-->

عن حزن يتراكم حتى يكاد يقيم - رحيل هاني درويش

هلال شومان

أحاول أن أستعيد اللحظة التي تعرفت فيها على هاني درويش للمرة الأولى. وأنتبه أني عرفته أولاً بلا وجه عبر كتاباته في “نوافذ المستقبل”. كنت أظن أنه يعيش في لبنان، فكتاباته كانت متطبعة بروح الصحافة اللبنانية. كان ذلك قبل أن تخلط هذه الشبكة والمواقع الوليدة كل شيء، ويصبح هذا التوصيف مقيمًا في الماضي السحيق، وهذا أحسن. (الآن أقرأ أن أحد أصدقائه كان يتندّر عليه بوصفه “المستشرق اللبناني”)

لقائي الثاني مع هاني كان عبر التلفزيون. أظن أنه كان عبر قناة الحرة. لست أكيدًا. ظهر يروي علاقته بموسيقى وأغاني زياد رحباني. كان ذلك منذ أقل من عشر سنوات. أخذ يتحدث عن أعوام جامعته. عن قصص حبّ وثقها بالأغاني. وعندما شاهدته على الشاشة قلت آنذاك: هذا يشبهني. هذا يملك أشياء مني. وأني سألتقيه يومًا ما.

ثمّ عدنا والتقينا عبر فايسبوك، وعرفت له تعابير وجه خارج ذلك اللقاء التلقزيوني، والتقينا شخصيًا في القاهرة.

الوقت مع هاني مطاط. فنحن لما تواعدنا على الالتقاء في المقهى قرب تمثال أم كلثوم للقاء ساعة وطال الوقت حتى جلسنا ما يقارب الساعات الثلاثة. ساعة إثر ساعة، وفنجان قهوة إثر آخر. دخل بنظارته الشمسية، ثمّ انتقلنا للجلوس في الخارج، في الشمس. تحدث عن جيل التسعينيات والجيل اللاحق. عن أشياء لم أكن مهتمًا بها قبل اللقاء، وانجرفت معه فيها خلاله. ذكر حسن داوود ويوسف بزي ومحمد أبو سمرا ووائل عبد الفتاح وإيمان مرسال، وهيثم الورداني، وياسر عبد اللطيف. تحدّث بحماسة عن ديوان إيمان الذي لم يكن قد نشر بعد (الذي لولا خيار انتظار النشر لوزّع قصائد ديوانها الجديد على جدران أصدقائه على فايسبوك، قال). أغرق في كلام الود والحب عن حسن داوود. كان يعتبره أباه الروحي، أو على الأقل هذا ما حدسته من تفاصيل كلامه. ورغم علاقاتي بمن ذكرهم هاني كانت تتفاوت بين معرفة بعضهم، والتقاء بعضهم، والصداقة على هذه الشبكة وعبر الكتب، فإنّ هاني كان يملك القدرة على استحضار الأشخاص وإجلاسهم معك على الطاولة حتى تكاد تعرفهم أكثر، أو تصير تعرفهم منذ زمن، وتكاد عندما تلتقيهم للمرة الأولى أن تتفاعل معهم كأنك عرفتهم منذ الأزل. بمعنى ما، كان هاني محفّزًا. كان نائبًا عن الجميع. يتكلم بلا هوادة وبحماس. يربط العلاقات ويغلق الدوائر. ينظّم قطع الأحجية. كان هاني موجودًا على حدود كل الدوائر التي تختلط وتتباعد.

وعندما التقينا في الكتب خان لتوقيع الكتاب أنا وربيع. شددناه حتى قدّم لندوة الكتاب بلا تحضير مسبق (تقليد لم نعتده في لبنان). كان هاني قد “فصفص” الرواية قبلها. كان له رأيه في محترفات الكتب والتصنيع والرسوم وإعادة الإنتاج وفي تفاصيل كثيرة. ولم يكن يأبه أن يقول لك كتابك هذا أحسن من كتابك هذا، وهنا فعلت هكذا، وهنا تطورت في هذا. كان يقول لك كل ما تود سماعه فعلًا. كان يملك الطريقة لقول كل ذلك مع إشعارك بأنك ينبغي لك أن تسمع ذلك وتقتنع به، وغالبًا ما كنت تقتنع بمعظمه.

والآن، إلى الاحتفال، قال وقتها بعد اللقاء. إلى استوريل. أقلنا في سيارته. عبر بنا ميدان التحرير بفوضاه آنذاك. حتى وصلنا إلى تلك الطاولة التي جمعت كل الأصدقاء.

كان الموت مخالفًا لطاقة هاني. ربما لهذا صعقنا. أو ربما لهذا صعقنا لهذه الدرجة. نصل الموت دائمًا بانحسار الطاقة ونجزع عندما يخطف من يملك الحبور الدائم.

وهذا الحبور الذي كان يملك رغم طاقته المشعة شيئًا من حزن دفين. شيء أشبه بأغاني وردة التي أحب هاني. وردة التي كان على علاقة خاصة بأغنياتها من بيت أهله حتى بيته هو.

هاني الذي كان يبث حبوره من على بعد أميال، ويترك حماسته وراءه، قد لا تحتاج لأن تقابله أكثر من مرات معدودة حتى تعد نفسك صديقًا، وينتزع من قلبك مساحة أبدية.

بس إيه رأيكم في العفن؟ إيه رأيكم في اليأس؟ كل ما نوصل للحظة صفر القاع الوجودي، نطلع من العدم بأمل"، كتب هاني.

لكن مذا نفعل بكل هذا الحزن الذي يتراكم يا هاني؟ موتًا إثر موت، وصدمةً إثر صدمة. ماذا نفعل بالموت الذي يلامس دوائرنا ويشخصن كل مشاكلنا؟ ماذا نفعل بطاقتنا التي باتت تذوي بسرعة بعد تراكم وتعاقب كل هذا؟ نحن إذ نرثيك نكاد نكون نرثي أنفسنا، وخوفنا من أن الأشياء التي نفعل لم تعد تكفي لندفن فيها كل هذا اليأس المعاد.

.............

مدونة Nostalgic Story Teller

Top