-->

مسارات هاني درويش في أحراش مدينة عجوز

ياسر عبد اللطيف  

في سياق إحياء ذكرى رحيله الأولى، والاحتفال بعيد ميلاده الأربعين في الوقت نفسه، يصدر في القاهرة هذا الأسبوع، عن دار "الكتب خان"، الكتاب الأول لهاني درويش تحت عنوان "إنّي أتقادم – مسارات شخصية في أحراش القاهرة". كان درويش قد غادرنا بشكل مفاجئ العام الماضي، تاركاً فراغاً مؤلماً في نفوس كلّ من عرفوه، وعدداً هائلاً من المقالات، ومجموعة من الكتب لم تصدر.

والكتاب هو رحلة شخصية ومتشعّبة المسارات في التاريخ المعاصر للعاصمة المصرية، منذ لحظات التحديث الأولى، لحظة قرر محمد علي باشا خلق سجلّ للمواليد والوفيات، فأنشأ "الدفترخانة" – أرشيف النفوس المصرية، وحتى بشائر المُنعطف الحاد الموسوم بثورة يناير 2011. هي مقالات كان يكتبها درويش بانتظام في سياق عمله الصحافي، وفي القلب منها مقاله الطويل الذي كتبه لمجلة "كلمن" بعنوان "في استعادة ثلاثة بيوت قاهرية". كنص أدبي أشبه بـ "دراسة الحالة"، يتتبع درويش مسيرة عائلته منذ بداية رسوّها في القاهرة، قادمةً من قلب الدلتا شمالاً ومن أقصى الجنوب عند "وادي حلفا" السودانية، ورحلة انتقالات تلك العائلة عبر الأحياء الهامشية في العاصمة. يعاود الكاتب زيارة المحطات القديمة لهذه الرحلة مُستدعياً تقاطعات ذاكرته معها، مازجاً إياها بحكايات من تبقوا على تلك الأطلال من سكّان ومعارف قدامى، في سرد للتاريخ الخاص والعمومي لجغرافيا انفجرت أحشاؤها وتناثرت على الأطراف الخارجية لتلك المدينة العجوز.

وفي مقال آخر بعنوان "أين أضع رأسي بعد كلّ هذا الترحال" يدور الكاتب هذه المرة حول المدينة على مُحيطها الخارجي فوق "الطريق الدائري"، الذي يربط المحافظات الثلاث التي تشكّل إقليم "القاهرة الكبرى" ببعضها البعض. وتبدأ تلك الرحلة بغرض عائلي هو زيارة شقيقته. لكن هذه الزيارة البسيطة ستجرّ معها تاريخاً من الأسى على وضع عمراني متدهور، وعلى حالة مدينية كان يتصورها الكاتب في نفسه، لم تسفر سوى عن حالة تنقّل مستمر، من هامش حضري إلى آخر. ويحيل درويش بصورة مستمرة لكتاب جليلة القاضي، الباحثة في علم تخطيط المدن والمعنون: "التحضّر العشوائي"، مطابقاً، وبشكل هيغلي، بين رحلته ورحلة عائلته في المدينة، وبين تطور ظهور نمط السكن العشوائي فيها كما تشرحه القاضي في كتابها، ليصف نفسه بـ "ابن قرن من العشوائيات". ومع كلّ انتقال كشف جديد لأنماط اجتماعية وعمرانية ظهرت في غفلة من التاريخ الرسمي والمرويات الشائعة، وكشف لعمق جديد في الذات، أو كما يقول درويش نفسه: "تلك المسيرة، لا تعبّر إلا عن مصادفات قدرية شخصية كان لها الأثر في انشغالي الدائم بتحولات المدينة، لا كرقعة مسجونة على خرائط عمرانية، بل كمسار متداخل لحكاية واحدة متصلة ذات انقطاعات جبرية أو اختيارية، يصحّ لنا أن نتعامل معها كسردية متخيلة تحتاج الى سرديات أخرى متقاطعة لكشف منطقها الخاص، أو مشتركاتها الأعم التي ترسم جدارية شبه واسعة لمجمل التحولات السياسية والاجتماعية والنفسية لقاهرة القرن الماضي".

يبدو هذا المقالان عموداً رأسياً تتمحور حوله باقي مقالات الكتاب التي تناهز العشرين مقالاً في ما يشبه اللقطات التي تكشف عن مقاطع عرضية من سيرة المدينة نفسها، في نوع من تلك "السرديات الأخرى المتقاطعة" التي كان يقصدها درويش في الاقتباس أعلاه. ففي النص المُوجع والمعنوّن: "عن مصر المريضة... رسالة إلى آدم درويش"، يدخل الكاتب إلى العالم المُخجل لمستشفيات التأمين الصحي في مصر، مع والده الذي كان يحتضر من مضاعفات التهاب الكبد الوبائي، فنرى انحطاط الطب والاستشفاء كجزء من مسلسل انهيار الخدمات العامة، في مشاهد كابوسية حيث "الممرضين في الخارج منهمكين في اقتسام وجبات المرضى بينهم. مفاوضات شاقة على قطعة من صدر دجاجة، أو ثمرة جوافة عطنة"، أو حيث "لا يجد المريض القبطي حلاً سوى البصق على الأرض. بلغمه يتمدد في المسافة الفاصلة بين سريره وسرير الجد. يقوم مريض أقصى يسار العنبر وهو يحمل قسطرة البول ويمشي حافياً الى الحمام خارج الغرفة. اعلم أنه لا حياء في العلم... ولا في السلخانة أيضا"، يقول درويش الابن موجّهاً الكلام لإبنه عن أحوال احتضار جده في مصر المريضة.

أو هو يسترجع بالكتابة ذكرى يوم عادي، قضاه منتظراً على أحد أرصفة شارع "قصر العيني"، ذلك الشريان الذي يربط جنوب المدينة بوسطها، ريثما يجيء موظفو مكتب الجريدة التي يراسلها، فيتحصّل على شيك مكافآته. وفي الانتظار، الذي هو فعل قاهري بامتياز، يتفكك ذلك النهر الهادر من البشر والمركبات، والموازي لانحدار نهر النيل ذاته من الجنوب للشمال، إلى حكايات صغيرة يلتقطها الكاتب ليملأ الوقت الضائع بهوايته الأثيرة في التحليل الثقافي والسوسيولوجي للبشر والأزياء واللفتات، وذلك في إطار الحكاية الأكبر: الصحافي المفلس الذي ينتظر نقوده على شاطئ "النهر الجارف لشارع قصر العيني".

أو هو يترقق قليلاً ويفصح عن وجهه السنتمنتالي، مستعيداً صورة المطربة الراحلة "وردة التي أنهكتنا حباً وعذاباً" في واحد من مقالات درويش الأكثر تفضيلاً لدى قراءه القاهريين ومحبيه. يسترجع فيه طقوس الاستماع المنزلي، وقصة الحب الأسطورية بين المغنية الجزائرية والملحن البوهيمي المصري، بليغ حمدي، وأغنياتهما التي كانت تتوالى في المواسم فينتظرها المصريون في سبعينيات وثمانينيات القرن الفائت، ومن بينهم الدسوقي بدر درويش، القيادي العمالي اليساري، المثالي والرومانتيكي الذي أورث ابنه هاني، ضمن ما أورثه، "الماركسية كعلّة لا رجاء في الشفاء منها".. وحب وردة.

كُتبت مقالات هذا الكتاب بشكل منفصل، وعلى مدى يزيد عن خمس سنوات. لكنّ وعي هاني درويش التاريخي، ووجهة نظره الفريدة تنظمها في سياق مشروع واحد لكتابة سيرة للمدينة، في ربيعها وخريفها، من داخل أحشائها، ومن على تخومها الخارجية. وبعين الجغرافي، الذي حوّل جسده نفسه في النص الذي يحمل الكتاب عنوانه إلى "جيموفولوجيا للجلد والعظم والعضل"، وبروح تجد صداها في أدب التسعينات المصري، حيث "الكتابة بحركة الجسد" كما كان يسميها الشاعر علاء خالد. ويُنتظر في الفترة المقبلة صدور باقي أعمال هاني درويش تباعاً، وعلى رأسها كتابه الهام عن الثورة في برّ مصر.

(*) دعت دار "الكتب خان" للاحتفال بصدور كتاب هاني درويش، "إني أتقادم - مسارات شخصية في أحراش القاهرة"، السابعة والنصف مساء الأربعاء 1 تشرين الأول/أكتوبر في مقر الدار في القاهرة. وذلك بمشاركة الكتّاب محمد شعير، وائل عبدالفتاح، زينب خير، وعبدالحكم سليمان.

 ...............

الإثنين 29/09/2014

Top