-->

مقدمة لفقد طويل

هيثم الورداني

*إلى هاني درويش «صحفي مصري وناقد ثقافي، مواليد 1974، ناضل من أجل حرية الصحافة عبر دعم تجارب عديدة في مصر وخارجها كصحفي مستقل، توفي في أغسطس الماضي

هناك نقطة غير مرئية على كل مسار، الوصول إليها يجعل ما بعدها لا يمتّ بصلة لما قبلها. لا يمكن البتة التنبؤ بما سيحدث عندها. وما سيحدث عندها لا يمكن التراجع عنه. هذه النقطة ليست نقطة النهاية، ولكنها النقطة التي يهرب فيها المسار ويستحيل إلى مسار آخر. وهنا مكمن الرعب، فلاشيء يكتمل عندها، ولا شيء يصل إلى مستقره، وإنما هناك أشياء تحدث فجأة لأول مرة، وأخرى لآخر مرة. هذه النقطة غير قابلة للفهم. كيف يمكن فهمها وهي بالضبط ضد الفهم؟ هي تصدُّع الفهم وانهيار أبنيته المنطقية فوق رأسه.

لبس هدوم السفر وجاني البيت يودعني

وده بكا وبلّ المحارم قولتله إيه يعني

هو البكا صنعتك

هو البكا صنعتك ولا دلع يعني؟

وده قاللي لا البكا صنعتي ياعيني ولا حد دلعني

إلا كلام العوازل يا عيني دا مُرّ بيوجعني

الأجساد التي تسلكها المدن مجبولة على التسارع. كلما زادت سرعتها داخل المعجّلات الكبيرة كلما زادت فرص بقائها. لكن سرعة الانضباط المديني تبقى نسبية مهما زادت. فهي تقوم كل مرة على الشحذ المقنن للجسد البطيء حتى يتجاوز سرعته السابقة. كل سرعة تُنسب إلى سابقتها. شريطة أن لا تزيد طاقة الشحذ عن حد معين، فالغرض هو دوما رفع كفاءة المعجلات فقط، لا إيقاف العجلة الدائرة. أما السرعة المطلقة فلا تنتمي لهذا العالم. فهي لا تحدث بالتدريج وإنما تضرب فجأة كالقدر. السرعة المطلقة ليست ارتفاعا في المعدلات، ولا زيادة في النسب، ولكنها قفزة بديعة إلى المجهول. الأجساد التي تصعقها تلك السرعة تلمع كالشهب ثم تحترق. ومن لم يحترق منها يُصاب بالذهول لما رآه. يظل هكذا حتى تبطأ سرعته تدريجيا ويعود إلى عالمه النسبي المعتاد. عندها فقط سيبدأ في التأقلم مع ما حدث، وسيدرك أنه نفسه لم يعُد سوى ما تخلّف عن هذه القفزة البديعة.

القلب اللي انجرح مين غير الحبيب يداويه

أنا جربت كل الدوا مالقتش فايدة فيه

قالولي وايش دخلك بيت عدوك

قلت حبيبي فيه

الصدمة هي كسر مزدوج للإرادة. كسر سريع ومباغت لمن غيبته الكارثة، وكسر بطئ ومأساوي لمن بقي. المفجع أن تقاوم الصدمة وترفض التصديق وأنت تعرف تماما أن ما تفعله هو عبث. أنت تخوض معركة وأنت تعرف أنها ليست معركة. إنها مجرد حائط صلب سقط من السماء ليقطع عليك الطريق، ومحاولاتك المتكررة لنطح هذا الحائط محكوم عليها دوما بالفشل. الحائط ليس موجودا لكي تدخل معه معركة من أي نوع، ولكنه موجود فقط لكي تنكسر إرادتك أمامه بالتدريج.

يا قلبي صبرك على الراح ولا جاشي

مراسيل وجوابات والرد لا جاشي

أمانة يا جميل أنا فاكرك ماتنساش

أنا أطلب من الله الصبر وطولة البال

للي غاب عني سنين ولا جاشي

كنا ثلاثة وحوش مدرّعة تقف بقامتها الطويلة في سهل فسيح، وتنظر إلى تلّ أمامها بترقب. المعركة دائرة داخل التل الصغير ولا نستطيع رؤيتها، لكن أصوات تفجيراتها المكتومة وآهاتها المفجوعة كانت تصل إلى آذاننا. كنا نعرف أن رابعنا يخوض هذه المعركة المحتجبة وحده، وأن لا شيئ بأيدينا يمكننا أن نفعله، سوى أن نأمل في أن يتماسك. طالت المعركة ونحن نحوم بحذر حول التل، ونعبث بدروعنا وأسلحتنا البلاستيكية، في انتظار أن يصعد القتال أخيرا على السطح من نقطة ما. عندها سنتمكن من التدخل بالتأكيد لصالح صديقنا وإنقاذه.

أنا سبع سنين باعشقك يا عيني

أنا تمن سنين باهواك انا انا

أنا تسع سنين باكتبك وانا وانا

أنا عشر سنين باقراك وانا وانا

من فوق شواشي الجبل يا ناس ده انا ده انا ده انا

بين النكتة والكارثة شعرة دقيقة. بين ذروة الهزل وقاع الخراب فارق طفيف. كلاهما انفجار غير متوقع. كلاهما جوهره الصدمة. النكتة لا تصبح مضحكة إلا إذا كانت مفاجئة وغير متوقعة، والكارثة فاجعة لأنها مباغتة، نقف أمامها عاجزين عن التصديق. لابد أن الضحك والبكاء ينبعان من الجذر نفسه، رغم تعارضهما الظاهري. بنية الصدمة مرحة وكارثية في الوقت نفسه.

عيني ع اللي مال بخته ولا حد حاسس بيه

مادقش طعم الهنا والمر حاسس بيه

وده راح لشيخ عالم يحكيله على اللي فيه

قاله عليك بالصبر ده الصبر أحسن دوا

للي فؤاده انكوى ولا حدّ حاسس بيه

ملامحها الغائمة كانت مثيرة، لكنها كانت تقوم بأمر مقلق للغاية. فهي كانت تسعى إلى استخدام سخّان الماء الكهربائي في توليد انفجارات محسوبة لكي تطبخ عليها. كانت تبتسم إلينا، وتغمر يديها داخل جسم السخان الذي نغلي فيه عادة ماءً للشاي، لتعبث بثقة في الملف المعدني والأسلاك الكهربائية. ونحن ننظر إليها في هلع، نحاول استباق صوت الانفجار الآتي لا محالة. نحاول عبثا التنبؤ بلحظة الانفجار القادمة قبل أن تكتسحنا موجتها العاتية.

من بعد نوم العلالي يا بلح

نيموك على الخوص يا ما جرالي

من بعد نوم العلالي يا بلح

نيموك على الخوص يا ما جرالي

والله لاجيبك برضاك يا بلح يا ما جرالي

والله لاجيبك برضاك يا بلح يا ما جرالي

واطلّعك فوق قصر عالي يا بلح

برمعميت سلم يا بلح

وكل سلم عليه بنت بتوحد الرحمن يا حلالي يا رطب

عندما يبترون أعضاءنا تظل تشخب دماً. وعندما يتوقف النزيف، ويخيطوا لنا أعصابنا المهترئة ويغطونها بما تبقى من لحمنا، نظل نشعر بالألم. الأعضاء المبتورة لا تختفي أبدا حتى بعد أن يدفنوها، ويظل ألمها حبلا سريا يربطنا بها. بعد سنوات طويلة، وبعد أن نكون قد ظننا أننا قد نسينا وشُفينا، نشعر بحكة صغيرة في المكان ذاته، نمد أصابعنا نحو أعضاءنا الغائبة، فنلمسها، ويعود الألم صافيا وشفافا. ليس هو الألم الأول نفسه، بل آخر يزداد صفاءً ونقاءً في كل مرة. حتى نصل في يوم إلى جوهره النقي، جوهره الخالي تماما.

جمل المحامل برك

وشمتوا العدي فيه

والعين بتبكي ندم

هو الندم يشفيه؟

كنتَ تحمل في يدك شيئا داميا. قطعة صغيرة داكنة تشبه "اونصة الدجاج". كانت أصابعك تقلبها بهدوء وأنت تفحصها، والدم يسيل على معصمك. ثم جلست واختفت الاونصة. كنت تتحدث ببطء على غير عادتك، وتتوقف عندما تسعل. بعد كل سعلة كنت تلتفت يمينا أو يسارا في صمت، ثم تعود مرة أخرى إلى الحديث. عقب كل سعلة كان وجهك يتغير، وكانت لغتك تزداد استغلاقا. عقب كل سعلة كنت تعود شيئا فشيئا طفلا. فيفقد وجهك تضاريسه وتجاعيده ويصبح مستديرا كالبدر، وتفقد لغتك منطقها، وتعود إلى الأصل الذي نبعت منه.

جمل المحامل برك

والعاشق اللي انكوى

واحتاروا الاطبا فيه

ده انا ندرٍ عليا يا زمن

لو اتعدل حالي

افرش طريق الأمل

وبالأمل امشيه

كم مرّة قامت الحياة بذلك؟ وكم مرّة ستقوم به من بعد؟ إذا جمع المرء كل هذه المسارات المعطلة ووضعها بجانب بعضها، ثم فحص جيدا البقعة التي تلفت عندها، وتأمل التضاريس التي نشأت عن ذلك التلف، ثم حاول أن يوافق بين هذه التضاريس، ويصل الأعمار المقصوفة عند أماكن انقطاعها، عندما يقوم بكل ذلك أية ماكينة سيراها عندئذ تنتصب أمام عينيه؟ لابد أنها لن تكون ماكينة جادة أو حاذقة، بل ستكون ماكينة مرحة ومبددة. فهي لن تكف عن التلعثم، ولن تتوقف عن تغيير اتجاه حركتها شكل مفاجئ. ستتدفق فيها طاقة الحياة  بإيقاع الألم الكامن، وسترقص كنوبة صرع لا تنتهي.

احترت من البغددة واحترت من بختي

إن كان نصيبي كده أنا هارضا بنصيبي

والحلو لو يبتسم راح ينعدل بختي

كنا ننقل كراتين لا تنتهي من سقط المتاع إلى الطابق العلوي. نهبط كل مرة إلى باحة الطابق الأرضي، نحمل الكراتين التي لا نعرف ما الفائدة من محتوياتها، ثم نصعد إلى الطابق العلوي ليستلمها منا أحدهم. كانت معظم الكراتين غير محكمة، تستعصي على الحمل، وتطلّ محتوياتها من شقوقها. وفي إحدى المرات استوقفك الرجل الذي يستلم منا الكراتين، ممسكا بلمبة نيون يبدو أنها سقطت من الكرتونة المهترئة التي أوصلتها للتو. استغرب الرجل فيما يبدو وجودها وسط هذا الركام. كانت اللمبة رفيعة وموضوعة في كرتونة ضيقة مضلعة لحمايتها. أمسكت أنت اللمبة، وسحبتها من كرتونتها الضيقة، وتطلعت مندهشا إلى زجاجها المغبش وطرفيها المعدنيين، ثم نظرت إلى الرجل وأردت أن تقول شيئا. شيئ من قبيل أن اللمبة تناسب أكثر باحة الطابق الأرضي، أو أنك ستثبتها في بيتك الجديد إذا عثرت على حاملها، أو أنك لم تعد تذكر اسم ذلك الرجل الذي كان يحمل مصباحا ويسير في الأسواق، لكنك لم تفعل وبقيت مرتبكا على شفا الكلام.

_______________________

المصري اليوم

Top