-->

من حوليّات القاهرة: «ترامادول» الأسفلت الساخن

هاني درويش

"العجل كله متسلم ".... هكذا يعلق سعيد سائق الميني باص الكبير فئة النيف وخمسين راكبا وهو يراقب كمينا مفاجئ لشرطة المرور في تقاطع مشعل نهاية شارع الهرم. 

يرتدي سعيد تي شيرت كابا مسطوراً على نهايته إسم فيجو لاعب الوسط في فريق أيه سي ميلانو، وقد دخل النصف الثاني من ثلاثينياته مودعا موهبة وضعته في مصاف انصاف النجوم. لا يعرف سعيد المصير البائس لفيجو كمشجع كرة تأملي، وربما لايعرف فيجو أصلا. المهم أن «العجل» ـ اي عربات الميكروباص ـ عالم سعيد الواقعي وعالمي فيما قبل تأملي المرتجل ـ قد تم «تسليمه» أي إستولت عليه» الحكومة»، شرطة المرور هي «حكومة سعيد» وأمثاله من الآف السائقين ملوك مغامرات القيادة في شوارع القاهرة. لا يعرف هؤلاء من مصر والدولة إلا هؤلاء، شياطين الأبيض والأسود (ألوان ملابس رجال الشرطة). يصف سعيد «البلوك أمين» ـ درجة في سلم شرطة المرور مصدر الخوف منها هو تسلحها بدراجة بخارية سريعة تلحق بالسيارات المخالفة ـ يصفه باليهودي، فهو لا يترك «فردة» (دورة ميكروباص) إلا بخمسين جنيه رشوة. واليهودي هنا مصداق للصورة الشعبية عن الجشع الفج الذي يسمح لمجرد شرطي مرور عادي أن يسحب رخصة قيادة السائق المخالف لأي من قواعد قانون المرور الجديد، وهي كثيرة، أن تفتح باب الميكروباص مثلا، أن لا تلتزم بحزام الأمان ، أن لا تحتوي العربة على طفاية حريق وإن توفرت فبشرط صلاحيتها. ثم إن مررت من كل هذه المخالفات فهناك مخالفة عدم وجود ستائر شمسة للمقاعد (ليس مهما اصلا توافر مقاعد صالحة للركاب في القانون) أو تدخين السائق للسجائر أو وضع يده على مرفق الكرسي المجاور. بمعنى أدق قائمة طويلة تتطلب غرامات فورية تحصل على الفور، أو ان تدفع مايقل عنها قليلا كرشوة دون أن تسجل المخالفة رسميا. وفي شارع الهرم الذي هو شارع كبير تدور آلاف العربات بألاف الرشى اليومية، وإلا يتم «تسليم العجل»!

منذ ثلاثة أعوام ظهرت في شوارع محافظة الجيزة لأول مرة عربات «ايسوزو الوهاب» ، ميني باصات متوسطة الحجم تجمع بين مزايا الميكروباص والأوتوبيس، هذا بالنسبة لسائقها، وكأن القرار بتصفية وخصخصة هيئة النقل العام المصرية الحكومية تزامن مع قرار سري أخر بإزاحة خطوط الميكروباصات للمسافات الطولي في النقل الجماعي من العاصمة إلي ضواحيها. هكذا إختفي الإوتوبيس الحكومي ذو التعريفة (25 قرش) وإختفى الميكروباص رمز الزمن الذهبي للتسعينيات المصرية.

إنتهت أيضا أخلاق الأوتوبيس التنقلية التي تلتزم بمحطات رسمية للوقوف وعلاقة مواطن بدولة ممثلة في سائق وكمسري وعقد إذعان إسمه تذكرة الأوتوبيس. ثم، بإختفاء الميكروباص من قلب المدينة، إنتهى زمن «العدد الأقصى المسموح للركوب « كما إختفت» أخلاقيات الكاسيت» و«عنبر تيوتا» الشهير بمعظم السجون المصرية.

عنبر تيوتا هو غرفة في السجون المصرية لسائقي الميكروباص الذين تخلفوا عن دفع أقساط الميكروباص تيوتا فئة 14 راكباً. كان الميكروباص الياباني الشهير هو الملك المتوج للشوارع المصرية منذ نهاية الثمانينيات. بتكلفة إجمالية بدأت بـ120 ألف جنية تصل إلى 150 ألفا بالفوائد دخل قطاعٌ من المهنيين في دنيا الإستثمار في رأس مال ومهنة بعد إنسحاب الدولة من عملية التوظيف، كان القسط الشهري لتصل إلى 3000 جنيه وهو ما يعني نحو100 جنيه يوميا في أوائل التسعينيات، وهو ما يعني أيضا إما هلك السيارة خلال فترة القسط لتغطية نفقات القسط والصيانة وأجر السائق، أو دخول السجن فورا في العام الثاني تقريبا لبدأ مسيرة الأحلام. وسط هذه الجزيرة من أحلام الترقي لعفاريت الأسفلت (كما سطر يومياتهم بنفس الإسم المخرج المصري أسامة فوزي في فيلم شهير أوائل التسعينيات) كان العنبر الشهير يتسلم سائقيه فيما تعود ملكية السيارات إلى البنوك الداعمة للقرض أو الى تجار السيارات الشهيرين في هذا البيزنس. تملكت التيوتا موديل 1994 قلب كل من عملوا عليها، بزيادة في حجم الصالون مما يسمح براكب رابع في «الكنبة» الخلفية، ومعدل إستهلاك أقل في ال»الجاز» وموتور متكيف مع الطبيعة المصرية وتحمل مشاق «القسط الشهري».

بقيت المشكلة الرئيسة لتكيف الميكروباص كوسيلة للنقل مرتبطة بدرجات السماح الممنوحة من سلطات تسيير المركبات. بمعني أدق: كان عدم الإلتزام بخطوط سير غطته مليشيا فساد المرور المصري التقليدية، كذا عدم الإلتزام بالحد الأقصى للركاب وتوافر الأمن والمتانة للمركبة، إلى إنفلات الشارع المصري التاريخي من ربقة السيطرة عوضه تكيف برجماتي للسلطات مع الشارع نفسه. وعند منتصف التسعينيات دخلت بيروقراطية الدولة نفسها في بيزنس الميكروباص. تحول رجال الشرطة نفسهم إلى مُلاّك سريين لمعظم سيارات الميكروباص في شوارع القاهرة والمحافظات، على خط المرج رمسيس المرتجل بعد الساعة الواحدة مساء. تعود ملكية نحو 30 ميكروباص تظهر فجأة إلى زوجة مأمور قسم المطرية والأخ الشقيق لمأمور قسم المرج. وفي قلب ميدان رمسيس نفسه ـ سرة قلب القاهرة ـ يتحدث سائقو الخطوط المختلفة عن «درج « قسم الأزبكية ـ التابع له الميدان إداريا ـ الذي يجمع يوميا نحو 10 آلاف جنيه كرشي لتسيير مئات الميكروباصات التي تنطلق لشرق وشمال وغرب العاصمة.

مافيا رجال الشرطة كانت ترصد مزادات الجمارك المصرية التي تعقد لبيع الميكروباصات المتخلفة عن دفع التعريفة. دخل رجال الشرطة تلك المزادات لتكوين أساطيل من التيوتا بالحد الأدنى لسعر المركبة، ثم إستولوا عبر شبكات الفساد على العربات المحروقة أقساطها ، أي المركبات التي لجأ أصحابها لتحمل أقساط خرافية من أجل بيعها بنصف السعر في السوق بعد أيام لتحويل رأس المال إلى سيولة فورية.

ولإستكمال دائرة الفساد والتواطؤ كان طبيعيا أن تطلق الشرطة رجالها من المسجلين خطرين توصيف شرطي للمجرمين اصحاب السوابق ـ للعمل كسائقين على العربات المملوكة لعائلاتهم. فليس هناك أفضل من مخبر لص ـ لاحظ الدمج بين صفات الجريمة والقانون في هذه التركيبة ـ يؤتمن على سيارات الميكروباص، فالضابط يضمن إلتزام «المسجل خطر» بالقدرة على إستدعائه في أي لحظة ، كما يضمن بإنفلاته الصارخ على القانون حدا أقصي من السرية لنشاطه الممنوع، وحدا أقصى للأرباح الصافية، واخيرا حدا أدنى للأجر.

بالعودة إلي سعيد سائق الميني باص، تبدو تلك الذكريات نسيا منسيا، مقياسا لحجم الحنين نفسه إلي زمن التسعينات البعيدة. فعلى أسفلت الطرق المصرية لاوقت للتذكر، وتحت تأثير حبات «الترامادول» المخدرة ينهب سعيد شارع الهرم ذهابا وإياباً لنحو 16 ساعة يوميا. مازجا البلادة بالقدرة على البلطجة الفورية يقطع المسافة التي لاتستغرق في سير مباشر أكثر من عشرين دقيقة في نحو ساعة. بجوار المرآة العريضة المقعرة يبتسم لصورة شخصية لنفسه بحجم كبير وقد لصقها في تابلوه من الورد الصناعي وبعض من خيال الجرافيك في محلات التصوير بالمناطق الشعبية. يتأمل حشو العربة وتفريغها بعشرات الركاب في المرآة المنعكسة. لايعرف سعيد من هو «الوهاب» الذي سطر أسمه على كل العربات من شاكلة الإيسوزاو بشعاره الشهير»لو إيسوزاو يبقي الوهاب». وعندما سألته كيف يضع شعارا يحوي إسم الجلالة دون كلمة» عبد» إبتسم وإندهش من المفارقة التي يحملها على ظهر الميني باص، هو المتدين الذي لايمل الإستماع لبكائيات الشيخ محمد حسان في دعاء ختم القرآن بصوت مرتفع من جهاز إم بي ثري موصول أمامه في التابلوه ويسمعه الجميع بشكل إجباري عبر السماعات الخربة. تتحول بلادته المنطفئة إلى إشتعال ذاتي قصير وهو يؤرجح بمهارة عجلة القيادة ممازحا فتاة محجبة تباطأت في عبور الطريق أمامه. تكاد عينه أن تنسل وهو يتابع مؤخرتها المحتشدة في جينز ضيق في المرآة الجانبية. يصرخ في مساعده المعلق على سلم العربة: لم يا أبا الفلوس اللي على الأرض دي، قاصدا الركاب الذين يشيرون كل عشرة أمتار إلي سيارته في ظل إلحاح المساعد بالنداء الشهير: جيزة جامعة دقي. تزحف السيارة ببطء تحت هذا الإيقاع الرتيب من التوقف عند كل ناصية لإنزال أو تركيب (الفلوس/الركاب). غالبا ما يصرخ المساعد (يسمي التباع في العامية المصرية) في الركاب الوقوف من أجل زحزحتهم شبرا إضافيا للداخل، فأمنيته الأثيرة هو وسائقه إختراع كيفية لحشر الزبائن إن أمكن بطريقة رأسية من شبابيك العربة. لايساعد التصميم الداخلي للعربة على نزول سلس للركاب، فقد نجح خبراء تعديل فضاء العربة من فنيي «العفشة» في إلصاق الكراسي بشكل لا يسمح حتى بوجود ممر يصلح للوقوف، تصبح بذلك معاناة الراكب ضخمة وهو يلتصق بمؤخرات جيرانه الواقين إذا ما توغل لحظة الركوب في جوف العربة وحانت لحظة نزوله. تتوقف العربة لدقيقة كاملاً بين نهر السائق وتباعه وتأفف الركاب بصمت. صراع إقدام إحجام بلغة علم النفس بين تمنيّ النفس بهبوط سريع لراكب وتمهل بطيء لإلتقاط آخر من الشارع، يتوازى مع صراع آخر على الإلتزام بنهر الطريق اليمين وسرعة الإنفلات من اليسار لتجاوز ميني باص آخر سيسبقه إلى زبون بعد عشرات الأمتار. ببساطة خسر ركاب سعيد المنهكون من إيقاع عربته الخربة محطات الوقوف الرسمية المميزة للأوتوبيس الحكومي مع خسارة السعة المحدودة للميكروباص وخفة حركته في شارع مزدحم .

غموض شعار «الوهاب» الذي يبدو صاحبا لتوكيلات الأيسوزاو في مصر لايدانيه إلا غموض اللحظة التي تم فيها إدخال تلك المركبة لفضاء الشارع. فقبل خمس سنوات لم يكن لميني باص الوهاب أي وجود في شوارع العاصمة. ظهر في البداية على هيئة عربات قليلة تحمل شعار جمعية نقل الركاب بمنطقة البوهي التابعة لحي إمبابة (شمال الجيزة)، وببحث بسيط ظهر أن الجمعية المؤسسة لوسيلة النقل الجماعية تلك ماهي إلا ستار لنشاط معاون مباحث شهير في قسم شرطة بولاق الدكرور بمحافظة الجيزة.

يقول سعيد: والله دي أمي دعيالي... موقعتش إنهاردة في ايد اليهودي اللي ميعرفش ربنا...تصدق والله الدور بقى نص إيراده دلوقتي للباشا (قاصدا أمين الشرطة)...... والباقي مابين الجاز والسجاير «...» الزبون مالوش غير التنطيط على العبد لله.. يبقى ناقص يقولك نزلني والنبي على سريري في أوضة النوم...ماهو مش شايف غير الخمسة وسابعين قرش اللي بيدفعهم.... مايعرفش أن ورا اللي شغال دا أيراد لصاحب العربية وكارتة في الموقف(رسم تسيير للعربة يدفع لبلطجي يشرف على تنظيم خطوط السير من منابعها) وشاي الباشا (قاصدا الرشوة المرورية)... طب والله يا بيه وماليك عليا حلفان.... أحيانا مابيبقاش معايا الشاي بتاعه فبقضيها (أدفع له ) كيف(أي يدفع الرشوة من حبوب المخدرات)... طب أنت عارف من يوم القانون الجديد فيه أصحاب ملاكي (أي أصحاب السيارات الملاكي) راميين الفياجرة في التابلوه (يقصد يدفعون الرشي من حبوب المنشطات الجنسية)... الحبة الصيني شغالة... والحتة الأميركاني تعديك من كمين اللي ميتسموش (قاصدا الأنواع الفاخرة التي تصلح لمعوني المباحث الجنائية)...

يبلغ سعيد ثلاثة وعشرين عاما وهو خريج معهد حاسب آلي يقع في خط مرور الميني باص. تم إعفاؤه من الخدمة العسكرية مؤخرا. لم يكن يعرف أن للرئيس مبارك حفيداً مات فجأة، ترحم عليه بإخلاص حقيقي ثم أردف: يا باشا إحنا كلنا ميتين... قول يا باسط.

............

المستقبل| الاحد 24 مايو 2009

Top