-->

شتاء أقصر هذا العام ...لكن الفنتازيا حوله مستمرة للألف الثالث

هاني درويش

شتاء القاهرة قصير منذ سنوات، لكن ذلك لا يحول دون تزايد فضائحيته عاماً تلو الآخر. وفيما العالم يتحدث بدرجات متفاوتة عن أثر التغيرات المناخية في تحوّل الشتاء إلى فصل أقصر وأكثر تقلبا وأقرس بردا، يبدو شتاء مصر كاشفا أكثر من غيره من الفصول حجم الترهل الذي أصاب وطناً باتت زخة ماء قادرة على إرباكه، ففي مصر فقط يتحسب الناس من شدة الكارثة الموسمية التي تصاحب البرد، حوادث الطرق تتزايد، تعطل الأجهزة الحيوية يتضاعف، تناسل الدمار من مستصغر الشرر يبدو سيناريو منطقياً. ومثلما يرتبك الناس منذ منتصف أكتوبر بين تحايلات الخريف المتقلب ودخول الشتاء المفاجئ، يضع المصريون أيديهم على قلوبهم خشية مجهول البرد هذا العام، ولسان حالهم لا يبدع إلا الدعاء التاريخي «خفيّ الألطاف ... نجنا مما نخاف».

الشتاء في مصر قبل ذلك هو فصل التذكر والنوستالجيا لبلد قلما تمرد على ماضيه. يصير تعبد هذا الماضي والتندر على «كيف كنا» و»وأين أصبحنا» جزءاً من رقية البرد، بعضاً من التبصر ودرباً من دروب المقاومة، تقنية لمواجهة يأس لا يمل.

منذ الصغر، كنا لا نعرف بقدوم الشتاء إلا مع ظهور «القشف» ، تلك الخشونة التي تصيب مناطق الجلد المعرضة للبلل، نشعر وقتها بأن بعضاً من «غدر» الطقس قد طال خط دفاعنا الأول، وللأمر تعاريفه الطبقية، الفقراء غالبا مايبتلون رجالا ونساء في الشتاء، عمال المقاهي، الزوجات ليلاً بعد الإنتهاء من جلي الصحون، ماسحو الأحذية، بائعات الخضار وهن يرششن خضرواتهن من أكواز صاج، تحديدا كل العاملين في حرف يدوية ، أو الفقراء المضطرين صباحاً لـ»طس الوجوه» بالماء البارد دون تجفيف الأيدي أو الوجوه.

صغاراً كان رصاص الصباحات الباكرة يصيبنا في مقتل، يرتبط التعذيب الأبدي للتعليم المصري بمشقة» الإستيقاظ المبكر» والخروج إلى الشارع. ثمة رابطة عضوية بين العلم والبرودة، بين العلم والخوف من إرتطام عصا المدرس الرفيعة والحادة بيد مثلجة، إستذكار الدروس ليلاً تحت»البطانية» ومقاومة النوم. كانت جدتي تروج لأسطورة مفادها أن من يرتدي جورباً في السرير يصاب بمرض في عينه. ربما كانت تعني بعضا من الأثر المتبقي للبقاء بجورب النهار المتسخ تحت شراشف نظيفة دافئة. أمي إستكملت مسيرة الجوارب الأسطورية عندما اضافت إلى قائمة التوقعات السيئة التبول اللاإرادي ليلا. لذا، وبالإضافة للتعليم البارد صباحا، كان الليل موعدا للشقاء تحت أغطية في الغالب أقل من ان تقي بردا. كان إلتصاق الأجساد تحت الأغطية هو الحصن الأخير. غالبا ما يعتاد الفقراء أيضا على تدفئة رؤوسهم بشال قطني أو صوفي للنساء. لدى الرجال تتبدل الطاقية الشبيكة البيضاء صيفا بأخرى صوفية، الشباب يختارون في محاولاتهم التمرد على وسائل المقاومة العجوز وضع وسادة إضافية أعلى الرأس، بغرض عزل الصوت كما تدفئة الآذنين. كانت المعاناة تستمر لساعات حتى تدفأ القدم الكارهة للحرارة. ما كان يخفف نسبياً من برد الفقراء ذلك كان إستعمال الأمهات لبوابير الغاز التي ورثتها بديلاً عن السخان عن الشرائط من الجدات، وكأن المفهوم القروي حول الإستدفاء بركوة النيران رفض أن يترك المتمدنين الجدد. وقد صحبهم إلى غرف النوم والجلوس على هيئة وابور الجاز، كان صوت الآلة النحاسية الرتيب مقدمة محببة لنوم ثقيل، صاحبتنا هذه الذكرى للدرجة التي إندرج تحتها أو وفقا لقانونها أصوات ماتورات المياه في المدينة، تلك الماتورات المتقطعة التشغيل ـ إلا في حال فساد «الأتوماتيك» الخاص بها ـ التي تملأ ليل الشوارع والحواري كاسرة رتابة الليل أو عازفة لحنه الوحيد بتنويعات لا يقطعها إلا نباح الكلاب الضالة ومواء القطط حين تبكي إستعدادا لمعركة على السلالم.

لمقاومة دمغة الفقر في الشتاء، عوّدتنا الأمهات على دهان» الجلسرين» المحضر يدويا في الصيدليات. كانت لزُوجته وبطء إنسياله داخل الزجاجات غير الشفافة الأقرب للون الأخضر تستحضر ألما بمجرد إخراجها من صيدلية الثلاجة، لا لمجرد ملمسها البارد للغاية بل أيضا للحرقان الذي تتركه واحمرار موضعها الفاضح.

«القشف»-أو دمغة الشتاء الفاضحة ـ كانت مقاومته بالجسرين في كافة الأحوال فاشلة، ما كان يتركه الجلسرين من سواد طفيف ـ من كثرة الإستعمال -على الأيدي. والمرافق وأسفل الشفاه وعند الجبهة كان اقرب إلى محاولة إزالة الوصمة بدمغة، ثم بتكرار الدهان ـ دون أن تنهي علاقتك بمصدر الأزمة(الماء) ـ تظهر أخاديد خشنة تنفتح في مسام الجلد وتحديدا على سطح الكفين. وحتى مع دخولنا عالم المياه الساخنة بداية التسعينات، ظل الوهم الذي يربط بين نزلات البرد والإستخدام المتواصل للمياه الفاترة معوقا للتخلص من صدمة المياه الباردة صباحا. أصبح الشتاء مرادفا للبعد عن الإستحمام خشية الإصابة بنزلة البرد، نختصر الموقف لمرة واحدة إسبوعيا بشرط ألا تتبع بالخروج من المنزل، دفء الإختباءفي «بطانية» على الكنبة أمام التلفزيون بعد حمام ساخن متعة لا تدانيها متع الدنيا كلها.

ثمة رابط تاريخي إذن بين الفقر وفضيحته بالشتاء. رابط لا تكشفه فقط «دمغة الجلد المتقشف» بل إعتقاد أقرب للإيمان بأن الشتاء لايأتي على الأغنياء، فليس هناك مايضطر غنيا للخروج من منزله إذا ما أمطرت الدنيا أو هبطت درجات الحرارة. لايداني هذا الإيمان شكّ حتي عندما تحيل العربات الفارهة في مرورها السريع ملابس المارة إلى لوحة وسخ بشرية، تنمو بذلك الفنتازيا الطبقية بسيناريوهات عجائبية، فتكييف الهواء يتيح للأغنياء الحركة بملابس خفيفة داخل منازلهم، أما في أماكن عملهم ـ غير المضطرين إليها في الأساس ـ فهم غالباً لا يعانون تبعات تشوه الملابس وقد إزدحمت دون أي لباقة لونية. هم يعرفون «جاكيت المطر» الصوفي، هم أقرب للتناسق وأخف ثقلا حيث ليس هناك ما يضطرهم للسير كثيرا معرضين للهواء، تبدو نساؤهم حرائر في إرتداء سواريهات عارية إلا من»فوريرات» إكسسوارية. النساء الفقيرات عموما يضطلعن بأدوار مضاعفة في تحمل أعباء الشتاء. كثيرات منهن يصطحبن الأطفال إلى المدارس. يبدو منظرهن وقد إفترشن الأرصفة الموازية للمدارس الإبتدائية صباحا معلما من معالم العطف الأمومي الشتوي.

وكأننا في سيبريا، ذاك أن من يستمع كل عام للجملة المتكررة «الشتاء هذا العام أصعب من العام الماضي» يتخيل أن مصر قد تحركت جغرافيا إلى شمال آسيا مثلا، أو أن الجليد الذي نادرا ما رأه المصريون قد حاوط حياتهم، يقولها الكل دون إستثناء خاصة بعد أن تمتلئ الشوارع بالطين الذي لايفرق بين مناطق غنية وأخرى فقيرة، فبؤس واقع الطرق المصرية أكبر من الفنتازيا الطبقية. قليل من الماء قادر على تحويل الفضاء إلى بركة آسنة لا تستطيع شمس سبع نهارات تالية إزالة آثارها الخربة، تتسخ واجهات المباني مع إتحاد المطر بتلوث الهواء، وتستحيل الحياة جحيماً على الأرصفة وقد تحولت إلى جزء من جغرافيا طبيعية جديدة مختلة المناسيب.

يكشف الشتاء كل ذلك، لكن ربما لفرط قصره من عام لآخر، وربما لأن «القادم هو اسوأ غالباً»، يقول الأطفال الذين سرعان ما يكبرون: «طقس مصر معتدل، حار جاف صيفاً، دافئ ممطر شتاء، والظروف مهيئة لسقوط الأمطار». هكذا يرددون عاماً تلو الآخر خلف مذيع النشرة الجوية وفي حصص الجغرافيا.

..............

المستقبل| الاحد 28 ديسمبر 2008

Top