-->

100 دقيقة صباحاً : وقائع الطبوغرافيا والألوان

هاني درويش

حكمة الصباح ذي الخمسين كيلومتراً من السفر اليومي، (التي تقطعها من منزلك المحاذي للصحراء في منطقة "6 أكتوبر") كافية لاضطراب جهازك العصبي، وعمودك الفقري، أيها الصديق. بحكم اتفاقنا مبدئياً على تنازلي الكامل عن حقوقي الطبيعية في التذمر والسخط، وبحكم الألوان التي غدت تشكل حملاً ثقيلاً على كتفينا، والطوبوغرافيا التي تصبغ أحوالنا الصباحية، كيفما شاء الطقس وإشارات المرور والسرعة المطلوبة لاختصار زمن المائة دقيقة قدر الإمكان.

منذ إدارة مفتاح العربة، بعد أن ودعت نباتاتك اليابسة أمام البناية التي هي في مواجهة صحراء كلاسيكية. منذ ذلك الهسيس الأول لاندفاع البنزين، وصوت لاقط المذياع، وهو يضبط ذلك التشويش على مذيع لندن الصباحي. حين تترك أزرق جدران البناية، ليتسلمك وجه الصحراء الرمادي الأصفر، وحيث فجأة تتناصر دون مراعاة لأي أريحية، بنايات بألوان فاقعة، في حين تنازلوا لك، أنت الذي تواجه الصحراء عن الزرقة الفاقعة، يبدأ تساؤلك اللوني، عندما تتسلم ذلك الثعبان الأسود، الذي يبدو صريحاً وحاسماً لحدود الصحراء، يعلو أسود الأسفلت ليشق البصر، دون خدش، إلا ببعض النسمات المختلطة بأنفاس البشر صباحاً. فهل للبشر نسائم خاصة، حين تبحث عنهم في محنة الصباح اللونية؟ أم من حسن حظك أن الإقامة في مواجهة مدى بصري مفتوح، قد شذبت حاستين هما الشم والسمع، فيا لحكمة البراري الأولى.

لا تخدش مرة أخرى ثعبان الإسفلت الأسود، إلا ظلال بعيدة، لأعمدة إضاءة تركت سهواً لتدل على أن ثمة بشراً غير محتاجين للإضاءة المجانية في هذه القصور البعيدة. تطل تلك القصور كأشباح من خلف تلال الصحراء، لا تسمح لك حواسك إلا بالتقاط ألق أضوائها ليلاً ونهاراً، فيما هي تنتمي في أسمائها إلى مخيلة مستكشف أبيض، في صحراء أريزونا. كيف وهي بأسماء مثل "أكتوبر هايتس"، و"دريم لاند"، و"بيفرلي هيلز"، و"جاردينيا بارك"، حيث يسكن هناك من يشاركونك خدش اللون الأصفر للصحراء، واحتمالات الهواء البكر الآتي من الغرب. هنا فقط يتسع فضاء الكلمات للافتات تحمل أسماء حي الورود، والزهور، والنخيل، دون أن تملك الحق في أن تتحقق من تلك المعاني، إلا إذا اعتليت تلك الأسوار المحصنة، وتسللت دون أن تلتقطك كلاب الحراسة أو الأمن.

إذا كانت السرعة مناسبة، فقد تتسلم المشهد العمودي الممثل لمحور 26 يوليو، بعد سبع دقائق فقط من خروجك من مدينتك. ذلك الطريق الذي يسميه سائقو الميكروباص، "طريق الشهداء"، يمتد بصفاقة على هيئة كوبري لنحو عشرين كيلومتراً، يرتفع ويهبط، عابراً متتالية بصرية، ولونية محددة ودقيقة، فمن اتساع اللاند سكيب، للصحراء الصفراء أو الجيرية (الجير جيولوجياً علامة للبحر الذي كان ربما يغطي ذلك المشهد منذ ملايين السنين)، إلى ظهور تلال مزارع فواكه يقتحمها الهيكل المعدني للمحور، كما يسميه راكبو الملاكي أمثالي. يحف بجوانب الكوبري النخيل المميز لمزارع الرفاهية للطبقة الرأسمالية القديمة، أو كما كانوا يقولون في الأفلام الأبيض وأسود "أنا رايح العزبة"، تلك الطبقة التي ما تخيلت يوماً اقتطاع أرضها لصالح رأسمالية الصحراء الجديدة (هل مات حقاً الفنان أحمد مظهر كمداً على قصره الذي فجأة أصبحت السيارات في مواجهة نوافذ غرفه؟).

ينبسط المشهد في ما بعد القلاع الكلاسيكية للرأسمالية القديمة، فتنبسط على ضفتي الطريق جنبات الخضرة لريف المدينة الخرب، والذي عبره الهيكل أيضاً دون تعويض يذكر. تبدو المدينة في نهاية ذلك النفق المفتوح، بسحابات سوداء. أما إذا ضيقت النظرة من اللونج إلى الكلوز، فستقطع مجال الرؤية أمامك، تلك اللافتات الإعلانية، التي تحيط بالهيكل، مبشرة بخصوصية قصور ماي فير على بعد كذا دقيقة، أو برفاهية البي إم دبليو الجديدة، أو ما هو لون أحلامك على قائمة بويات يوتن. المشهد القريب حالم، فيما لو فكرت لحظة أن تجعل من الهيكل شرفة تتأمل أسفله، حيث تمر فتاة تحمل حملاً من البرسيم، فيما تسحب بيدها الأخرى جاموسة سوداء بلا شائبة. بينما يصعد أهلها جداء الهيكل متسربين كالنمل على قطعة الأسفلت السكرية، فالقوت اليومي تبدو أحلامه في القاهرة. ولأن حكمة اللون الأسود لطريق الشهداء لا تقبل القسمة الطبقية، فتسلح بالتجاهل المطلق لمشهد هؤلاء الذين لا يفهمون استحالة التقاطع الطبقي بين جلابيبهم الممزقة، واصطدام وشيك لعربة فور باي فور، فغالباً ما ينتج عن هذا الفهم المغلوط، خرق على جانب الطريق، ممتلئة باللحم المفروم، وخدش لا يليق فيّ كصدام سيارة يقودها مليونير يسير بسرعة تتجاوز الـ120 كم في الساعة.

يتمدد الطريق من الواسع الأفقي، إلى الهابط الرأسي، فيضيق كساقي امرأة عند دخوله حيز الكتل المختنقة، إلى حي أرض اللواء العشوائي، قبل أن يتسع مرة أخرى لينتهي بالزهرة المتوجة، ميدان لبنان، درّة حي المهندسين. قبل ذلك الوصف الطبوغرافي، ربما لا يسعفك الحظ لاختصار ذلك الزمن العابر لكل تلك الألوان، خاصة إذا ما تقاطع ذلك الزمن، مع اختبار الندية المفترض لطريق واحد يشاركك فيه نوعان من العفاريت الزرق. النوع الأول: هم عفاريت الإسفلت، سائقو الميكروباص، الذين يحسمون معركة للندية مفترضة وهم يطيرون من حولك بسرعة طائشة، فيما وجوه ركابهم، لازالت نائمة. يبدون نياماً، لكن لا يستفزهم في عبورهم الموازي لك، إلا مشهد زوجتك التي تحتمي بسيجارتها خلف الزجاج والتكييف، فيحمدون الله على الفقر، طالما بقيت الأخلاق. أما النوع الثاني من العفاريت الزرق: فهم من يهبطون عليك، بموتوسيكلات الحكومة، حين يظهر الموكب الذي لا يسمح بمشاركة الطريق. حين يمر ذلك الموكب، يكنس العفاريت الزرق الطريق لمسافة لا تقل عن عشرة كيلومترات أمامهم، ويتبعون استراتيجية دقيقة، فمن الهدوء والوتيرة الثابتة لاندفاع سيارتك، يهبطون عليك، كأنهم أبطال فيلم أميركي سخيف. يستفزوك ليفزعوك، بتشويحة يد، ويلقونك إلى جانب الطريق. هكذا تبدو النظافة والكنس. فيما يمر الموكب، تكون كل النقاط التالية إما معطلة عند التقاطعات، أو في حالة دفع جانبي عمودي، من قبل مئات من رجال المرور، الذين يخلون المحور كشق السكين داخل زبدة سائحة. حين تنحل العقدة، وتمر ويمر الموكب النظيف، وكما في حالات انسداد الشرايين، يمتد أمامك الطريق في زحمة لا نهائية، تقتل ما تبقى من صبر كنت تتمنى أن يتوزع على باقي معاناة اليوم. تهبط الآن ميدان لبنان، ذا الحديقة المسجونة خلف السياج، الذي هو جدير بسجن. يخرج الناس من الشقوق ليستعيدوا وقفتهم على الأرصفة، بعد أن زالت الغمة، فيما اللعنة والشتيمة دائماً مصحوبة بالنظر إلى ساعات الأيدي المتأخرة. تودع زوجتك عند الميدان، وتجري خلف ميكروباص مع العشرات، الذين يبحثون عن آخر فرصة للحاق، قبل خصم اليوم من الراتب. يتباسط السائق، وتتوحد مشاعر قهره مع الجميع، فيعلّق بلهجة مذيع النشرة الجوية، "رئيس الوزراء النهاردة في مجلس الشعب، والدنيا مقلوبة". وكأنه في اصطياد لحظي لعلاقة طردية بين معاناته المستمرة، والسادة الكبار. فيتحاشى مثلاً السير في طريقه المعتاد، فيتركك فوق "كبري مايو"، مستثمراً أي فرصة للهروب من بقايا اختناقات خط سير الموكب. يستقبلك وجه النيل، معكراً وصاهداً، فيما ينتصب أمامك مبنى الإذاعة والتلفزيون، ووزارة الخارجية، في استعارة إيروتيكية معمارية، وقد تناثرت أمامها، أعداد من طلاب الجامعة يصطخبون، وقد هربوا من دوام الجامعة، في انتظار باخرة تحملهم إلى القناطر الخيرية. عيون محملة بمواعيد للقُبل بعد ساعات، وألوان بهيجة ومفاجئة، تفتح مسام رئتيك بالكامل، عندما تصعد ذلك الأتوبيس، الذي يرتبط لديك بكل أشجان الطفولة. تتذكر فجأة أن هناك قيمة لعملة الخمسة وعشرين قرشاً. وتمر خلال عشرين دقيقة بمواطن تاريخك الشخصي: ميدان التحرير، حي عابدين، السيدة زينب، القلعة، حيث ولدت، وحيث تعمل الآن، ثم أخيراً السيدة عائشة. فيما تضيق المباني من حولك وتزدهر بألوان العرق البشري، المشارك لك في ازدحام الأوتوبيس. لا يقطع قراءتك الصباحية في مقعد الأوتوبيس غير امرأة بجلباب أسود، صحت مبكراً تسحب ابنتها من يدها لتصحبها لمستشفى الحوض المرصود، فيما البنت تبدو صفراء الوجه، ملمومة الشعر بخلقة مزركشة. ويفزعك هزّ الرجل الصعيدي المجاور لك، بجلبابه الأزرق، وعمته البيضاء، وسؤاله للمرة العشرين، عن الطريق إلى دار المحفوظات، بحثا عن ساقط قيده. أو حين فجأة يتوقف السائق، ليسحب الكمسري منديله الأصفر من قفاه وينزل ليشتري خبزاً ساخناً من أحد المخابز. فينزل معه عدد من الركاب، مصطفين سريعاً لشراء الخبز المدعوم، غير عابئين جميعاً بكلاكسات السيارات التي تعطّلت. وحين تصل إلى ميدان السيدة عائشة، تعلو وجوه الجميع طبقة رقيقة من الجير، فها هو يوم صنايعية الرخام يبدأ، وها هي روائح وأشكال الحمام البري والعصافير تفوح، فيما أنت تنتظر أسفل الكوبري سقوط عربة مقطورة مملوءة بالعسل، مثلما حدث في يوم ما. أزاميل وجلاليب وكلاكسات وتكتكات الوكي توكي، وصريخ باعة، وانتظار مشئوم. كم هو مستحيل ذلك الصباح، في تعقد ألوانه، ومعماره وعرباته، فيما لا يتجاوز زمن القتل الرحيم ليوم عادي مائة دقيقة، تأمل بعدها ألا تتكرر الألوان بتلك الرتابة كل يوم، وتصلي مخافة ذلك التأمل المربك، الذي تتوقع أن يدوم معكوساً في رحلة العودة.

............

المستقبل| 8 مايو 2005

Top