأرشيف الساكن والسلطوي، الأول هو أرشيف مجلس الأحكام العدلية الحكومي، والثاني أرشيف الصحف المصرية من كتابات من اعتبرهم مصلحي العصر، دون ان نرى أو نحس أو نستشعر صوت مادته الخام أي البغايا أنفسهن، ولا تقف صعوبة الحصول على/أو استنطاق هذا الصوت الضعيف من الأرشيف دون التسليم الطوعي بما احتوته السجلات المستخدمة غالبا من إدانة قانونية يمثلها الأرشيف العدلي، والذي هو صوت سلطة الضبط المختصة، أو صوت المصلحين النخبويين الذين إعتبروا أنفسهم أوصياء نخبويين على قيم المجتمع واخلاقه سلباً أو إيجاباً.

في ما يخص «كيلاني» إختلف الأمر. فرغم بانورامية ربطه للظواهر المدينية التحديثية التي أنتجها الترام، كمنتج حداثي أعاد تشكيل وجه المدينة جغرافياً وديموغرافياً، إلا أن اعتماده على أرشيف الصحف تحديدا، ودون تدقيق في البلاغة المضللة التي تصبغ الآراء الشخصية، جعله - دون أن يدري - يسقط في فخ الإلتفاف حول منهجه الأولي والإحتفالي بالظاهرة، مرتدا الى نقد نفس الظواهر الحداثية الغربية المستجلبة (الترام في هذه الحالة) من نفس منطق الوعظ الأخلاقي لكتّابه المعتمدين.

ورغم ذلك، يبدو النصان مفتتحين هامين لرؤية متلصصة على تاريخ اللهو في مدينة القاهرة قبل قرن من الآن. بل إن كتاب «ترام القاهرة» حتى بشخصنة مؤلفه وميله الوعظي، يبدو وكأنه أول وثيقة مكتوبة في علم الظواهر السوسيومدينية، بمركزية معالجته للظاهرة كمدخل للحداثة، وبقدرة كاتبه الإستثنائية على الربط بين ظاهرة الترام ومجمل الأحوال الإجتماعية المدينية في زمن إفتتاحه، وما تبويبه على شاكلة: الترام والحركة النقابية، الترام والحركة الفكرية، الأدب الترامي، شبان العصر الترامي، النكات والمِلَح الترامية، إلا درساً هاماً في قدرة كاتب هاو على التجرؤ بما يشبه «المنهج العلمي» في دراسة علم الاجتماع المديني قبل تكريسه المنهجي.

وما أقصده بمصطلح اللهو المديني، هو مجمل الأنشطة البشرية غير الهادفة للربح والعمل والناتجة عن توسع أنشطة المدينة في فترة تطورها من مكان للسكن والعمل، الى فضاء مناسب لقضاء أنشطة جماعية ترفيهية، تستهدف تزجية الوقت والتمتع الخالي من الهدف. وهي تتوازى مع نقلة تقنية وتكنولوجية ربطت أجزاء المدينة جغرافياً بحيث أعادت تخصيص مساحات وقطاعات متخصصة من تلك الأجزاء لأنشطة خارج المعنى الوظيفي كالسكن والعمل. ويتضمن ذلك في حالة القاهرة، التخطيط المديني الذي خصص أحياء بعينها لتلعب وظيفة جديدة، وفي مقدمتها حيّ الأزبكية، الذي تطور منذ تمركزت فيه قوات الإحتلال الفرنسي وصولا الى تعديلات عصر إسماعيل وقاهرته الأوروبية التي جعلت منه مركزا للأنشطة التجارية، وإنتهاء الى تحوله حياً للتسلية والترفيه (حيث تركزت فيه أنشطة الغناء والموسيقي والتمثيل والبغاء مع نهاية القرن التاسع عشر)، أو ظهور ما يمكن تسميته بهامش التمتع في أحياء تقليدية اقتطع منها جزء ليؤدي تلك الخدمات الترفيهية: كورنيش الكيت كات في حي إمبابة، أو شارع الهرم بالجيزة لاحقاً، أو ظهور مدن الملاهي المتخصصة لأول مرة مع تأسيس حي مصر الجديدة أوائل القرن العشرين.

ولا يعني ذلك التعريف وجود سلطة فوقية واعية اتخذت قرارا بتنمية هامش التسلية المديني، بل يرتبط ذلك بمجموعة من القرارات الإدارية والسلطوية التي أعادت تخطيط المدينة وفقا لمتطلبات أخرى مثل مراعاة الشروط الصحية العامة، أو توسعة الشوارع وإضاءتها لإعتبارات أمنية، أو للضغوط الطبقية التي انتهجتها شرائح واسعة من الطبقة الوسطى الجديدة. وهذه الأخيرة، ودون كثير من الإثباتات التاريخية، لعبت دورا مركزيا في هذه القرارات، بهجرتها من المركز المديني المزدحم الى الهامش الخلوي الصحراوي الجديد لإعادة تمثل مزايا إنفصالها عن الجسد المختلط طبقياً.

بالطبع كانت هناك عوامل سياسية واضحة لإعادة تخطيط المدينة لم تنكرها السلطات، مثل الإلتزامات الناتجة عن وضع مصر الإحتلالي. فكان للمستعمر الإنجليزي منذ 1882 دوره في إعادة تخطيط المدينة وفقا لإعتبارات الولاية على مصر، وكان لمدّ السكك الحديد وخدمة قوات هذا المحتل دور في نقل بعض من تسلطات الحداثة الى جسد العلاقة بين الدولة ومواطنيها.

فيما يخص قضية البغاء مثلاً، يرجع عماد هلال صدور لائحة البغاء الرسمي لأول مرة عام 1885 لما اعتبره خدمة لجنود الإحتلال الذين احتاجوا الى صناعة ترفيه ضخمة. وهو رغم عدم إنكاره تاريخ الحرفة شبه الرسمي منذ عصر المماليك، حيث كانت تفرض على بيوت البغي ضريبة تسمى «الخردة»، إلا أنه يمركز العامل الإستعماري بشكل أكثر تطرفاً، في حين يتكئ على تحريم محمد علي المتأخر للمهنة عام 1834 لأول مرة في ما يشبه الإصلاح الوطني العظيم، في حين لا يرى الباحث سبباً لعودة البغاء بشكل شبه رسمي مرة أخرى في عهد خلفاء محمد علي.

ورغم إعتراف الباحث المتكرر بأن البغاء موجود في كل زمان ومكان، وفي كل مجتمع، وبصعوبة القضاء التام عليه، إلا أن هذا الحكم التاريخي النهائي حول ظاهرة بشرية معقدة لم يدفعه الى تأمل الظاهرة من وحي علم العمران المديني. فهو يصر ـ في ما يشبه الجزم النهائي ـ على تعريف جماعات البغاء وفقا لنظرية الجماعات الوظيفية المعزولة ـ كما يشرح مستلهما من نظرية عبدالوهاب المسيري في مؤلفه عن اليهود (لاحظ العنصرية المبطنة)، وهو انتصار لذلك التعريف، يقسم الأصول الإجتماعية للبغايا الى: البرامكة الغجر، المصريات، الجواري، والأجنبيات. وهو يكاد يبصم على الرؤى الإستشراقية لمؤرخ كجون لويس بوكهارت الذي خصّ الغجر تحديداً بهذه المهنة، ناسياً ان تاريخ الإستشراق في القرن التاسع عشر في مصر تعامل مع الوطنيين المصريين بحذر في حين ركز على الجماعات العضوية المعزولة بأكثر مما يجب. وهو، رغم اعترافه بصعوبة الوصول الى إحصاءات رسمية قبل عصر محمد علي تتعلق بأعداد السكان وأنشطتهم، ورغم اعتماده على سجلات مجلس الأحكام في عصر محمد علي ومنها يخرج بحالات دعارة بين مصريات افتقدن للزوج إما لأعمال السخرة في مشروعات الوالي أو لإنضمام أزواجهن الى جيش البلاد الجرار، إلا انه ينكر تماما الأثر السلبي لمشروعات التحديث على زيادة نسبة العاهرات بين المصريين، بل ويتغافل عن أن عوامل الضبط المركزي لدولة عملت على إسالة الحدود الجغرافية لأول مرة بين أقاليم البلاد، وساعدت على الهجرة الداخلية من الأرياف الى المدن، واستعبدت رأسمالها الذكوري في أعمال السخرة، متزامنا مع تبلور مراكز شبه مدينية في الأرياف وبداية التصنيع، كانت جميعها أسبابا في تفشي البغاء بين المصريات أو على الأقل خروجه الى العلن الأرشيفي لأول مرة. ورغم ذلك لا يجد الباحث غضاضة ولا يتريّث في التأكيد على ان نهاية القرن التاسع عشر شهدت زيادة في عدد البغايا المصريات على حساب الغجر، من دون ربط ذلك بمجمل التغيرات التي أنتجها تحديث محمد علي القسري.

ما يؤكد المنحى الوطني للإنفتاح الأخلاقي الأصيل في مصر يأتي من شهادة «كيلاني» في كتابه عن الترام، حيث يعدد مظاهر علاقات التودد الجنسي بين المصريين في الفضاء العام لأول مرة. فيقول مدحا أو ذما في الترام: «واستطاعت المرأة أن تركب الترام، وتذهب في غيبة زوجها الى حيث تشاء. قالت صحيفة المقطم (19-8-1898): ....وما يفعله بعض أدبائنا الذين شاركوا الغواني في لباسهن، والمخنثين في أخلاقهن، من إرتيادهم الطرقات والمنتديات، وهم كلما رأوا سيدة عارضوها في طريقها، وأسمعوها من بذاءة أقوالهم ما يحمرّ له وجه كل حرّ خجلاً، وانكى من ذلك وأشد وقاحة شراؤهم الصور القبيحة وإبرازها في أثرها حتى تلج حانوتا، أو تركب مركبة تخلصاً من شرهم، فيغربوا إذ ذاك الى الضحك. هؤلاء هم غير رجال خط الشيب رؤوسهم تجدهم عصاري كل يوم في محطة الكهربائية العمومية (محطة الترام)، يركبون القطار ذهابا وجيئة، وليس لهم من أرب سوى التهكم وإبداء سفالتهم لكل إمرأة يجدونها في القطار وحدها ولا رجل معها»... وقد اتخذت محطات الترام أمكنة صالحة لتقابل العشاق، ومغازلة النساء ومطاردتهن، وبلغ الفساد مبلغا لم يشاهد في البلاد الأجنبية، ويستكمل: وكان مما يشاهد في الشوارع جهارا نهارا، أن المرأة إذا سارت، تمد إليها الأيادي، وتمسك تلك السواعد المكشوفة، وتداعب بصنوف المداعبة، وأن الواحدة لا يكون من شأنها - إذا جرى لها ذلك التعرض - إلا الإبتسام، بل كان الرجل يمسك من المرأة مكانا مستورا ويبوء بالخزي والعار.

وينقل عن مصطفى المنفلوطي قوله: وحدثني من اثق به ان أكثر الفتيات الفاسدات لا يتزوجن إلا بعد أن يأخذن على أنفسهن عهدا أمام أخلائهن أن يكنّ لهم بعد الزواج، أي بعد أن يصبحن مطلقات من قيود العذرة وروابطها، وقلما تتزوج فتاة ذات صلات فاسدة من رجل إلا وردت ليلة البناء بها، أو في صبيحتها كتب الوشاية بها من الأشخاص الذين اتصلت بهم، وأخلصت إليهم، فانتهى أمرها في حياتها الجديدة بالشقاء والعار».

ويستكمل كيلاني تعداده لمباذل الحياة المدينية في فضاءات وصل الترام أقصاها بأدناها، فيؤسس تاريخا شخصيا لما صارت إليه سمعة شارع الهرم الشهير حين يقول: «ولما استغنى الناس بالترام عن عربات الركوب، قبل الحوذيون أن تتخذ عرباتهم لأغراض غير شريفة، فكان الرجل يصطحب عشيقته في إحدى العربات الى الشوارع المظلمة في الجيزة أو شارع الهرم، كتب سيد على مقالا في اللواء (21-5-1908) جاء فيه «....وجدت نفسي محاطا بعربات لا شاغل ولا هم لركابها إلا تبادل النظرات، وتجاذب الإبتسامات، والمحادثة بالإشارات، وقد تساوى الرجل مع المرأة في التأنق. فهذه جالسة بغير إزار، مزحزحة النقاب الى ما تحت الأنف والفم، مكشوفة الصدر، عارية النصف الأعلى من الظهر» الى أن قال «فطريق الأهرام حفّت بالمكاره والمفاسد، وماجت بالمخجلات والمخازي، مما يشجّ القلم، ولا يقوى على تصويره».

كان هذا حال القاهرة في زمن صرعتها الجنسية الحداثية الأولى، حيث اختلطت الأحياء التي عانت كثيرا من العزلة بالترام، وأصبح الإنتقال المحفوف بالمخاطر من بعد المغرب أمرا عاديا. فبالترام الذي أدّى الى تمهيد الطرق المحورية وإنارتها، وتسبب في ردم ثلاث ترع كبرى مركزية كانت تشرذم وسط المدينة (الخليج المصري، والترعة الإسماعيلية، والترعة البولاقية)، كل ذلك ساعد على ربط الأحياء الجديدة (العباسية شبرا - الجيزة والهرم) بأحياء العاصمة القديمة (الأزبكية - مصر القديمة - بولاق). بل وواصل شبّان وتجار تلك الأحياء السهر في وسط العاصمة لأول مرة بعد أن كانت فضاءات تسليتهم مرتبطة بالغرز والمقاهي البلدية، فتواصلوا مع نهضة المسرح والغناء لأول مرة، واقتربوا من عالم الصحافة الناهض، وتمثلوا الموضات التي تقدمها فترينات محال وسط البلد، وتأسست حداثة الوسط المديني لأول مرة في علاقتها بأحياء الأطراف الجديدة. فثمانية خطوط من «وحش الكهرباء الجديد» كانت تخرج من ميدان العتبة بالأزبكية، الأول يصل الى القلعة، والثاني الى بولاق، والثالث الى باب اللوق فالناصرية، والرابع الى العباسية عن طريق الفجالة، والخامس الى مصر القديمة، والسادس الى فم الخليج فالروضة، ثم يعبر الركاّب النيل بزورق ليستكملوا رحلتهم بترام الضفة الأخرى الى الجيزة، فيما الثامن يخرج من قصر النيل الى قنطرة الليمون موازيا للترعة الإسماعيلية، وكانت تلك الخطوط الثمانية قد افتتحت في 12 أغسطس عام 1896، قبل أن تستكمل الخطوط لاحقا بخط السيدة زينب غمرة مع ردم الخليج المصري في العام التالي، وجرى قيام خط آخر من الجيزة الى الهرم في نفس

.........

المستقبل| الاحد 23 مايو 2010

Top