-->

فرد ضد الجماعة

هيثم الورداني

لم نكن نعرف أننا كثيرون إلي هذا الحد. نحن أصدقاؤه ومعارفه، أحباؤه وخصومه، القريبون منه والبعيدون عنه، المقيمون معه والعابرون به. نحن الذين تقاطعت طرقنا مع طريقه في لحظة ما فانتبهنا إلي اهتزاز بقي حاضرا معنا. لم نكن نعرف أننا نشكل جماعة مترامية الأطراف ومتعددة البطون. جماعة ظلت غير مرئية، تتوزع بين القارات والسنوات، ولا نعرف من وجوهها سوي القليل، وإن كنا نحدس بوجودها. وهاهي اليوم تظهر شيئا فشيئاً بعد غيابه الأخير

كيف استطاع طريد المجتمعات وشريد السياقات أن يخلق جماعة؟ كيف استطاع من فَهِمَ السياسة علي أنها اختيار شخصي في المقام الأول أن يكوّن حشدا؟ هاني درويش لفظ كافة التنظيمات اليسارية التي تربي في كنفها. ولفظته خارجها معظم التنظيمات الإجتماعية الأخري كالأسرة أو الطبقة. في كل محطة من محطات الفرح الجماعي أو الخوف الجماعي، حيث لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، كان صوته يخرج عاليا ليضع حرية الفرد وحقه في اختيار نمط حياته والدفاع عنه في قلب المعركة السياسية، دون أي تنازلات.

إذا كان الفرد ضد الجماعة، والجماعة هي البوتقة التي ينصهر داخلها الأفراد، وإذا كانت السياسة هي صوت الجماعة، والشعر هو صوت الفرد، كيف تشكلت إذن هذه الجماعة؟ لعلها نبعت من رفض هاني درويش الجذري لكل هذه المفاهيم البالية والبلاغة الميتة. فالسياسة، كما أثبتَ هو، تصلح أن تكون نشاطا شاعريا. والفردية ليست مرادفا للذاتية، وليست ضد الجماعة وإنما ضد تواطؤات الجماعة. فرغم صوته الجهوري وملابسه الصارخة ووهجه الصاخب لم ينهمك يوما في تأسيس ذات استثنائية. لم تكن ذاته هي ما يسعي وراءه، حياته الشخصية نفسها كانت كتابا مفتوحا لا يتردد أن يُطلع أول عابر عليه. وإنما كانت فرديته هي ما لم يتوقف عن التمسك به والدفاع عنه. الفردية باعتبارها حيزا نقديا متحررا من تواطؤات الجماعة. باعتبارها أداة بحث واستراتيجية للمعرفة.

ذات هاني دريش ليست صندوق أسرار مغلق، وإنما حركة أبدية نحو الخارج. الكتابة عنده هي هجرة دائمة. حكاياته القاهرية وُلدت في محيط بيروتي، نصوصه السياسية كُتبت بمنطق الشعر، تعليقاته الصحفية والشخصية هي ارتحال لا ينتهي في متاهات المدينة، لغته هي انزلاقات خطرة فوق الأسطح المستقرة. من يقرأ هاني درويش يترك قناعاته جانبا، وينزلق مثله، ويصبح مهاجرا، سواء بقي في وطنه أو غادره.

الجماعة التي تُدعي هاني درويش نسيجها هش لإنها لا تعي نفسها كجماعة. مع كل نبضة جديدة تنزاح المواقع ليتكون تشكيل جديد. وكل تشكيل هو تركيب من الأفكار والأفراد والعواطف. كل تشكيل هو ارتجال جديد. واسم هاني درويش لم يعد يدل علي شخص، وإنما علي تشكيلات عديدة يسكنها أفراد كثيرون. فما هو بشيخ للجماعة التي تحمل اسمه ولا بفارسها. وإنما هو أحد الهائمين في أنحائها، أو لعله اسم تلك الحركة الباطنية التي تسري في بطونها المختلفة. حركة تفتح السياسة علي

الرغبة، تضرب التاريخ بقصائد الشعر، تهشم الجغرافيا بالأدب، تخلط الصناعة بالفن، والموسيقي بكرة القدم.

ليس في هذه الجماعة ذوات، وإنما تيارات تتحرك كطاقة نقدية تخترق مربعات التفكير التقليدية. نحن الذين تقاطعت طرقنا مع طريق هاني درويش لا ندور في فلكه، وإنما نشكل معه لحظات مختلفة من جماعة لا يمكن أن توجد سوي في الخيال. فنحن لا نعرف بعضنا جميعا، وقد لا نرغب في ذلك، رغم أن التيارات تصلنا ببعضنا البعض. ولا تجمعنا فكرة أو هوية تجعل من وجودا واقعا. نحن جماعة متخيلة، وبالرغم من ذلك فهي حقيقية بدرجة لا تقل عن الجماعات الواقعية.

سنبقي بعد رحيلك يا صديقي فرادي كما نحن، مشردين في سياقاتنا، مطرودين من فردوس المجتمعات. لكننا سنشعر بقرابة لم نكن نعيها. قرابة قوية مع أشخاص عرفوك ولن نعرفهم أبدا، أو نبدأ في التعرف إليهم الآن، أو رأيناهم مرات كثيرة ولم نصادقهم، أو صادقناهم دائما. قرابة معك أنت ونحن نكتشفك من جديد يوما بعد يوم. انتماء خاطف لكل تلك الحياة التي أجريتها بيننا. نبضة قلبك الأخيرة يا صديقي ترددت في صدورنا جميعا. قبضتنا، ولم تبسطنا بعد.

Top