-->

إذا صح أن الكلمات تصنع ذاكرة الصور

هاني درويش

كيف يمكن أن تتوسل الآن انعكاس ضوء على تلك الجدران؟ هل تسمع حوائط البيوت الفقيرة، إذا ما دارت الكاميرا، همسك لها بأن تتجلى بطاقاتها الإبداعية، التي أرّقت لحظات المغيب اليومي من أعلى البناية التي كنت تسكنها؟ كانت الشمس دائماً وهي تنسحب في الأفق، ترمي بانعكاسها الشريحي على أتربة الطريق، بينما تبدو الظلمة في عمق الشاعر من أسفل. 

هل ينتظر مدير تصويرك المدلى بالكاميرا من على سطح البناية، حتى تترجم هاجسك البصري في ثانية؟ أنت المحدود بسقف أيام التصوير الشحيحة، آن لك أن تطارد مبالغاتك الشعرية عبر عين أخرى موضوعية، لا تتحرك إلا وفقاً لجداول إنتاجية محكمة. هل يمكن أن يخضع ما هو استثنائي تلخصه الكلمة بشاعرية، لانتظار لا يكلّ، خلف عدسة تبحث عن الصدق وهي متعجلة؟ نجري جميعا من noitacol إلى آخر، بحثاً عن الرؤى في أوجها النموذجي والافتراضي، في حين لا تلعب الصدفة دورها دائماً. كيف تستطيع أن تسجن سجالاً نفسياً لشوارع ووجوه، في أربعة أيام تصوير، وبمستلزمات إنتاجية ضئيلة؟ لماذا تضنّ عليّ الشوارع والأماكن، بما أرسبته بذاكرتي زمناً، تحت وطأة الإلحاح؟ لما تبدو "عزبة النخل" أماً جحودة لأبنائها الحقيقيين؟ هل لأن بطلك وبطلها، وهو ينهي سنوات مطارداته الطويلة، يندمج اليوم في الاعتياد ويفقد البريق الذي ألهمك؟ أم أن الحكاية الشفاهية ستظل ملكة متوجه للخيال، في مواجهة فقر الصورة عند الحديث عن الفعل الماضي؟ إن كنت تحكي عما كان، كيف تستنطق الوجوه لترى ما لا ترغب في رؤياه؟ حتى "إيهاب دوللي"، بطل الفيلم والعزبة التسجيلي، يبدو مهزوماً أمام الكاميرا، محطماً من البحث عن عدالة قياسية، تخص تلك الرومانتيكا الخارجة من زمن "اللص والكلاب". "إيهاب دوللي" الفيلم، أو "سعيد مهران" الحكاية المحفوظية، ابن ساحات المعارك الشارعية، حيث استردادك حقك بذراعك، خير من استكانة في مواجهة قهر لا ينتهي. "سعيد مهران"، الذي ينتظر وشاية أحد الخونة، يكبر خوفه من قنص بلا بطولة عند الانعطافة القادمة. دعنا قبل أن ينغلق بنا نفق الأسئلة عزيزي، نفتح آخره على الشوارع التي هجرتنا، على ساحات الطفولة في "عزبة النخل"، والتي ضمت بين جدرانها أصوات الحكاية، في مركز الشباب الضيق، وليل المهرجانات الكشفية في ليل المحطة الكابي تحت إضاءة الكلوبات، وفي الترعة القديمة التي كانت تفصل الفيلات، بإسفلت شوارعها، عن بيوت العائلات الجديدة، بطين شوارعها الارتجالية. غدا القطار، وغدت الفيلات أبراجاً كبريتية للسكن، وغطست بيوتنا في وحل المجاري الطافحة.

هل يحكي أهل العزبة الآن، مثلما حكينا قبل 18 عاماً، عن "سحر شامبو"، عاملة الكوافير الوحيدة التي أرقت ليالي مراهقة عشرين طفلاً، بشعرها المصبوغ بالأوكسجين؟ هل تصدق يا "دوللي"، إنها تجلس أمامي الآن محجبة في كرسي المترو قبل الإفطار، تتابع بعين كتاب الأدعية، وتنهر طفلها إبن الأحد عشر ربيعاً الممسكة به يد زوجها الملتحي. هي إذ تخرج مع المئات من أبواب المحطة المعدنية لا تجلجل في أذنها ضحكات وممازحات عم "عبد الله" العجوز، من خلف عربة البطاطا المشوية، الذي كان لا يترك فتاة دون أن يعاكسها. عم "عبد الله"، الذي كان علامة شارع المحطة، مات، مثلما انطفأت الكلوبات، وحلّت محلها جلجلة أضواء حمراء وخضراء، لمحلات الكشري باسم "الفتح المبين". كنا أربعة من طلبة الثانوية العامة في "عزبة النخل"، نلتقي أمام مكتبة "الباش مهندس"، لتبادل الكتب والروايات، واستئجار الجرائد بجنيه يومياً. تحولت المكتبة إلى مقهى سيراميكي، ممتلئ بسائقي عربات الميكروباص، ورحلت الروايات، مثلما رحلت أنت يا بطل الرواية.

هل تملك الكاميرا مفتاحاً، يعود بالزمن إلى الخلف، فتتشقق واجهات كابية، وتنهدم الأبراج، لينمو من تحتها الشجر الذي ألفناه في وسط فيلا "هاني إيلي"؟ كان طبيعياً إذاً يا "دوللي" أن تقتل ذلك البلطجي المسطول، إذا ما استوقفك ليلاً، فأنت البطل المقدر لليالي العزبة التاريخية، إذ أنت تعود ترى قانونك قد زال مع ردم الترعة، وسفر الأصدقاء إلى الخارج. هل فقدت حوارييك، الذين صمدوا ليالي معلقين كالذبائح، دون أن يعترفوا بمكان اختبائك؟ ماذا ستفعل الآن وأنت مطارد بخمس وعشرين سنة أشغال شاقة، لاعتداء على مساعد وزير الداخلية، بعد أن سقط وهم صعودك الطبي عند أقدام "الناس الأكابر"، كما تسميهم؟ هل تستطيع الكاميرا الآن أن تتسلل حيث الكمائن التي انتظرتك في "دمياط"، و"الملحية"، و"الجبل الأصفر"؟ هل ينطق مطاريد الجبل كيف آووك، ولماذا؟ هل لأنك "جدع"، كما يقول تامر الدسوقي، في مقابلة الفيلم؟ أم ستنفي عن نفسك أدوار البطولة، مثلما أنكر "إيهاب إيلي"، و"رامي محمد" عند حديثهم عنك؟ هل سينكرك هؤلاء الذين يمرون أمام الكاميرا مجهدين، كما ينكرونني، إذا ما تحلقوا حول الكاميرا وفاضت أرواحهم بالحديث عن المجاري، ومقالب الزبالة، وانعدام الأمن؟ أنت شربت وجه اللبن.. احتفظت بالقشدة لك وحدك. هل لأنك ترفض الانطفاء من دون ألق، لا يبدو مجداً في نظرك أن تتحول من مطارد إلى قتيل مجاني، على أبواب أقسام شرطتهم، وتتحدث عن الثأر، مثلما تتحدث عن العدالة، التي بتّ ضحيتها على الأوراق؟ أنت لا تؤمن بالورق كما أردفت في شهادتك، لا تؤمن إلا بذراعك الذي ينوء الآن تحت ثقل زواج، وانتظار لمسؤوليات أطفال، تحلم أن تربيهم خارج العزبة. هناك في الظل إحساس بالخوف يتسرب من التفاتاتك المواربة حين التصوير في شوارعك التي بت غريباً عنها. تحلم بأن تتوقف أرجوحة الحياة على الأرض ولو للحظة، كي تلتقط أنفاسك، وترفض الاستسلام. لكن احتمالات نهاية الحكاية المروية، تبدو مفتوحة، ولا نهائية. يبدو الواقعي فيها أن تسقط عند انحناءة مفاجئة، كعادة كل الأساطير اليومية، التي ما أن يلمع نجمها حتى يخبو، حتى قبل أن نتمنى أمنية، وربما لا يبقى في ذاكرتنا إلا لتجديد إيماننا الميتافيزيقي باحتمال الحلم.

.........

المستقبل| الاحد 14 نوفمبر 2004

Top