-->

"مصنع الرجال" وأرصدته الزائفة

شادي لويس  

كنّا في النصف الأول من العقد الماضي، بين العامين 2004-2005، لا أذكر على وجه الدقة. وبرغم الذاكرة التي أثقلتها أحداث الأعوام الست الماضية، فإن الأمر الذي كان حينها حدثاً جللاً، لاحقاً أضحى معتاداً إلى الحد الذي لا يستحق معه عناء التعليق أو مجرد الذِّكر العابر.

نشر حينها الصحافي والكاتب الراحل، هاني درويش، مقالاً كان مقدمة لسلسلة طويلة من مقالاته في نقد خطاب المؤسسة العسكرية، وموقعها في قلب سرديات الوطنية المصرية. حينها كان إنتقاد رئيس الجمهورية قد أضحى أمراً وارداً جداً، بل وربما بات يومياً في صفحات الجرائد المعارِضة والمستقلة. كان التخمين في شأن صحة مبارك وأمور شخصية أخرى متعلقة به وبأسرته، أمر أقل حدوثاً، لكنه متكرر أيضاً، إلى الحد الذي أصبح معه الطعن في الذمة المالية لأبناء مبارك وقيادات الحزب الحاكم وعائلاتهم، أمراً يثير القليل من التهيب في صالات تحرير الصحف المصرية. إلا أن الجيش ظل حدّاً محرّماً، لم يكن حتى من المتصور تخطيه علناً، ولو في مخيلة أكثر معارضي النظام راديكالية.

نشر درويش مقالته تلك في جريدة "المستقبل"، على ما أذكر. فتلك الميزة التي تمتع بها، أي الكتابة للصحافة اللبنانية، مكّنته من تحدي تابو الجيش، وربما أيضاً تصوَّر أن الأمر سيمرّ من دون أن يلاحظه أحد، أو على الأقل سيجتذب قدراً متواضعاً من الاهتمام. لكن، بعد أقل من أسبوع، كان درويش في ضيافة المؤسسة العسكرية، التي استدعته "لمناقشته" في محتوى مقاله الأخير. مرّ الأمر بسلام، بعدما تم توجيه النصح بلطف لدرويش باتباع العرف السائد، أي مراجعة إدارة الشؤون المعنوية قبل نشر أي موضوع عن القوات المسلحة.

لا أذكر على وجه الدقة أن كان قد تم استدعاء درويش بعد تلك الواقعة، مرة أخرى أم لا، أو إن كانت تلك هى المرة الأولى التي ينتقد فيها الجيش، أم كانت هناك سوابق لم تلفت الانتباه. لكن مابقى في ذاكرتي، نصائح الدائرة الأقرب من الأصدقاء، الذين لم يكتفِ بعضهم بِلَوم درويش على تهوره وتعريض نفسه للخطر، بل وذهب بعضهم، وبمنطق متماسك، إلى أنه وبرغم كل عيوب المؤسسة العسكرية، فإن الدفاع عن نقاء صورتها، أمر واجب سياسياً، لأسباب براغماتية بحتة. فتصوُّر أبناء المؤسسة العسكرية وأفرادها، عن أنفسهم وجيشهم، هو نتاج لتصورات المجتمع الأوسع عنهم، ولو بشكل جزئي. ففي النهاية تبدو أساطير الوطنية، مع زيفها، صِمَام للأمان، عبر تصديقها، وتحولها إلى مرويات ذاتية التحقق. كانت تلك الحجة وغيرها من الحجج الأكثر مثالية، تتذرع بخطاب وطنية الجيش، مُبرَّرَة لسبب بسيط وواضح هو حرص نظام مبارك على إبعاد الجيش عن الحياة المدنية بقدر الإمكان، والإبقاء على وجوده في مجالاتها في أحيان أخرى، مع الحد الأدنى من المرئية. لم يظهر مبارك، كسابقيه، بالزي العسكري، وتم إبعاد الجيش بالكامل عن ملف المعارضة السياسية، والذي تولاه جهاز أمن الدولة الشرطي. بل وحتى في أوج موجة العنف المسلح وتمرد الحركات الجهادية في الثمانينات، ظل الجيش بعيداً من المواجهات، التي تولتها وزارة الداخلية بشكل شبه كامل. هكذا، فإن تنزيه الجيش عن النقد، كان في نظر الكثيرين، مساهمة في إعفائه من التورط سياسياً.

لكن درويش، الذي قلما استمع للنصائح، سرعان ما عاد إلى انتقاد المؤسسة العسكرية، مرة تلو الأخرى. فبين عناوين عديدة نشرها، تظل الذاكرة محتفظة بـ"حين مات صائد دبابات 73 بالتليّف الكبدي"، وهي المقالة التى نشرها في ذكرى أكتوبر2008. إضافة إلى عنوان آخر لا يقل رنينه في الأذن حِدّة: "إعادة تعريف الوطن خصماً، وفق الرصيد الكاذب لمصنع الرجال" والمنشورة بعد الثورة في مايو 2012.

اليَوم، يبدو من الواجب تذكر درويش بفضل تلك الجرأة الاستثنائية التي تمتع بها، وبُعد النَّظَر ونفاذ البصيرة، وكلها مكّنته من إدراك موقع المؤسسة العسكرية في قلب مشهد التحلل السياسي في مصر وتفسخ مؤسساتها الحاكمة، وتمكن أيضاً من استشراف ما كان له أن يقع لاحقاً.

فالمؤسسة المتوارية، والتي جسدت أسمى قيم الوطنية والهوية الجمعية المعاصرة للمصريين، وكانت سِجلّاً لانتصاراتهم وهزائمهم، انفضّ خروجُها من الثكنات بعد إنهيار الشرطة في "جمعة الغضب"، عن مشاهد تعذيب المتظاهرين في ساحة المتحف المصري، وإقرار أحد قياداتها- الذي أصبح رئيساً للجمهورية - بلا خجل بانتهاكها لأجساد المصريات في وقائع "كشوف العذرية"، وعن مشاهد دهس مدرعاتها بجنون لأجساد الأقباط في "ماسبيرو"، وأخيراً تسجيلات القتل الروتيني والعشوائي في سيناء.

لكن ما سعى إليه درويش، أي كشف زيف التصورات "الوطنية" عن مصنع الرجال وفضحها للعلن، أصبح أمراً عصياً على الضبط. فماكينة الجنون التي انطلقت، والتي يبدو أنها خرجت عن السيطرة بالكامل، فقدت مع كياسة العصر المباركي، الراقدة على عمليات التحلل الدولتي البطئ، أشباح الوطنية الهائمة وسط خرائبها، وكذا أي مكابح للضبط الذاتي. اليوم، لا يكفي أن نتذكر نقد درويش كصوت نبوي فقط، كان له أن يرى ما لم يره غيره، وما رفض الجميع أن يصدقه حينها، بل كذلك العودة إلى قناعاته، بأن أي محاولة لاستعادة السياسة في مصر، أو خلقها بالأساس، لا تحتمل تحييداً لمعضلة الجيش على النسق المباركي، أي مجرد الاكتفاء بإخراجه من السياسة المباشرة. بل تتطلب حتماً تفكيكاً لأساطيره الوطنية وكشف زيفها واحدة بعد الاخرى، ومن ثم "إعادة تعريف الوطن"، من دون أساطير أو أرصدة زائفة.

Top