-->

Umshini Wami ... احترقنا يا رفيق، لترد لي ال AK-47

محمد عز الدين

غريبة جداً، موت مانديلا و الجنرال كلاشينكوف فكروني بهاني درويش الله يرحمه ...

تحديداً بلقاء حصل بالصدفة في تونس في مارس الماضي أثناء المنتدى الاجتماعي العالمي. كنا في شارع الحبيب بورقيبة اللي شهد صرخة الخلاص "بن علي هرب، بن علي هرب."

يومها (مارس 2013) لمحت هاني وسط أفواج بشرية من كل حدب و صوب، رحت قلت له: هي المراجيح فين لو سمحت؟

بعد شد و جذب سريع و ضحك مبحوح، كعادتي، دخلنا في وصلة سخرية هيستيرية من كل شيء حولنا، و كان هاني من الأشخاص القليليين اللي بيخرجوني عن تحفظي في الحكم على البشر وفي السخرية من نفسي و من مسلماتي.

ما عتقناش طوب الأرض، تريقة على الكل بداية من الوفود المشاركة في المنتدى و منهم واحد كان المفروض إنه زعيم قبيلة من السكان الأصليين في البرازيل (لابس تاج من الريش الطويل). هاني قال لي تخيل لو المسيرة دي ماشية في القاهرة، أطفال الشوارع ممكن يوجبّوا ازاي مع الإنسان ده؟ أكيد هايشهر إسلامه و ينتهي بيه الحال بياع طعمية في الضاهر!

...

كان الهواء عليلاً و نسيم أشجار الياسمين يفوح على الوجوه المجهدة القادمة من القاهرة،

سألني هاني: سامع النغمة الموسيقية يا بريكس

مش سامع حاجة الصراحة، غير هتاف غني يا سمسمية

يا ... هاتعيش و تموت فقري، ياض انت مش هاتبطل و تعقل وتكتب لك كلمتين و تصاحب و تفكك من البكابورت اللي انت غاطس فيه ده

شجون و الله يا برنجي، شجون، انت عارف يا هاني تونس بتفكرني بمصر في الخمسينات

خمسينات ... يا بني تونس بتفكرني بمصر في المستقبل

...

استمرت السخرية من المسيرة التي تعج بالكفحت و من صور بشار و صدّام التي أصر بعض المشاركين على حملها

انضم لينا جيمي هود و زيزي خير و رشا الأطرش و كملنا مشي و تريقة

في النص لقينا حمدين صباحي، بضحكته بوشه بشعره بكرامته و خدوده و دبادبيو، ماشي في مسيرة و حواليه المعجبين

جيمي راح قال له أووستاذ وائيل الإيبراشي، شاشة دريم منورة و المسحف

...

سخرية من أنفسنا و من الكفحت حتى الثمالة، لغاية ما عدت من جنبنا مسيرة صغيرة لمجموعة نشطاء من جنوب أفريقيا، بيغنوا و يرقصوا بشكل مبهج في الشارع، انضم ليهم جيمي و هاني

لسه فاكر الطريقة اللي كانوا بيضحكوا و بيغنوا بيها، خاصة الهتاف اللي بيقولوه "شينوا، شينوا"، هكذا سمعتها

الطريف إننا سخرنا من الكفحت وفي نهاية اليوم اكتشفنا إن الأغنية اللي بيقولوها بتقول "سلفني بندقيتك"

قال لي: مبسوط يا فقري، الكفحت ورانا ورانا

رديت مبتسماً من المصادفة: ما فيش فايدة يا شقيق

...

نسيت تونس و الأغنية و البندقية، بعد وفاة هاني في يوليو الماضي

حتى محاولاتي للبحث عن كلمات الأغنية او أي فيديو ليها باءت بالفشل

لغاية ما حضرت تأبين لمانديلا من أسبوع وبدأ الحضور في ترديد الأغنية لأكتشف إن معانها بلغة الزولو: سلفني الكلاشينكوف بمعنى أدق اعطني ال AK-47

كان مناضلي المؤتمر الأفريقي بيهتفوا بيها ل "ماديبا" في سجنه

و غناها جاكوب زوما- رئيس جنوب أفريقيا- بنفسه لمانديلا في مؤتمر كبير

..

تأخرت كثيراً يا هاني، لأسباب لا أعلمها ... ربم تكفي كلمات أميري بركة" تخيل أن الحزن آلة للزمن"

...

صداقتي بهاني كانت مشحونة طول الوقت بمشاعر الحب و الرفض، بسبب صراع الأجيال ... من يعرفني يدرك مدى تحفظي و مرارتي من تجربة جيل التسعينات و لتعذروني في التعميم! انفجر  هذا الصراع بعد شهور من الثورة و تحديداً في ربيع 2012 مع معركة الانتخابات الرئيسية و اللي شهدت خناقه عاتية بين هاني و واحد من أعز و أقرب أصدقائي.

في طوشة الصراع بين العسكر و الإسلاميين، تحول الكثير من رموز التسعينات إلى "أشياء مدنية" لا تستطيع القبض على قانون اللحظة و تحسب أن غيضاً من الاستقرار و من الحقوق الشخصية كفيل بختام يليق بمسيرتهم، وصل الأمر أن بعضهم كان يدافع عن تهاني الجبالي و القضاء المصري ...

كنت أرى- في تلك اللحظة-  أن هذا الموقف هو محاولة لانقاذ رهاناتهم السابقة، فالثورة أخرجتهم بالعافية من الحالة الوجودية التي كانوا فيها ... و أربكت رهانهم على نهايات السرديات الكبرى و اعاد تعريف السياسة لتتركز على الشخصي والجسدي و الخاص و الكتابة.

مرة أخرى لتعذروني في التعميم

 كان هاني كان من الاستثناءات القليلة لموود التسعينات ... كلماته و جمله المشحونة بالرغبة و الدهشة و و الفوضى اللي بنتبثق بعنف على الورق، تتحول إلى رقص و غناء في شوارع تونس و إلى طاقة أمل في لحظات الجذر و إلى سياسة أصيلة تقف على حافة الكرنفال الانتحاري اللي بنعيشه

...

قبل موت هاني بفترة وجيزة، بدأت في مراجعة موقفه و في إعادة التفكير في صراعنا مع جيل التسعينات

تمردهم كان على أبوية دولة ما بعد الاستعمار و على وطأة أدب الستينات الملتزم و سلطوية المثقف الضمير

الأب الذي تمردنا عليه نحن كان مختلفاَ ... لأننا ولدنا في مرحلة تفككت فيها معظم منجزات الناصرية

كانت تجربتنا على موعد أب مستعار هو جيل السبعينات "الجيل المحروق" بتعبير أحمد عبد الله رزة

..

صحيح إن جيلكم كان أكثر إسهاماً – أدبياً و معرفياً - مننا بكثير ,,, بس المقارنة بين الجيلين لا ينبغي أن تمر من باب الشماتة، لأن على أيامكم كان لسه في حاجة تقاوموها ، و إحنا يا عم قاعدين في الطل و انت شايف و عارف و مجرب ...

...

أخيراً يا صاحبي، المزايدة ظلم !

مش هاقول إن خياراتكم اتهزمت أو رهانكم خاب،

أنا نفسي لا أدري إن كان رهاني على استكمال الثورة و الاحتراق في الموجة لزفرة النفس الأخير، خيار صائب أم لا

هكذا أحسبنا على الجانب الصحيح من التاريخ !

وعسى الله أن يعفينا ويكفينا من مرارة الأب المستعار

...

كل اللي أقدر أقوله ليك و انت واقف على حافة هذا الكرنفال الانتحاري

احترقنا يا رفيق، فلتعيرني ال AK-47

..

فيديو للأغنية المذكورة في تونس، ويظهر هاني في الخلفية

https://www.youtube.com/watch?v=-yJ4bKcnqDk

جاكوب زوما يغني لمانديلا "أعطني بندقيتك

https://www.youtube.com/watch?v=ZzU3XrL4m2I

http://www.finalcall.com/artman/publish/article_6044.shtml

الجنرال كلاشينكوف

http://www.nytimes.com/2013/12/24/world/europe/mikhail-kalashnikov-creator-of-soviet-era-ak-47-weapon-is-dead-at-age-94.html?_r=1&adxnnl=1&adxnnlx=1387999900-4Lc9OVK/l5+ZKB5k4IvUGg

الله

.............

نقلا عن فيس بوك| 25 December 2013 at 23:33

Top