-->

هاني درويش في موجة الكتابة العارمة

حسن داوود

فادي العبد الله، وهو واحد من ثلاثة أصدقاء قدّموا لكتاب هاني درويش، ووصف الأخير بكونه جبرتي القاهرة المعاصرة. كان هاني كذلك في ما خصّنا، نحن اللبنانيين. بل إنه سعى إلى أن أن يكتب، بعلمه ذاك، فصلاً عن بيروت، بادئاً بوصف طريق المطار، أي من المشاهدات الأولى لنزوله فيها. تلك الصورة للفتاة المستلقية بثياب البحر، مالئة إحدى اللوحات الإعلانية العريضة، أدخلها هاني إلى ذاكرتنا وثبّتها فيها، بتفاصيلها الصغيرة، على الرغم من أننا لا نذكر أننا شاهدنا تلك اللوحة فعلاً. ونحن، في السهرات هنا، كنا نقول له "إحكِ يا هاني، قل لنا أيضا كيف وجدت بيروت". تلك الرؤية الثانية لمدينتنا، على طريقة ما يقول المريض أنه يحتاج إلى رأي ثان من طبيب آخر، كانت تطمئننا إلى أنّ هناك أشياء مفرحة ما زالت باقية فيها.

من المقالات التي كانت تنشر له، هنا في بيروت، كنا نتعرّف على النسخة الأخيرة من تحوّلات القاهرة، تلك المدينة التي نحتاج، على الدوام، إلى تجديد معرفتنا بها. ذاك أننا نميل، أو تميل هي، إلى إبقاء صورها القديمة راسخة في أذهاننا. ونحن في الثمانينات مثلاً كنا نظنّ أنها باقية كما كانت في الستينات، بترتيبها ذاته الذي نقلته لنا أفلامها بالأبيض والأسود. يسري نصر الله، الذي كان يعمل صحافيا في بيروت آنذاك، عاد لنا منها آنذاك بما يقلب تصوّرنا عنها رأسا على عقب.

وكذا فعل هاني في ما خصّ ما يحتمل أن نسمّيه وجه القاهرة الأخير. وقف الجبرتي عند المشاهد العريضة التي حدثت في زمانه، على غرار الشهود الؤرّخين آنذاك.أما هاني فوصف لنا بالتفاصيل كلّ ما جرى حوله في تلك المدينة، كارهاً له، أو مستبشراً به، أو ناقماً عليه، أو شاعراً بذنب تحوّله عنه كما في وصفه لذلك المصيف الذي أعدّ ليكون مراحا للأغنياء والسائحين.

كان دائماً هناك في المشهد، في تلك الفوضى الكاسرة مثلاً، الوسخة، التي أحاطت بأبيه الراقد في غرفة المستشفى تلك. لا يُنسى أبداً ذلك الوصف الذي منه مثلاً قعدة المرحاض الأجنبي التي جُعلت كرسياً للجلوس، واتساخ الوسادة، وخطّ البلغم الممتد بين سريري المريضين، والكرتونة الفارغة لشركة "هايدلينا" التي وضعت ليمسح المرضى عليها أقدامهم. ولم يكن ذلك لمحض الوصف، فتلك الغرفة هي المصل الفاسد الذي يُعطى للوالد المريض، وللمرضى الستة الآخرين في الغرفة. بذلك التفصيل المتدخّل أيضاً روى لنا تلك المواجهة مع مندوب الشرطة التي أوصلته إلى كشف المكاتب العليا لأولئك الذين يمنحون التسوية،أو العفو، مدوّنا على ورقة صغيرة، بمساحة ربع ورقة .A4 ولنضف إلى ذلك التغيّرات الأكثر تفصيلية للأمكنة وبشرها المتحوّلين في واحد من مطافاتهم الأخيرة إلى كراهية جيرانهم ونبذهم. وإلى ما يصنعونه أو يتلقّونه من خليط الأصوات التي تجعل فضاء الميكروباص مشحونا بتيارات صخب متلاطمة. ثمّ تلك المتابعة لثورة مصر والتي ذهب بها إلى ما لم نقرأه في مكان، راجعا من ميدان التحرير إلى منبت هؤلاء وتواريخهم وثقافاتهم...

في زيارة لي إلى القاهرة، ودائماً كنت هناك معه، روى لي عيانا تفاصيل منطقة الجمالية، بناءً بناءً، وإسماً إسماً، وتاريخاً تاريخاً. أحسست أني حاضر، جسمانياً هذه المرة، بالبيوت الثلاثة في ثلاثية نجيب محفوظ وفي الساحات المطلّة عليها نوافذها. لا أحد يعرف مدينته هكذا مثل هاني درويش. هناك يستطيع أن يدلّك على بيوت ممثلي السينما السابقين، بيتاً بيتاً، وهو بدا محتجاً غاضباً على ما حلّ ببيت أحمد مظهر مثلاً.

تلك الرحلة معه، بدت لي، نبذة مختصرة عما كتبه عن بيوته القاهرية الثلاثة التي تنقّل بينها تباعاً منذ طفولته الأولى. لم يسبق لي أن قرأت في نصّ أدبي هذا القدر من الأسماء. لم يترك شيئاً، صغيراً أو كبيراً، من دون تسميته، لا أسماء الشوارع وأسماء التقاطعات والزواريب الصغيرة والبيوت بل أسماء بشرها وعائلاتها أمهات وآباء وأطفال، طفلاً طفلاً، حتى من أضيفت إلى أسمائهم ألقاب لم يغفل عن ذكرها. ولم يكن يقصد من ذلك التعدادَ وتمرين الذاكرة، بل لظنه، ولاعتقاده أيضا، أنّ الإسم يقرّب صاحبه ويستحضره ماثلا كما كان. وإن لم ينجح ذلك كثيرا مع من سيقرأ تلك السيرة المكانية، يبقى للكاتب حصّة استمتاعه بما يكتب.

تلك السيرة التي تقع في نحو أربعين صفحة من صفحات الكتاب، رواية داخلها ميل هاني العميق إلى وصل التفاصيل الخاصة بمآلاتها الإجتماعية. كلا الكتابتين حاضرتان بقوّة في هذا النصّ الذي ظللت أتساءل، فيما أنا أقرأه، إلى أيّ من إتجاهيه كان هاني يحبّ الذهاب، ذلك يعني أن يفكّر ماذا عليه أن يُبقي وماذا عليه أن يُهمل من مواهبه المتعدّدة الكثيرة.

"إني أتقادم- مسارات شخصية في أحراش القاهرة" كتاب لهاني درويش جُمعت فيه مقالات له، وهو كتاب أوّل ستعقبه كتب أخرى بحسب ما ورد في تقديم الكتاب الصادر عن "الكتب خان للنشر والتوزيع"، 2014.

..............

* الإثنين 06/04/2015   المدن

Top