-->

هاني درويش كشهاب محترق في سمائنا

يوسف بزي

بأحرف مزوّدة بالكهرباء، وأفكار متطايرة كشظايا جمرية، وروح قافزة من غضب إلى غضب، وجسد لا يهدأ كسمكة قرش جائعة، وبابتسامة أذكى من تشاؤمه الأبدي.. عاش هاني درويش بسرعة هائلة وكتب ومات.

كشهاب آت من اللامتوقع، من خارج منظومة المدارات الاعتيادية، أتى هاني منطلقاً بوقوده الذاتي، عضلاً ودماً ورغبات، مندفعاً نحو تلك الشمس الخبيئة، النهائية. مرّ في سماء حياتنا، حارقاً نفسه، لامعة كبشارة ساخطة، كتهديد مغو لرتابة الأشياء والوقت الناعس، واللغة المتكاسلة.

عاش كشاعر من دون قصائد، كلاعب كرة قدم بلا ملعب، كنجم بلا فيلم ولا أغنية، كصحافي بلا جريدة، كعاشق بلا وصال.. 39 عاماً من حياة مشتعلة، وحماسية. حياة أشبه بمباراة نهائية وهدف قاتل.

في مطلع الألفية الجديدة، رحنا نردد ونتفق أن مصر باتت خيبتنا. حالة مستعصية من الاستنقاع والبلادة وتهافت السياسة والاجتماع والصحافة وهيمنة «العشوائيات» على العمران والفن واللغة والأخلاق والاقتصاد والمخيلة، وتأبّد الفساد والسلطة واليأس، وتوحّش البوليس ورجال الأعمال، وموميائية الحكم والدولة، وتلوّث المدن وتصحّر الأرياف، وانحطاط الثقافة والتعليم، وتخثّر البيروقراطية وتعفّنها.. كنا نرى ذلك كقدر لا راد له يأخذ بمصر، أي بالعالم العربي حتماً، إلى مستنقع التخلف والبؤس والفشل المستمر.

لم يكن لدينا خيال جديد، يعيننا على الخروج من هذا الإحباط الوجودي. لم نرَ إشارات الأمل، ولا علامات ما يولد في الخفاء، وينمو متحرراً من وقائع حاضر لا يُطاق. لم نصدّق أصلاً أن ثمة غداً مختلفاً مقبل، بل بتنا قانعين أن لا «جيل جديد» بعد اليوم، لا أمل ولا تغيير. وكل واحد منا كان يزور مصر في تلك السنوات، يعود حانقاً ومعبأ بالاستياء والشكوى.

في الظلال، في الزوايا، في الأركان المنسية، في جوف تلك الفوضى والعشوائية، في الفضاءات الضيقة والمغبرة، في الأماكن المهملة.. بل من قلب الفن «الهابط» والأغاني السوقية واللغة المبتذلة والسينما السيئة، وعلى هامش الكتابات الرديئة، وخلف الصحافة الغافية، ووراء الأحزاب والأيديولوجيات الميتة، وعلى غفلة من الأهل المستسلمين والأوصياء المستتبعين والسلطات المتغوّلة.. وبعيداً عن أعيننا، كان ثمة بركان يغلي، كانت الحمم تتشكل، كانت الوعود تتبلور. حياة جديدة تتبرعم، في مصر أولاً وفي العالم العربي تالياً.

ذاك الفتى الأسمر، العاطفي والغنائي كعبدالحليم حافظ، والمتوتر والهش والجميل والمأسوي كأحمد زكي، والصاخب والمجنون كوسط القاهرة وزحامها المروري، هاني درويش الفائر بدمه وصوته وضحكاته وعينيه المتوقدتين، الحار والعابق كمقهى مصري أصلي.. كان ذاك الرائي للبركان، لما هو آت، لأنه هو في الأصل وليد تلك النار الخفية، التي لم نهتد إليها في بيروت قبله أو من دونه. كان رائياً لما سيحدث بقدر ما كان شريكاً في صناعة ما سيحدث. كان علامة وبشارة بقدر ما كان هو البشرى ذاتها.

كان حسن داوود هناك في القاهرة، بمؤتمر الرواية العربية (2004). عاد وكأنه لم يلتقِ عشرات الروائيين والكتّاب والشعراء والنقّاد والصحافيين وكبار موظفي الثقافة، كأنه لم ينتبه إلى عشرات الندوات والحوارات، كأنه لم يرَ ولم يحمل عشرات الكتب الجديدة والدراسات. كأنه لم يتجول بين ملايين سكان القاهرة، وفي متاهات شوارعها وحواريها وساحاتها ومقاهيها.. فقط أتى مزهواً، مبتهجاً: تعرفت إلى شاب مذهل اسمه هاني درويش.

منذ مقالته الأولى في «نوافذ»، بدأت «ظاهرة» هاني درويش في بيروت. بدا وكأنه ليس صحافياً تماماً، ولا يجيد النحو والصرف فعلاً، لا يتقيد بنسق تحريري ولا بديباجة سردية معتادة، ويكتب عن أمور غير مترابطة في الظاهر، لكنها فجأة تتحول عبر أفكاره وعباراته المتلاحقة والمتدفقة الى معنى كامل، جديد كلياً وأصيل في آن واحد، كإشراقة مباغتة.

بدأت مقالته الأولى في ذاك العام، متناولة المسلسلات التلفزيونية الرمضانية، على هذا النحو: «إنه الجوع.. هكذا افكر اذ تخطر لي قصة «الطبيخ البايت» المصرية الأصيلة، والتي تنظم سلوكاً اجتماعياً غريباً ومدهشاً في ثقافة التحايل المصري مع ما ألفه المصريون وباتوا يجترونه يومياً، لتلوين مآسيهم. ذاك ما تداعى لي وأنا أتابع ألق رمضان الدرامي هذا العام. فها هو طبيخ الدراما المصرية القديم يعاد انتاجه في مواجهة الجوع البصري».

كان بلا كلل حاداً وساخطاً، ومفعماً بمرارة ملونة بالسخرية، ونضراً كيف لنا ان نتدبر نشر مقالاته هذه؟ لم يترك شيئاً الا ومرره تحت معوله. كان حاسما في كل كلمة، وقاسيا ومتوهجاً.. وهذا وحده يعاكس كل المجريات المصرية التي اعتدناها. تلك المعاكسة لم تكن سمة هاني وحده، اذ هو راح في كتاباته يدلنا على مكامنها في خبايا القاهرة، هذا ما منح «نوافذ» نافذة قاهرية استثنائية، كانت عبر كتاباته استشرافا نادرا لما سيأتي عام 2011 وما تلاه، بلا اي مبالغة، طالما اننا كنا نتداول قراءة مقالاته في جلساتنا وسهراتنا ونقاشاتنا، باعتبارها كشفا مستمراً ليوميات مصرية توحي بدلالاتها ومعانيها غير انطباعنا الذي كان راسخا بأن لا أمل هناك، وتشير الى اعتمالات لا تنتبه اليها الصحافة ولا تقولها الكتابات المصرية.

عندما اندلعت الثورة المصرية، لم تسعفنا المخيلة إلا بصورة هاني درويش مثالاً لتعيين هيئة وملامح أولئك الشباب الغامضين، بهواتفهم الخلوية وكومبيوتراتهم الشخصية، وحناجرهم الصادحة، وقلوبهم النابضة وأجسامهم الفتية السمراء. وكنتُ شخصياً أرى فيه عبدالحليم حافظ في زمن جمال عبدالناصر، وأحمد زكي في زمن السادات ومبارك. وأراه هو بصورته واسمه ووجهه وصوته في زمن الثورة والألتراس ومذبحة بورسعيد ومجزرة شارع محمد محمود وموقعة الجمل في ميدان التحرير، التي كتب تفاصيلها كواحد من أبطالها. في زمن الثورة ذاك، ما كنت أتخيل إلا هاني درويش في خيم الاعتصام، أو على المنصة، طالما أن الروح الجديدة المنبعثة بملايين المصريين، كنا قد اهتدينا إليها منذ سنوات في شخصه وحده.

كان يجمع بحيوية فائقة وشغف عميق حبه لكرة القدم وإدمانه السياسة، وتعلّقه بالفنون وقراءته المحمومة للأدب وعشقه للصحافة، وإخلاصه للقاهرة وولهه بلبنان، جمعاً أليفاً وقوياً، وهو المواظب على استباق المستقبل، وطويه باستعجال، كمن يريد عيشاً مضاعفاً سريعاً، كما لو أنه كان يدرك أن لا متسع من الوقت لديه.

في مشواره الأخير، المفاجئ، إلى بيروت، منحني دمعته، سرّه، انكساره العاطفي. أودع في ذاكرتي أساه العميق ومات.

...........

المستقبل| الاحد 4 أغسطس 2013

Top