-->

تقادم هاني درويش

فاطمة خير

لا أكتب عمن أعرفهم بعد الرحيل.

ولا أكتب عن الأصدقاء.

لا أتقن فن الكتابة عما أو عمن مضى، فللموت جلالٌ أكثر حضوراً من الكتابة.

لكن "تقادم" هانى درويش، الذى حرض أصدقاؤه على جمع مقالاته ونشرها، في مبادرة لم يكترث هو نفسه لها – ربما لأنه لم يكن يعرف أن الرحيل سيأتى مبكراً -، ومبادرة "الكتب خان" بنشرها في طبعة تحمل عنوان "إنى أتقادم" وتشبه كثيراً "هاني"، بغلافها الذي يرصد القاهرة المؤلمة، ذات البيوت الفقيرة تقهرها البنايات الفارهة، ثم عنوان يتوسط الغلاف ليفرض حضوره المزهر على المدينة الباهتة، تماماً كما فرض هانى حضوره على المدينة التائهة عن ذاتها؛ كل ذلك فرض عليَ الكتابة في نخب صديق أكد حضوره بكتابات ترسخ للقاهرة بتطوراتها المذهلة، أكثر مما ترسخ لتاريخ جيل محظوظ فيه من نجا من هول القاهرة.

يتقادم هاني درويش مبكراً، يتقادم يوماً بعد الآخر، دون أن يشعر أحد ولا حتى هو ، يتقادم كلما تاه منه معنى أو محاولة للفهم، في سنوات هي الأعنف فى تاريخ مصر، تتقادم روحه، فيما يرصد عقله التحولات التى تشهدها القاهرة منذ الثمانينات وحتى رحيله، راصداً بكل قوة وعمق وألم، كيف لمدينةٍ مثل هذه أن ترزخ تحتها الروح، فيما لا تزال (الروح) قادرة على الاستمرار، في عالمٍ يدعوها للانسحاب يوماً بعد يوم.

انسحبت روح هاني على حين غِرة؛ لكن هل تفاجأ حينها؟.

ما بين برجوازية الجونة، وريفية عزبة النخل، وما بين الذكريات الحميمة فى المطرية ودفء وسط البلد، يتخلل هاني من خلال مقالاته - التي نشرها على مدى سنوات - فى القاهرة حتى الثُمالة، يقدم تأريخاً فريداً لمن سيأتي بعده، حول تفاصيل الحوارى والشوارع والبيوت والنفوس، وتجربة خاصة جداً حول الشاب الذى حلم بمنهجٍ يساري فنغصت أحلامه صعوده الاجتماعي.

إني أتقادم .. مسارات شخصية في أحراش القاهرة، كتاب يستحق القراءة أكثر من مرة؛ علنا ندرك - ككتاب وصحفيين - أن سعينا للرزق يخلف وراءنا ما هو أكثر من كلمات تنتهى صلاحيتها بصدور عدد جديد لمطبوعة، أو تنتهى مهمتها بالحصول على مقابل مادي، نحن وبكل ثقة نرسخ لذواتنا وهوياتنا ونؤرخ لزمننا ومدننا؛ عسى أن يعرف القادمون بعدنا من نحن. الكتاب يقدم تشريحاً يحمل بصمة كاتب لديه القدرة على التحليل – وما أندرهم.

أتدرون ما هو المُذهل في هاني؟ القدرة الحقيقية على جمع الأصدقاء، على إجبارهم على "الاحتفاء" بالرحيل ؛ فارضاً طقوساً احتفالية كلما حلت ذكراه ، مدشناً نهجاً جديداً فى التحايل على الفراق ، تماماً كما كان هو : مقبلاً بنهم على الحياة رغم احتفاظه برغبةٍ خفية فى الرحيل .

"هانى درويش (2013 – 1974 ) ولد في القاهرة، وتخرّج في كلية التربية جامعة عين شمس، عمل في بداية حياته المهنية مدرساً للجغرافيا، ثم ما لبث أن ترك التدريس للعمل الصحفى..."، هكذا يُعرف الغلاف الخلفي للكتاب بـ"هاني" ، لكنه لن يذكر أو غيره أعمق من ذلك، هاني.. الذي لعبنا سوياً صغاراً فى أروقة حزب التجمع، حين كانت أحلامنا أعلى من السماء، ثم دارت الدنيا فصرنا نحن سماءً لأحلامنا.

هاني.. هل كنا بالأمس هنا؟

............

دوت مصر| الأحد، 5 أكتوبر 2014 - 11:27 م

Top